حداثة و ديمقراطية

جدلية الحرية والعلم في بناء الوجود الإنساني(٣).

مبدأ السببية أو الحتمية

يرتكز العلم على مبدأ عام اكتشفه في الطبيعة، وهو مبدأ يمكن تسميته بأسماء، لكن جوهره لا يتغير بفعل تغير أسمائه، وهو مبدأ الحتمية، أو مبدأ السببية، أو مبدأ العلية، وهو مبدأ تتأسس عليه العلوم الطبيعية بالخصوص، أو ما نسميه بالعقل التجريبي، ويعتمد الفهم على إرجاع ما يجري إلى أمر خفي، يعمل العقل على تقفّيه، وتتبعه، ويجب في هذا المبدأ أن ينتهي عنده كل بحث وتقصّ، أي لا يجب البحث عما هو فوق هذا المبدأ أو من يحركه ويتحكم فيه، وإنما ما يجب الانتهاء إليه في البحث، إنه المبدأ والمنتهى، منه تبدأ الظاهرة، وعنده ينتهي التفسير والفهم. يعد هذا المبدأ بمثابة المركز الذي يحوم عليه كل من العقل والطبيعة و”دون هذا المبدأ العظيم كان مستحيلا أن يولد العلم الحديث” [21]؛ هذا فيما يخص العقل العلمي في صيغته التجريبية، لكن الأمر مختلف في العقل الرياضي المجرد، انحرف عن المسار، وأدخل الاحتمال في لغته الرياضية؛ فأصبحت النتائج في الرياضيات احتمالية، أو مجرد إمكانية من إمكانية الحدوث والوقوع. أعطى الاحتمال في الرياضيات فرصة لإمكانية الحرية داخل مجال العلم، والتحرر من مبدأ العلية الصارم، والانفلات من قبضة الحتمية والضرورة.

تفسير الظاهرة أو السلوك الإنساني وفق هذا المبدأ، يعتمد على الإقران والربط بين شيئين على الأقل: السبب والنتيجة، ولا يمكن حدوث النتيجة دون سبب أدى إلى ذلك، وهذا الإقران لا يخلو عقل منه، حتى العقل الخرافي أو الأسطوري، إذ هو الآخر يعمل على إرجاع حدوث النتيجة إلى شيء ما، وإن كان السبب تختلف طبيعته بين الطبيعة المفارقة للسبب بالنسبة للعقل الخرافي، والطبيعة المحايثة بالنسبة إلى العقل التجريبي. إذن كلا العقلين يعملان بنفس الطريقة مع اختلاف في مضمون التفسير أو المسبّب الرئيسي للظاهرة.

ينفي العلم الحرية، نظرا للمبدأ الذي يعتمد عليه، والذي يتأسس على الحتمية، أو مبدأ السببية، ومقتضى هذا المبدأ استقراء المعطيات من خلال البحث عن العلة الفاعلة المباشرة في حدوث الظاهرة، وبناء عليه يمكن إرجاع نفس الظاهرة لنفس السبب، ويمكن تعميمه، ويصبح صالح لكل فهم وتفسير يقع بنفس الكيفية، بمعنى آخر، يتميز هذا المبدأ بالتكرار والإعادة، وقد ينتقل من مبدأ جزئي يفسر الظاهرة إلى مبدأ عام يشمل كل الظواهر التي تحدث بنفس الطريقة. ويخضع هذا المبدأ للضرورة، بحيث لا مجال للاختيار، أي لا يمكن للظاهرة أن تختار السبب الفاعل في حدوثها، وإنما كلما توفرت أسباب معينة، حدثت الظاهرة مباشرة، وإذا تكررت نفس الأسباب حدثت نفس النتائج بالضرورة، ولا يمكن أن يحدث غيرها بالضرورة. من هنا يمكن القول إن العلم يلغي الحرية، ويجعل نفسه في نقيض تام معها، وتعارض مطلق، بحيث لا يمكن أن يجتمعا، أي إذا وجد أحدهما ارتفع الآخر بالضرورة. وبالتالي، يتميز مبدأ الحتمية بالتكرار والتعميم والثبات، والوحدة، أي أن التفسير الوحيد بالضرورة وليست هناك إمكانية لحدوث غيره بالضرورة، ومن ثمة فهو دائم ويصلح لكل زمان وفي كل مكان وتحت مختلف  الظروف. إذن، “منذ أرسطو والفلاسفة والعلماء يعتقدون أن مبدأ السببية هذا يحمل ضرورة؛ وأنه دون افتراض هذه الضرورة لا يمكن لقوانين العلم التجريبي أن تقوم. فيستحيل، مثلا، تصور قطعة معدن سُخنت دون أن تتمدد. ويستحيل تصور امتناع جسم، ترك حرا في الهواء، عن السقوط. إن مبدأ السببية هو روح قوانين العلم، وإن خاصية الضرورة التي من المفترض أن تربط بين الأسباب والنتائج هي روح هذا المبدأ” [22].

وبناء على مبدأ الحتمية، لا ينم الإنسان عن هذا المبدأ أو يستثنى، إذ يمكن فهم ما يقوم به وتفسيره، بل وحتى التنبؤ بما سيقوم به، مثلما يمكن فهم ظاهرة من ظواهر الطبيعة. ولهذا لا يمكن للإنسان أن يكون محكوما دون شيء، أو بأمر سابق، يصح به وجود الإنسان وتعليله، وكذلك إيجاد تفسيرات لسلوكاته وأفعاله. ومن ثمة لا يمكن للحدوث أن يكون من تلقاء نفسه، أو استحالة إيجاد تفسير محتمل. لذلك ينتمي الإنسان إلى الطبيعة، وأحد عناصرها الجوهرية، وخاضع لنظامها، ولا يمكنه خرق العادة أو النظام الكوني، والذي يمكن فهمه بالعلم وليس بشيء آخر. يتميز هذا النظام بالضرورة، والحتمية، والاطّراد القائم على الاتساق والتتابع، وهذا يعني أن الفهم مرهون بما هو متاح الآن، وقابل للفهم، وليس ما يمكن أن يكون عليه العلم، بحيث قد تأتي نظرية علمية في المستقبل، تنفي مبدأ السببية، أو الحتمية، وهدم مبدأ اطراد الظواهر وتتاليها وتتابعها، وبذلك لا يبقى مع هذه النظرية أي مجال لفهم النتيجة بالبحث عن أسبابها المباشرة أو غير المباشرة.

لمحمد بن يونس.

الجديد- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate