المرأة

الأمومة اليوم(٢).

رغم ذلك، لا يمكن القول إن الأمومة بعيدة عن البيولوجي تماماً، بل إن الأم تتأثّر بلا شك بالتغيّرات الهرمونية المرافقة لعملية الحمل والولادة، والتي تستمر خلال مرحلة الأمومة الأولى، لكن تلك العلاقة مع البيولوجيا لا تشكل إلا أرضيّة تبني عليها الأم علاقة الولَه مع طفلها. لذلك يمكن القول، حسب كرَستيفا، أن الأم تقع على مفترق طرق بين البيولوجيا والمعنى، فبعد انتهاء العمليات الفيزيولوجية الأساسيّة المرافقة للحمل والولادة والإرضاع، يجب على الأم أن تسبغ المعنى المناسب لتطور حياتها وذاتيتها، على علاقتها بوليدها الجديد، وذلك منوط بذاتيتها أولاً، ولاحقاً بذاتية الطفل. في واقع الأمر، تنطوي الأمومة، في واحدة من أصعب تحدياتها كما سنرى، على فكّ الارتباط البيولوجي بين الأم والطفل، والبحث عن أشكال أكثر إبداعية تفتح أمام الطفل سبل التحرّر والتفردُن.

بشكل عام، اهتمّ التحليل النفسي حتى وقت متأخّر بسؤال الأب، وبقي سؤال الأمومة معلقاً بين قطبين، الأول ينطلق من كون الأمومة شيئاً طبيعياً بسيطاً لا يحتاج فهماً خاصاً، والثاني يسعى لاختزال السؤال إلى الوظيفة الأموميّة، أي إلى ما يجب أن تقدّمه الأم لطفلها ليتمكّن من النمو والتفتّح (الأم الجيّدة كفاية، عند وينيكوت). حتى الأمّهات، يتآمرنَ، حسب كرَستيفا ، بشكلٍ لاواعٍ، فيُضخمن الجانب الجماليّ والمقدّس للحمل والطفولة، لكي يتجنّبن السؤال عن ماهية الحبّ الأمومي، الذي وكما يعلم الجميع يشكّل القالب النموذجي الذي تصبّ فيه كل علاقات الحب والصداقة، فحبّ الأم يشكّل، بالإجماع، أصدق أشكال الحبّ وأقلّها فساداً. وهكذا بقي سؤال الأمومة سؤالاً مغلقاً على الاجتهاد والتجريب.

في هذا السّياق ترسم كرَستيفا  ملامح العاطفة الأمومية، بل لنقل ملامح ذاك الشيء الذي يربط بين الأم وطفلها، والذي يتجاوز العاطفة. فعند كرَستيفا  لا يمكن للأمومة أن تكون نزعة بيولوجية (غريزة) بحتة، إلا أنها أيضاً ليست عاطفة بسيطة (حب أو كره أو فخر …)، بل إنّ ذاك الذي تكنّه الأم لطفلها مركّبٌ من عدة عواطف، ولا ينحو بالعادة سلوك العواطف البسيطة، بل هو موقف نفسيّ تجد الأم نفسها فيه قد خضعت لتغيّرات جوهرية، قد تُغيّرها إلى الأبد، وقد ارتأت كرَستيفا  تسميته  الولَه الأمومي (maternal passion)يمكن ترجمته «الشغف الأمومي»، لكني اخترت ترجمتها بالولَه، على اعتبار أن معاني كلمة «ولَه» في المعجم تشمل التعلق المجنون واختلاط مشاعر الحب والشوق مع النفور والذنب والألم.، وهو ذو دينامية داخلية يكون لها الأثر الكبير على تطوّر الطفل وحبّه لنفسه وقدرته على التفكير.

الوله مركّب من عواطف متناقضة، يصل أحياناً حدّ الجنون، وتلعب فيه القوى النفسية النرجسية والعدوانية دوراً لا يقلّ عن الحب والحنان والشوق. ذاك الوله لا يتعلّق بالضّرورة بالارتباط البيولوجي عن طريق الإنجاب بين الأم وطفلها، بل يمكن أن يتشكل في علاقة أمّ مع طفلها بالتبني، أو حتى عند بعض النّساء اللاتي يمارسن بعض المهن كالتعليم والتمريض.

تستعين كرَستيفا  بصندوق أدوات ومفاهيم التحليل النفسي، على اختلاف مدارسه وتوجّهاته النظرية، من النرجسية، إلى التسامي، إلى التماهي الإسقاطي والعدوانية وغيرها، لتفكّك المراحل الرئيسيّة لتشكّل الولَه الأمومي ومن ثم لتفسير ديناميكيته الداخلية.

تبدأ المرحلة الأولى من مراحل تشكّل هذا الولَه، وتورّط الأم فيه، في فترة الحمل والفترة الأولى بعد الولادة، حين تكون العلاقة أم – طفل علاقة انصهاريه لا يميّز فيها الطفل بين جسده وجسد الأم. إذ توضّح كرَستيفا، كيف تعمل قوى الأنا النرجسية الموجّهة للذات (بقسميها: أي أنا الأم نفسها وأنا الطفل الذي لازال جزءاً من الأم) على زعزعة هوية الأم، فالأم تستثمر نرجسيتها بنفسها وبطفلها كجزء منها، وهذا يؤدي إلى تعزيز نرجسيتها (استثمار)، لكنه استثمار موزَّع، يُظهِر ويُوضِح الانقسام الجديد الطارئ على الأنا. يمكن لهذا الفهم أن يلقي الضوء على المشاعر المتناقضة التي تشعر بها الحوامل، منها الإيجابية (مشاعر جسدية جنسية ناتجة عن تعزيز نرجسي على سبيل المثال)، ومنها السلبية (مشاعر ضياع وخوف من المستقبل وغيرها، ناجمة عن الانقسام الداخلي في «أنا» الأم)، وهذا ما يفسر أيضاً اعتبار كثيرات من النساء أن الحمل هو الجزء الأسهل من تجربة الأمومة.

لكن تلك المرحلة تُكتب لها النهاية عاجلاً أم آجلاً، إذ لا بدّ في وقت ما أن ينفصل الطفل عن ذات الأم ليصبح ذاتاً مستقلة، يحدث ذلك حسب التحليل النفسي اللاكاني، بعد تدخّل الأب، الذي يتدخل برمزيّته، لا بشخصه، ليفصل تلك العلاقة الانصهارية التي كانت تجمع الأم بطفلها في المرحلة الأولى بعد الولادة. بعد عملية الانفصال تلك تجد الأم نفسها، فجأة، في علاقة مع كائن صغير غير واضح الشكل بعد. في تلك المرحلة، التي تكون فيها كثيرات من النساء عرضة للاكتئاب، تعاني الأم من فراغ أو نقص تشعره في ذاتها. تمثّل كرَستيفا  على هذه المرحلة بالعديد من لوحات الأمهات الحوامل، التي تنظر فيها الأم إلى الفراغ المثبّت في نقطة ما بعيدة (أو ربما إلى الفراغ في داخلها) دون أن ترى ما تنظر إليه، لوحات من قبيل رسوم «العذراء وطفلها» لبيليني أحد رسامي عصر النهضة في إيطاليا، حيث تظهر تلك النظرة التائهة بوضوح جليّ.

بعد تدخّل الأب للإيعاز بفك الانصهار، تبدأ المرحلة التالية، التي تتميّز بعملية طرد الطفل من ذات الأم، وهي نفسها بداية عملية تشكّل ذات الطفل! تَدخُّل الأب يحدث، كما أسلفنا، على الصعيد الرمزي، وهو يحدث أساساً في ذات الأم، من خلال موقع الأب في لاوعي الأم، أي كما ترى الأم وتعيش الرمز الأبويّ في علاقتها مع زوجها وأبيها.

فحتى يصبح الطفل ذاتاً مستقلّة، لا بدّ له الانفصال عن أمه، قبل حتى أن يتعلم الكلام، والمشي. عملية الفصل عن الذات تلك، أساسية، وإلا لما اعترفت الأم بطفل خارجها (نراها في بعض الحالات المرضية على هيئة إنكار الولادة أو الحمل ذاته كما عند الأمهات اللاتي يدخلن في نوبة ذهان قبل وبعد الولادة). ذاك الطرد الحتميّ من الذات يطبع الولَه الأمومي منذ نشأته بطابع «سلبي»، فذاتُ الطفل هي وليدة الطرد من فردوس العلاقة الانصهارية مع جسد الأم.

وما إن تدخل الذات المستقلّة للطفل في الصورة، حتى يصبح الحوار بين الذاتين ممكناً، حوار بين الأم والطفل. يتميز هذا الحوار بكونه حواراً لاواعياً، إن صحّ التعبير، تنتقل فيه الإشارات وفق آليّات نفسية لاواعية، بين الأمّ وطفلها وبالاتجاهين.

الحوار اللاواعي هذا، يحدث أساساً من خلال آلية «التماهي الإسقاطي»، التي صاغتها ميلاني كلاين، والتي تتماهى وفقها ذات الطفل مع رغبة الأم التي تُسقِطها على طفلها، أي أنه يتبنّى ما تسقطه الأم عليه كأنّه صادر عن ذاته وبالتالي تصبح رغبة الأم رغبته أيضاً وهكذا. الرسائل المتبادلة تصل عن طريق ابتسامة، أو صوت أو إشارة من الأم إلى الطفل، وبالعكس. لكن إن كان الموضوع يجري بهذه العفويّة والآليّة، فسيبرز السؤال التالي: كيف تقوم الأم إذن بفلترة العواطف السلبية؟ أي ما السبيل للتعامل مع الرغبات العدوانية والتدميرية التي يمكن أن تصدر عن لاوعي الأم؟ تتدخل هنا آليّة أخرى معروفة في التحليل النفسي منذ نشأته مع فرويد، وهي التسامي، وهي آلية نفسية لاواعية تُغيّرُ مسار الدوافع اللاواعية إلى طرق جديدة مما يكفل تحوّل قوة الدوافع العدوانية لتصب في سُبُل الحنان والرعاية.

يكفلُ هذا الحوار اللاواعي تضخيم الدوافع الأمومية، فالطفل يغذّي دوافع أمه بنسخها وإعادتها لها، في حين يغيّر التسامي وِجهتها لتصبّ في المحصّلة في مشاعر الحنان تجاه الطفل.  فَشَلُ التسامي عند الأم يُلَاحظ سريرياً عند الأمهات المكتئبات حديثات الولادة اللاتي يَخفن على أطفالهن من أنفسهن إذ تراودهنّ أفكار وتخيّلات حول أذيّة الطفل وموته. بشكل عام تعيش الأم ما يشبه المشاعر التي نجدها عند مريضات اضطراب الشخصية الحديّة اللاتي ينتقلن بتردّد وجدانيّ دائم بين الحبّ والكره في العلاقات مع الآخرين، حتى منهنّ الأمهات اللاتي لا يعانين سريرياً من اكتئاب أو ذهان.

لا يعني ذلك طبعاً، أن ما يصل إلى الطفل هي المشاعر الإيجابيّة فقط أو السلبيّة المتسامية، بل يحدث طبعاً أن تنتقل مشاعر الغضب ورغبات التملك والعدوان وغيرها من الأم إلى الطفل وبالعكس.

يمكن القول إذن، أن الولَه الأمومي يتكوّن حتى هذه المرحلة من التوتّر القائم بين مشاعر تماهٍ نرجسي مع الطفل من جهة، وعملية طرد/فصل الطفل عن الذات من جهة أخرى.

تُميز كرَستيفا  بين تيّارين رئيسين للتحليل النفسي منذ نشأته، وهما التيّار الذي يعنى بعلاقة الذات مع المحيط (أشخاص كانت أو أشياء)، وينطلق في تحليل النفس من فكرة أنها بحاجة دائمة لتأسيس علاقات مع الأغراض المحيطة، وتدعى نظرية العلاقة مع الأغراض (Object-Relation Theory). أما التيار الثاني فهو الذي ينطلق من دوافع الذات لتحليلها، ويقوم على تحليل الدوافع الداخلية التي تعتبر جزءاً رئيسياً لا يتجزّأ من النفس، وتدعى نظرية الدافع (Drive Theory).

تعتقد كرَستيفا أنه ليس من الصدفة أنَّ أهمّ المحلّلات النفسيات (ما أسمتها بالعبقرية الانثوية) قد توجّهن عموماً إلى نظرية العلاقة مع الغرض/الشيء (أهمّهن في هذا المجال ميلاني كلاين)، وأنّ المحللين الذكور قد توجهوا باتجاه نظرية الدافع وسرديات الذات. فذاك الميل المختلف بين النظريتين متعلق في رأي كرَستيفا  بتجربة الأمومة، إذ أن المحللات ذهبن لافتراض وجود علاقة مع الأشياء، في وقت مبكر جداً من عمر الطفولة، في حين رأى المحللون الذكور أنّ ذات الطفل في ذاك العمر لم تشكل علاقات مع المحيط، بالمعنى المعروف بعد، بل تعتبر «علاقته» امتداداً نرجسياًّ في جسد الأم يعيشه الطفل في تلك المرحل كأنه جسمه هو.

لا تبقى الأم أسيرة الولَه هذا، موجهة كل حياتها إلى طفلها مما يضعها على الحدود مع الجنون، ويجعلها مأسورة بوظيفة الأمومة المستحيلة بمعنى أو بآخر. كَجزء من تجربة الأم، تبرز عملية نفسية مع الوقت أسمتها كرَستيفا  «نزع الولَه»، وهي عمليّة يتمّ فيها سحب استثمار الولَه في طفلها لتسمح لنفسها بالدخول في علاقات حبيّة متعددّة مقابل الوله الذي يربط ذاتين ببعضهما، وهو أمر ضروري لنموّ الطفل، لكنه يعقّد في الوقت نفسه علاقة الأم بطفلها أكثر فأكثر. وتلك الحاجة البنيوية لعملية نزعِ الولَه لا تأتي من مصدر خارجي، بل من تجربة الأمومة نفسها. لذلك تقترح كرَستيفا ثلاثة عوامل بنيوية في تجربة الأمومة، تهيّئ الأرضية لحدوث نزع الوله هذا. العوامل الثلاثة هي: العلاقة مع الأب واكتسابُ الطفل للّغة والزمنية.

أولاً، فكما رأينا يشكل الأب برمزيّته في مرحلة معيّنة من تطوّر العلاقة بين الأم وطفلها عاملاً مهمّاً من العوامل التي تؤدّي لانفصال الأم عن الطفل وهو في علاقته الانصهاريّة مع الأم. لاحقاً يشكّل موقع الأب عند الأم، أي الأب كما هو متمثّل في لاوعي الأم، مصدراً لعمليّة نزع الوله، وتلك الصورة الأبويّة، ليست متعلّقة فقط بالزوج (أب الطفل) بل بوالد الأم، أساساً، وبالتالي بالصراعات النفسيّة الأولى غير المحلولة عند الأم، أي بما يتعلّق بما يسمى بالمرحلة الأوديبية عند الأم في طفولتها. ترى كرَستيفا  هذه المرحلة كفرصة لحلّ الصراعات اللاواعية عند الأم، التي بقيت مفتوحة مذ كانت الأم طفلة صغيرة، إذ ستكون الأم، من خلال انعكاس ذاك الصراع في مرآة طفلها، قادرة، إلى حد ما، على تحليل صراعاتها أو معاودة عيشها واختبارها من جديد.

ليوليا كريستيفا.

الجمهورية-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate