حداثة و ديمقراطية

جدلية الحرية والعلم في بناء الوجود الإنساني (٢).

الذكاء الاصطناعي واغتراب الإنسان

لقد حدث انقلاب جذري في الوضعية الأنطولوجية للإنسان مع سيادة العلم وسطوته، انحاز الإنسان عن موطن الوجود، فلم يعد الفاعل أو الذات المفكرة، ولا الكائن الأخلاقي، أو الحيوان السياسي والاجتماعي، وإنما تحول إلى رقم أو عدد أو أصبح آلة تتحكم به التقنية. سوف يتقلّص في هذا الانقلاب دور مختلف المجالات التي تبحث عن معنى الوجود، وعن ماهية الإنسان، لن يكون هناك مجال للتفكير ولا لطرح الأسئلة بصفة جوهرية. وبناء على ذلك، يمكن تعريف الإنسان بأنه حيوان آلي أو تقني، بعدما سمح لنفسه بأن يكون أقل من مرتبة الأشياء، بدليل أن هذه الآلية أو التقنية هي التي أصبحت تتحكم فيه، وتسيّره كما تريد لا كما يريد هو. وتكمن هذه الآلية في غياب التفكير والتعقل، وتعويضهما باليد، وما دامت اليد هي من تشتغل في الإنسان أكثر من الفكر والعقل، فلا خوف على مستقبل الإنسان الآلي أو التقني. وبالتالي، “ترد كلمة ‘الاغتراب’ في سياق ذلك النقد الذي غالبا ما يوجه إلى طبيعة العمل وسيره في المجتمع الصناعي وفي الأجهزة البيروقراطية للدولة، والذي يبين كيف صار الإنسان في المجتمع التكنولوجي القائم على الإنتاج الآلي وتقسيم العمل.

إن المطلوب من سيادة العلم هو مَحْق التفكير، أو جعل الإنسان لا يفكر، ولا يطرح الأسئلة ويبحث عن الأجوبة، ويكابد مشقة ذلك، وإنما أصبحت الأجوبة متاحة وبشكل نمطي وكلي، يطغى عليها الشمولية، والمجيب في هذه الحالة لا أحد، إنه الذكاء الاصطناعي. لم يعد الإنسان يستطيع رفع رأسه ليفكر فيما حوله أو ما يحيط به، إنه السلب المطلق، أو النفي العدمي. وهكذا، انتقل العلم من مرتبة الوسيلة إلى مرتبة الفاعل، وتحولت الطبيعة إلى صورة، والإنسان إلى تقنية.

لقد كان ما قبل الرقمنة، أي التحول الرقمي، الحديث عن الاغتراب والاستلاب، كنتائج للتحول والتطور الذي أحدثه العلم على الوجود الإنساني؛ أما الآن أصبح الحديث عن أزمة جديدة، تتمثل فيما يسميه ألفين توفلر “بصدمة المستقبل”، ويعتبر “صدمة المستقبل هي العجز المذهل عن التكيف الذي يأتي في ركاب الميلاد المبتسم للمستقبل. ومن ثم فقد تكون هذه الصدمة هي أخطر أمراض الغد”.

تعني صدمة المستقبل عدم قدرة الإنسان على التكيف السليم مع التغيرات التي تجري حوله، وكذا عدم إدراك حدوث هذا التغير والذي هو بفعل الزمن وليس الإنسان، أي خارج حدود الإنسان. إن جريان الأحداث يحدث انفصالا بين الإنسان والزمن، سواء في إدراكه أو الإحساس به. ومن ثمة انعكاس سرعة نقل الأحداث والوقائع عبر مختلف الوسائل التقنية على تصور الإنسان للزمان، بحيث امتلأ الزمان بالأحداث ولم يعد لدى الإنسان القدرة على الانتباه لجريانه. وهكذا، تعد “صدمة المستقبل ظاهرة زمنية من نتائج المعدل المطرد لسرعة التغيير في المجتمع، وهي تنشأ من عملية التركيب لثقافة جديدة فوق ثقافة قديمة” وبالتالي، إذا أصبح “التغيير خارج نطاق التحكم” ، أو “لم نستطع أن نتحكم في معدلات التغيير في شؤوننا الخاصة، وفي المجتمع ككل، فإنه مقضي علينا لا محال بالتعرض للانهيار الجماعي، كنتيجة لعجزنا عن التكيف مع عملية التغيير” . إن ما ينتظر الإنسان كنتيجة لذلك، هو الانقلاب الجذري في الوجود الإنساني.

يقترح توفلر لمواجهة المصاعب المتزايدة، الاستعانة بآلية فهم المستقبل، إذ “لا يقتصر هدف هذا الكتاب على مجرد تقديم نظرية، بل إنه أيضا يستهدف عرض منهج. لقد درس الإنسان الماضي ليلقي الضوء على الحاضر، ولكنني قلبت مرآة الزمن مقتنعا بأن صورة واضحة للمستقبل يمكن أيضا أن تمد حاضرنا بعديد من البصائر التي لا غنى عنها. إننا سنواجه مصاعب متزايدة في فهم مشكلاتنا الشخصية والعامة، إذ لم نستعن بالمستقبل كأداة للفهم والادراك” .

حتمت أزمة كورونا على مختلف الدول والمجتمعات والأفراد ضرورة الانتقال من التعامل عن طريق ما هو ورقي إلى التعامل عن طريق ما هو رقمي، سواء تعلق الأمر في العمل عن بعد أو ممارسة السياسة عن بعد، اتخاذ القرارات عن بعد، محاكمات عن بعد، حتى الانتخابات أصبحت تتم عن بعد، هذا الانتقال سوف يغير معنى الكثير من المفاهيم، خصوصا مفهوم الحرب، وما يتبعه من مفاهيم السيادة والحدود والتدخل الأجنبي، وحتى مفهوم الاستعمار. سوف تكون الحروب في المستقبل تتم عن طريق صناعة الفيروسات الإلكترونية، ولن يتعلق الأمر بالعتاد الحربي وما تملكه الدول من جنود وطائرات ومدرّعات وقاذفات الصواريخ ونظام الدفاع، وإنما سوف يتعلق الأمر بقدرتها على صناعة أسلحة جديدة ترتبط بالعالم الرقمي. وبالتالي، لا يتطلب الأمر في خرق سيادة دولة ما، القيام بالتدخل الميداني لمجموعة من الجنود، مثلما حدث في الانتخابات الأميركية عن طريق التصويت بواسطة البريد الإلكتروني، أصبح الأمر يتعلق بالحدود الرقمية، أو السيادة الرقمية، وبمجرد اختراق النظام الرقمي، يكون قد حصل التدخل في سيادة دولة ما. لم يعد الأمر يتعلق بالحدود الواقعية بين الدول وإنما بالحدود الرقمية الموضوعة إلكترونيا أو المتفق عليها، أو ما له رمز سري لا يتاح إلا لمن يمتلك هذا الرمز. أصبحت الحدود عبارة عن رموز سرية، ترتبط بمجال الخصوصية بدل الحديث عن السيادة، بمعنى آخر تتعلق السيادة بسياسة الخصوصية. وهكذا، يمكن تعميم السيادة والانتقال بها من سيادة الدول على حدودها إلى سيادة الفرد على خصوصيته من الناحية الرقمية.

لمحمد بن يونس.

الجديد- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate