المرأة

الأمومة اليوم (٤).

من وجهة نظر التحليل النفسي، عملية نزع الولَه مؤسسة على التسامي، فكلما كانت الأم أكثر قدرة على التسامي، كلما استطاعت تحويل مشاعر التملّك والتعلّق والاعتماد إلى أشكال أكثر ملاءمة لتطوّر الطفل وحريّته وبناء ذاته. فكلّما عمل التسامي عند الأم، كلّما كانت مساحة الإبداع عند الطفل أكبر. فلو بقي ارتباط الأم بطفلها جسدياً، لما تمكّن الطفل من التكلّم والمشي بل وحتى التفكير.

في هذا السّياق نلاحظ الاختلاف الجوهري الثاني بين الأمومة والهيستيريا، كما تفهمهما كرَستيفا، إذ يختلف الموقف الأموميّ هنا جذريّاً عن الموقف الهيستيري في علاقة المرأة بعملية التسامي. تلك العمليّة التي اعتقدَ فرويد أنها غير منسجمة مع طبيعة النفسية الأنثوية، ولذلك تفترض كرَستيفا في نقد موجّه لمؤسّس التحليل النفسي، أنه لم يأخذ الأم كنموذج ممكن للمرأة في دراساته، بل اكتفى بمشاهداته السريرية للنساء الهيستيريّات، اللاتي فشلن في إنجاز التسامي لبعض مشاعرهنّ، وظهر فشلهنّ هذا في أعراضهن التي تتميّز ببروز الصراعات اللاواعية على مستوى الجسد، من خلال نوبات هياج أو أعراض جسدية نفسية.

تقوم كرَستيفا بربط آلية التسامي كما تتم ملاحظتها عند الأمهات بشكل آخر من «دورة الدافع» كان فرويد قد اكتشفها في الكوميديا، وبشكل خاص حين يقوم أحدهم برواية نكتة ما، وهو يعلم منطقها ومكمن «المزاح» فيها، إلا أنه يحاول كبح دوافعه الخاصة ومعرفته بالمعنى الضمني للنكتة، ليركّز على رواية المعنى السطحي الذي سيوصل المتلقي إلى مرحلة فهم النكتة من خلال فهم معناها المبطّن وبالتالي الضحك. (نعلم كيف أن بعض رواة النكات يفسدونها بعدم قدرتهم على كبح ضحكاتهم فيكون تأثير روايتهم على الآخر منقوصاً، ولا تصل النكتة كما يجب). يأخذ الراوي من ردود فعل الآخرين، حسب فرويد، المتعة التي تعوّضه عن كبح دوافعه وأفكاره الخاصة، وتكون تلك المتعة أكبر وأبقى.

كذلك الأم، في عملية لا تخلو من المزاح، تكرّر أصوات طفلها أثناء اللعب معه. ينظر الطفل فيجد طفلاً آخراً، أو ربما كلباً أو كتاباً ذا ألوان جذابة، فينظر إلى الأم مستوضحاً مطلقاً لأصوات لا معنى لها تشير ربما إلى الغرض الجديد أو إلى المشاعر التي أثارها في داخله. ترافق الأم تلك الأصوات بتكرارها أو تستجيب بالضحك لتدعم بذلك استجابة الطفل وتعزّزها، مأخوذة بجمال ما يفعل، بل بحقيقة أنه يستجيب من حيث المبدأ، ومع أنها تجد نفسها في موقع من يوضح للطفل بطريقة أو بأخرى، ماذا تعني استجابته تلك، (إلام تشير، أو ما الذي يحدث للطفل استجابة لما رآه)، إلا أنها تركّز على استجاباته وردود أفعاله لتحاول من خلال الابتسام واللعب والمزاح، بما ينسجم مع ردة فعله، إيصال المعنى المطلوب إيصاله إلى الطفل. حين يبدي الطفل ردّة فعل جديدة (تكرار كلمة قالتها الأم، ازدياد حماسه وتصاعده أو حتى بكائه وغضبه) يزيد ذلك من متابعة الأم لردود الأفعال تلك، دون أن تعطي أهمية لما تريد هي أن تقوله، أي للمعنى «الصحيح» للكلمة، أو المعنى الذي يجب إيصاله كما تمليه الثقافة ويحفظه النظام الرمزي. وهي إذ تقوم بذلك فهي تغذّي متعتها بطفلها من خلال كبت دوافعها الخاصة والتخلّي، مبدئيّاً، عن رسالتها التي عليها أن تقدمها (كما تفهم الأم وظيفتها ومسؤولياتها تجاه الطفل).

تشكل الأم بتلك الآلية حائط الدفاع الأول عن الطفل في عمر مبكر، في وجه النظام الاجتماعي الذي ينتمي إليه، والذي يحاول ابتلاع الطفل في حبائل المعنى كما تروج له الثقافة التي تنتمي الأم لها، فتسمح له بأن يقول ما يريد، يخترع لغته وأصواته الخاصة، يدّعي روابط غير مفهومة بين الأشياء، أو ردود أفعال لا تنسجم فيما بينها إلا في منطقه الخاص. إلا أنّ الأم سرعان ما تشكّل لاحقاً، عندما يكبر الطفل ويتعلّم لغتها، البوابة الرئيسيّة لدخول الطفل في النظام الرمزيّ والثقافة.

من خلال دورة التسامي تلك، تقوم الأم بإيصال الإشارات البدئيّة الأولى التي يبني عليها الطفل أدواته الخاصة، التي سيعمل وفقها على تطوير المعنى الخاص به (ذاتيته/ذاته الخاصة). بعضُ تلك الرسائل يتم التقاطها بسهولة وبعضها الآخر لا يصل إلى الطفل، أي لا يستطيع الطفل إدماجها في ذاته التي تكون في طور التشكّل. نسمّي تلك الإشارات: «الدوالّ الغامضة»، وهي أساسية في بناء ذات الطفل المتمايزة عن الأم ومن ثم عن المجتمع (في نواتها المركزية على الأقل). من خلال تلك الدورة تنقل الأم للطفل، شيئاً فشيئاً وبشكل متزايد مع تقدم عمر الطفل ونضج حواسّه وجهازه العصبي، مفاتيح ثقافتها (ما هو ذاك الشيء الذي يدفع للضحك، أو للبكاء، متى أغضب ومتى أحزن، وكيف أُعبّر عن فرحي أو حزني أو غضبي … أو حتى حبي.. إلخ.)، تنقلها كما تنقل له مادتها الوراثية.

في عرضها لمراحل تشكل الولَه الأمومي وتطوره مع تقدم عمر الطفل، تقدّم كرَستيفا  بين الوقت والآخر على طول المقال، إجابات محتملة للسؤال الذي طرحته على نفسها في بداية المقال، وهو: «من هي الأم الجيدة كفاية؟»، المصطلح الذي اقترحه وينيكوت ليحلّ مكان السؤال السائد المعزّز ثقافياً منذ أواسط القرن الماضي، وهو: من هي الأم الجيدة؟

فالأسلم الحديث عن الأم التي تقدّم ما يكفي للطفل ليبدأ رحلة تطوره الخاصة، وليس السؤال الثاني الذي وضع الأم، ولاحقاً الأب أيضاً، في امتحان دائم لسلوكهما في تربية أبنائهما. فمشاعر الذنب التي يعاني منها الأهل، في يومنا هذا، مع كل قرار وكل ردة فعل عليهم اتخاذها تجاه الطفل، متعلّقة بتقييم الأهل لأنفسهم في عيون الآخرين من أهل ومربين ومعلّمين وغيرهم. تعيش الأمهات اليوم قلق أن يكنّ أمهات سيئات، دون أن يتمكنّ من تقديم معيار محدّد يتم من خلاله تحديد من هي الأم الجيّدة ومن هي الأم السّيئة. علاوة على ذلك، فإن إطلاق أحكام من هذا القبيل على الذات، وعلى الغير، يفتقد عموماً لفهم السياق الذي تجري فيه عملية التربية، ويتّسم بصعوبة إن لم نقل استحالة تحديد مقدمات فعلٍ تربويٍ ما قامت به الأم، وارتباطاته بتاريخها وإمكانيّاتها الفكريّة والنفسيّة والماديّة وغيرها.

«الأم الجيّدة كفاية» هي الأم التي تتمكن من القيام بمجموعة من الوظائف والأدوار التي عليها القيام بها ليتمكّن الطفل من النموّ الجسديّ والنفسيّ، وليست مجموعة من الصّفات الشّخصية التي على الأم أن تتحلّى بها. وتلك المحدّدات والوظائف غير مرتبطة كذلك بشكل مباشر بالطرق التي سيسلكها الطفل في حياته، حين يكبر: هل سيصبح شخصاً متوازناً أو فعّالاً في المجتمع، أم سيكون فاشلاً ومضطرباً نفسياً، فلذلك محددات وشروط بالغة التعقيد لا تتعلّق فقط بالتربية.

ليوليا كرستيفا.

الجمهورية- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate