حداثة و ديمقراطية

ثقافة العمل التطوعي.

تؤكد المجتمعات الإنسانية التي مر بها التاريخ منذ بدايته وبمختلف حضاراتها، وأنظمتها، وتوجهات شعوبها الدينية، والفكرية على وجود تلك الإرادة الكامنة في مد يد العون للآخرين، والمساهمة في تحقيق مستوى معيشي أفضل طالما توافرت الدوافع الإنسانية أو الدينية، وما هذه الصورة إلا تمثيل لمفهوم التطوع، ومع التحولات التي عاشها المجتمع الإنساني وتنوع الأحداث التي مرت به ظهرت احتياجات إنسانية حديثة، ومتطورة ولم يعد بمقدور المبادرات التلقائية التطوعية الوفاء بتلك الاحتياجات وتلبيتها ومن هنا ظهرت الحاجة إلى خطط تنموية فاعلة، ومتطورة من شأنها مواكبة التغيرات وتلبية الاحتياجات، وكان لا بد من تكاتف القدرات والجهود وتنظيم تلك الإسهامات التطوعية للتصدي للمتغيرات والحفاظ على المجتمعات.

يعد التطوع من أهم الوسائل لحماية المواطن فهو سلوك إرادي، عن طريقه يتم تغيير اتجاهات المواطنين نحو عدد من القضايا، ويعمل على تنمية روح الانتماء لدى المواطن، وهو من أساليب الوقاية التي من خلالها تجنب المواطن من الوقوع في مشكلات اجتماعية ونفسية عديدة، ويساعد في تأكيد القيم الإنسانية النبيلة السامية، كما أن للتطوع قيمة مادية تتمثل في قوة العمل الذي يمارسه المتطوع، لذلك فأهميته تنبع من كونه يدفع جزءاً من الأعباء المادية عن مؤسسات الدولة، لذلك فالمردود الاجتماعي والاقتصادي للتطوع يأخذ أشكالاً عدة تعود بالمنفعة على الوطن والموطن .

وتبرز أهمية المواطنة في تماسك المجتمع، واستقراره، وأمنه، والنهوض به ومن ثم تقدمه وازدهاره، فهي تعزز انتماء أفراده وولائهم له.

ومن أجل تفعيل العمل التطوعي في مجتمعنا لا بد من نشر ثقافة العمل التطوعي التي تدفع نحو المشاركة الجماعية في أيّ مجال من مجالات العمل التطوعي وميادينه، فالثقافة التطوعية هي الركيزة الرئيسة نحو إيجاد الأرضية الملائمة لنمو شجرة العمل التطوعي، وتقوية روافده، وتفعيل أنشطته.

النظريات المفسرة للعمل التطوعي

إن النظريات المفسرة للعمل التطوعي تأخذ أبعاداً عدة وهي في مجملها تحاول تفسير سلوك الإنسان الذي يقوم به للعمل التطوعي ويمكن تناولها على الشكل التالي:

            •           نظرية التبادل الاجتماعي: وهي من النظريات التي حظيت باهتمام وتعقب على تطويرها عديد من الباحثين المتخصصين ووسعوا إطارها لتشمل المستويات البنائية والثقافية في المجتمع، والعلاقات التبادلية بين الفرد والمجموعة، وبين المجموعات بعضها مع بعض، والتي تعتمد على الأنماط والقيم الاجتماعية السائدة في المجتمع. ووصل التطور في هذه النظرية إلى الربط بينها وبين نظرية شبكة العلاقات. وتتعلق النظرية التبادلية بالتفاعل بين الناس، وتركز على المكاسب والخسارة التي يجنبها الناس من علاقاتهم التبادلية بعضهم مع بعض  فاستمرار التفاعل بين الناس مرهون باستمرار المكاسب المتبادلة التي يحصلون عليها من جراء التفاعل والتفاعل الذي نعنيه بهذه النظرية هو التفاعل الاجتماعي الذي يعتبر الأساس بالنسبة لأي علاقة اجتماعية.

ومن أهم رواد هذه النظرية جورج هوماتس وتتضمن هذه النظرية مجموعة من الفرضيات هي كما يلي :

            •           كلما كان هناك مكاسب من العمل أو النشاط الذي يقوم به الفرد زاد من احتمالية تكرار ذلك العمل.

            •           مراعاة عدم وجود فاصل بين القيام بالعمل وتحقيق المكاسب المعنوية والمادية.

            •           كلما زادت مكاسب الفرد من قيامه بعمل ما زادت من احتمالية قيامه بهذا العمل مرة أخرى.

            •           إذا كان هناك مؤثرات في الماضي أدت إلى وجود مكاسب للفرد فإن وجود مؤثرات مشابهة ستدفع الفرد للقيام بالعمل السابق أو بعمل مشابه له.

            •           كلما كان تقييم الفرد لنتائج فعله أو نشاطه إيجابياً زادت من احتمالية قيامه بالفعل.

            •           حينما يؤدي الفرد عملاً ولا يحصل على مكاسب كما كان متوقعاً أو يوقع عليه عقاباً فإن احتمالية وجود سلوك عدواني كبيرة، وإذا حصل على ما يتوقع يكون احتمالية قيامه بالسلوك المرغوب فيه مرة أخرى أكثر.

والخلاصة أن هذه النظرية تطبق على العمل التطوعي فالمتطوع الذي يحصل على مكاسب معنوية ومادية سواء من احترام المجتمع له وحبه له وتعاطفهم معه وتقديرهم له مع جوانب مادية يدفعه إلى مزيد من العمل التطوعي.

            •           نظرية الدور: وهذه النظرية تؤكد أن الدور يشكل أحد عناصر التفاعل الاجتماعي وهو نمط متكرر من الأفعال المكتسبة التي يؤديها الشخص في موقف معين وهذا يوضح الدور البارز الذي يؤديه المتطوع في تفعيل النشاط والعمل التطوعي والنهوض بخدماته لسد حاجات الأفراد والجماعات.

والتطوع هنا يأخذ صورا متعددة فقد يكون تبرعاً بالمال أو تضحية بالوقت كما يحدث في الجمعيات والمراكز الخيرية والأهلية والأندية الرياضية والثقافية، وتظهر هذه النظرية مفهوم المركز الاجتماعي الذي يرى أن كل شخص من الذين يحتلون هذه المراكز يقوم بأفعال معينة أو يقوم بأدوار ترتبط بالمراكز وليس بالأشخاص الذين يحتلون هذه المراكز وبما أن العمل التطوعي فيه إشباع لحاجة الأفراد والمجتمع على حد سواء فهو يعمل على سد الثغرات والنقص وبشكل أساسي في عملية التفاعل الاجتماعي القائمة بين الأفراد، ومن مفهوم المركز الاجتماعي يمكن تفسير الدور الذي يؤديه القائمون بالعمل التطوعي انطلاقاً من دوافع الخير وهذا الدور في الأساس يقوي من المركز الاجتماعي للمتطوع، ولقد استندت فكرة الدور الاجتماعي أو نظرية الدور في تفسير العمل التطوعي على مفهوم التوقعات المتصلة بالمراكز الاجتماعية وصنفت التوقعات إلى ثلاثة أنواع التوقعات الثقافية وتوقعات الآخرين وتوقعات المجتمع العامة.

            •           النظرية البنائية والوظيفية: وهي نظرية تحاول تفسير السلوك التطوعي الاجتماعي بالرجوع إلى تفسير النتائج التي يحققها هذا السلوك في المجتمع، فالمجتمع في هذه النظرية يمثل أجزاء مترابطة يؤدي كل منها وظيفة من أجل خدمة أهداف الجميع، وهذه النظرية ترى أن المجتمع له نسق من العلاقات الاجتماعية ومن ثم تجمع هذه العلاقات في صورة منظمة اجتماعية وبالتالي ينبغي النظر إلى المجتمع نظرة كلية باعتباره نسقاً يحوي مجموعة أجزاء مترابطة كما يترتب على هذه الرؤية التصويرية تعدد العوامل الاجتماعية، كما أن التكامل في المجتمع لن يكون تاماً على الإطلاق وهذا يحدث الخلل والانحراف الذي يحدث في الكشف الاجتماعي، وتنطبق هذه النظرية على العمل التطوعي باعتباره أحد الأنساق الاجتماعية للحفاظ على استقرار المجتمع وتكامله وهنا يترابط النسق التطوعي مع النسق الأسري والاقتصادي والتربوي ليشكل البناء الاجتماعي فإذا عجز أحد الأنساق الاجتماعية من القيام بأحد وظائف البناء الاجتماعي فقد ينشأ الخلل الوظيفي الناتج عن عجز الأعضاء في المؤسسة عن ممارسة الوظائف الاجتماعية فيأتي العمل التطوعي لسد هذا العجز ويعيد الضبط الاجتماعي لطبيعته.

            •           نظرية الحاجات (نظرية التفاعل): وهي نظرية لماسلو تنقسم إلى خمسة مستويات لتشكل هرماً قاعدته الحاجات الأساسية متمثلة بالطعام والشراب والسكن والجنس والملبس وهي حاجات أساسية لبقاء الإنسان ثم يلي الحاجات الأساسية عند ماسلو إشباع حاجات الأمان والطمأنينة للفرد على نفسه بما في ذلك تأمين دخل مناسب له والحاجات التي تليها على سلم حاجات ماسلو هي الحاجات الاجتماعية والتي يندرج تحتها العمل التطوعي بالنظر لما يترتب عليها في مجال تحقيق الذات وربما حتى تغير النظرة الفردية لشخصية المتطوع وما يتحقق عنه من تقدير خاص للمتطوع من طرف الجماعة بصورة خاصة ومن المجتمع عامة.

إن المتطوع يجود بماله ونفسه ووقته لخدمة المجتمع مما يعطيه الإحساس بأنه فرد فعال في مجتمعه وأهمية نظرة المجتمع له حيث كلما وجد المتطوع التقدير من حوله زادت دافعيته للعمل التطوعي واقتناعه بأهميته وما يقوم به وما يؤديه من أعمال خيرية تطوعية للمجتمع .

            •           نظرية القيم (المدخل القيمي): ترى هذه النظرية أن الإنسان خلال حياته الاجتماعية يكتسب الكثير من القيم وتشكل التنشئة الاجتماعية محوراً أساسياً في هذه النظرية أو المدخل وهي تستند إلى الآتي:

            •           التنشئة الاجتماعية تلعب دوراً أساسياً وكبيراً في هذه النظرية من خلال غرس قيم العمل التطوعي وتعزيزها لدى أفراد المجتمع.

            •           التنشئة الاجتماعية تتضمن أهدافا وقيما للعمل التطوعي.

            •           القدرة الاجتماعية هي امتداد لحياة المجتمع وثقافته.

            •           تتكون من خلال التنشئة الاجتماعية كل الأدوار والمكافآت.

ويفسر العمل التطوعي من خلال هذه النظرية أن ثقافتنا زاخرة بالقيم والأعراف التي تخص عمل الخير والخدمات العامة حيث يكون الفرد تحت تأثير تعلم السلوك التطوعي من خلال الأسرة والمسجد والرفاق والمدرسة والإعلام وجميع مؤسسات المجتمع.

المسؤولية الاجتماعية تجاه العمل التطوعي

تؤكد المجتمعات الإنسانية التي مر بها التاريخ منذ بدايته وبمختلف حضاراتها، وأنظمتها، وتوجهات شعوبها الدينية، والفكرية على وجود تلك الإرادة الكامنة في مد يد العون للآخرين، والمساهمة في تحقيق مستوى معيشي أفضل طالما توافرت الدوافع الإنسانية أو الدينية، وما هذه الصورة إلا تمثيل لمفهوم التطوع، ومع التحولات التي عاشها المجتمع الإنساني وتنوع الأحداث التي مرت به ظهرت احتياجات إنسانية حديثة، ومتطورة ولم يعد بمقدور المبادرات التلقائية التطوعية الوفاء بتلك الاحتياجات وتلبيتها ومن هنا ظهرت الحاجة لخطط تنموية فاعلة، ومتطورة من شأنها مواكبة التغيرات وتلبية الاحتياجات، وكان لا بد من تكاتف القدرات والجهود وتنظيم تلك الإسهامات التطوعية للتصدي للمتغيرات والحفاظ على المجتمعات.

ويعد التطوع من أهم الوسائل لحماية المواطن فهو سلوك إرادي، عن طريقه يتم تغيير اتجاهات المواطنين نحو عدد من القضايا، ويعمل على تنمية روح الانتماء لدى المواطن، وهو من أساليب الوقاية التي من خلالها تجنب المواطن من الوقوع في مشكلات اجتماعية ونفسية عديدة، ويساعد في تأكيد القيم الإنسانية النبيلة السامية، كما أن للتطوع قيمة مادية تتمثل في قوة العمل الذي يمارسه المتطوع، لذلك فأهميته تنبع من كونه يدفع جزءاً من الأعباء المادية عن مؤسسات الدولة، لذلك فالمردود الاجتماعي والاقتصادي للتطوع يأخذ أشكالاً عدة تعود بالمنفعة على الوطن والموطن.

إن المفهوم العام للعمل التطوعي ليس وليد السنوات الأخيرة بل إن التطوع موجود منذ وُجدت الخليقة وقد آمنت به كافة الحضارات والديانات السماوية ومن هنا نجد أن التطوع وتقديم الخير غريزة ثابتة في النفس الإنسانية وجاءت الديانات والشرائع لتأكيدها. والتطوع كما أسلفنا هو الجهد الذي يبذله الشخص والوقت الذي يقضيه في سبيل التغيير للأفضل دون النظر في العوائد المادية، فالمتطوع يسعى لتحقيق أهدافٍ تخدم المجتمع كافة فأيّ عمل تطوعي حول العالم يقوم بهدف المشاركة في تحمل مسؤوليات المجتمع ومن أجل الإسهام في علاج مشكلاته وتحقيق الخطط والطموحات التي يسعى لها فهو إذن التزام أخلاقي يفرضه المرء على نفسه بغرض النفع. ودائماً ما يرافق معنى التطوع انعدام المردود إلا أن هذا المعنى غير دقيق تماماً حيث أن المتطوع قد لا يحصل على المردود المادي إلا أنه يحظى بمردودٍ قد يفوق المردود المادي في أهميته وهو المردود النفسي كما وصفه ستيمبيرج، أي ذلك الإحساس بالهيبة والنفوذ الذي يرافق الإنجاز وكذلك متعة الإيثار والمشاركة وتلك العلاقات المختلفة والتجارب والخبرات التي يحظى بها المتطوع.

وقد عرفت الأمم المتحدة المتطوع بأنه الشخص الذي يقدم خدماته طواعية سواءً كان في مقتبل العمر أو في سن التقاعد فهو يبذل جهوده ويقدم أقصى ما يمكنه لتحقيق أهدافٍ يؤمن بها. وفي ضوء ذلك يتضح لنا أن العمل التطوعي مجهود إنساني بحت قائم على الرغبة الفردية أو الجماعية لمد يد العون لفئة معينة من المجتمع، ويمارس المتطوعون هذا النشاط لاكتساب شعور الانتماء للمجتمع وتحمل بعض المسؤوليات التي تسهم في تلبية الاحتياجات العامة للمجتمع أو معالجة قضية من القضايا التي يعاني منها. وليس للعمل التطوعي طابع واحد بل له عدة أشكال ومنها العمل التطوعي الفردي وهو الجهد الذي يبذله الشخص من تلقاء نفسه في مساعدة غيره في سلوك اجتماعي راق ودون توقع مقابل على العمل، وفي العالم العربي والإسلامي فإن هذا النوع من التطوع ظهر في الصدقات والزكاة والتبرعات وغيرها من الأعمال التي ظهرت قبل الإسلام وأقرها الإسلام، وهناك كذلك ما يُسمّى الفعل التطوعي وهو ما يمارسه الأفراد أو المجموعات بعد تفكير وتخطيط وليس استجابةً لمشكلة طارئة والغرض منه غالباً الارتقاء بالمجتمع وزيادة رفاهيته، أما الطابع التطوعي الأخير فهو العمل التطوعي المؤسسي حيث تقوم جمعيات ومؤسسات شغلها الشاغل خدمة المجتمع والارتقاء به من خلال أعمالها التطوعية وليس مستغرباً أن يولي العالم اهتمامه بجميع تلك الاتجاهات وعلى رأسها التطوع المؤسسي نظراً لرقي أهداف العمل التطوعي وأهميته فهو يساهم في تغطية القصور والنقص الذي قد تعاني منه الحكومات في المجالات المالية والاجتماعية والثقافية وإشباع احتياجات المجتمع بالإضافة إلى مساهمة العمل التطوعي في استقرار الأمن وتحقيقه في المجتمع، فتلك القوة البشرية التي ينميها التطوع ما هي إلا قيادات شابة وقادرة على تحمل المسؤولية والتفكير بروية في وجه الكوارث والمشكلات.

وقد ظهر التطوع جلياً في العالم الغربي على الرغم من الحرص الأساسي على القيمة النفعية والمقابل حيث شكلت الخدمات التطوعية التي عمت العالم الغربي في مجالاته الصحية والتعليمية والثقافية والاجتماعية والبيئة وغيرها حيزاً من الثروة الوطنية الغربية عُرفت “بالنشاط التطوعي”. فعلى البعد التاريخي أشار أرسطو وماركس ودوركايم إلى التطوع الإنساني والخيرية وبعد ذلك ظهرت كتابات تصف التطوع والعمل التطوعي “برأس المال الإنساني والاجتماعي” فقد عرف بوتنام رأس المال الاجتماعي بأنه “معالم التنظيم الاجتماعي مثل الثقة والمعايير والشبكات التي يمكن أن تحسن من كفاءة المجتمع في تسهيل أعمال منسقة” تدار ذاتياً عن طريق التطوع ولا تبحث عن الربح وهو بحسب بوتنام مقياس مدنية المجتمع، فرأس المال الاجتماعي هو الصمغ الذي يربط المجتمع معاً، و أشار فوكو ياما إلى أن المجتمع مرتبط ارتباطا وثيقا برأس المال الاجتماعي بمعنى أن العلاقة بينهما علاقة طردية بحيث أن وفرة رأس المال الاجتماعي تؤدي إلى رفاهية المجتمع ومدنيته .

ونستخلص من هذه التفسيرات والنظريات أن رأس المال الاجتماعي يتمثل في العلاقات التي تربط أقطار المجتمع نفسه على مستوى الفرد والأسرة ثم المجتمع ثم الوطن ثم العالم أجمع. وفي النظر إلى العمل التطوعي على أنه رأس مال اجتماعي فإن له آثاره العظيمة على كل مستوياته. فالتطوع بتعريفه على أنه رأس مالي اجتماعي إنساني فإنه يضفي على الفرد الثقة في النفس ومساعدة الذات والصداقة والرضا والاندماج في المجتمع وبذلك التوصل إلى حلول للكثير من المشكلات الشخصية. أما على المستوى الاجتماعي فإن التطوع هو الوسيلة لمساعدة الآخرين والتعاون عند الحاجة وزرع علاقات الود والثقة بين أفراد المجتمع وبالتالي تحقيق السلام الاجتماعي والتغلب على المشكلات المجتمعية. وحتى لو لم تكن وسائل قياس هذه الآثار دقيقة أو في متناول اليد إلا أنه مما لا شك فيه أن هذه الآثار هي أسس بناء المجتمع المدني المتقدم. ولذا نرى اهتمام العالم أجمع بهذا التوجه حيث أن الخامس من ديسمبر من كل سنة يقف العالم احتراماً للتطوع في يومه العالمي فأصبح التطوع أحد أهم أسس التنمية .

ويمكن بعد هذه النظرة العامة على مفهوم التطوع والعمل التطوعي أن نتطرق لأهميته التي قد نلخصها فيما يلي: فالعمل التطوعي مكمل للجهود الحكومية ومدعم لها كما أنه سهل الوصول إلى بعض المشكلات التي قد لا تتمكن المؤسسات الحكومية من الوصول لها نظراً لمرونته وسرعته، ويمكن للعمل التطوعي صنع قنوات اتصال بين الأفراد والمجتمع وكذلك بين المجتمع والمؤسسات الحكومية. كما أن له أثرا في جلب الخبرات والأموال من خارج البلاد عن طريق المؤسسات المهتمة بالمجال نفسه وحضور المؤتمرات والمناسبات ولعمل التطوعي يمثل بيئة خصبة للقيادات الشابة القادرة على تحمل المسؤولية، والانخراط فيه دلالة على حيوية الجماهير وهو بذلك مؤشر على تقدم الشعوب وبيئة خصبة لتجريب خطط وتوجهات جديدة قد لا يتسنى تجريبها على مستوى المؤسسات الحكومية. ويبرز العمل التطوعي روح الإنسانية في المجتمع ويزيد من تكاتفه مما يؤدي في النهاية إلى التكافل والتضامن الاجتماعي.

وعليه فإن العمل التطوعي يسعى إلى هدفين اجتماعيين أساسيين: يتمثل الهدف الأول في مساعدة الأفراد وإيجاد التناسق والانسجام بين أطراف المجتمع الواحد ومحاولة القضاء على مواطن الخلل فيه، أما الهدف الثاني فيتمثل في إنتاج كل جديد ونافع مما يجعل المجتمع قادرا على تحقيق التقدم المستمر من خلال قدرات أفراده .

من الناحية النفسية تعتبر المسؤولية الاجتماعية حاجة اجتماعية، إذ أن المجتمع بأسره في حاجة إلى الفرد المسؤول اجتماعياً ومهنياً وقانونياً، بل إن الحاجة إلى الفرد المسؤول اجتماعياً أشد إلحاحاً في المجتمع لأنه مسؤول عن ذاته. كما أنها حاجة فردية، فما من فرد تستوي شخصيته وتتكامل أو تتضح ذاتيته إلا وهو مرتبط بالجماعة ارتباط عاطفة وحرص وانتماء واهتمام وفهم. ولا تتوفر للفرد صحته النفسية وتكامله الأخلاقي وتساميه في وجوده إلا بصحة ارتباطه وانتمائه وتوحده مع الجماعة.

كما أن الجهل بالمسؤولية والنقص فيها أشد خطراً على المؤسسات من الجهل بإدارتها وتشغيلها، لأن الجهل أو النقص الأول يدمر قبل أن يعطل، بينما الجهل الآخر يعطل بالقدر الذي يمكن إصلاحه أو تعويضه. وإحساس الفرد بالمسؤولية الاجتماعية يمكنه من تأجيل إشباع ذاته وحاجاته العاجلة ويجعله أكثر قدرة على تحمل أعباء ما يسند إليه من أعمال، ويحرص على إتقان هذه الأعمال، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى تقديره لذاته ويحقق له احترام الآخرين.

وتأسيساً على ذلك فإننا نجد ارتباطاً وثيقاً بين ماهية العمل التطوعي والمسؤولية الاجتماعية من حيث أنهما حاجة اجتماعية وتجسدان الانتماء والاهتمام والارتباط العاطفي بالجماعة. ولعل القاسم المشترك بينهما أي العمل التطوعي والمسؤولية الاجتماعية هو عنصر المشاركة باعتبارها أحد أنماط السلوك الإنساني الذي يعكس شخصية الإنسان ومدى ثقافته وظروف تنشئته البيئية ودرجة توافقه مع المجتمع الذي يعايشه بتقاليده وعاداته ونظمه السياسية. وتبرز المشاركة كضرورة حيوية في العمل الشرطي الوقائي، حيث تلعب دوراً جوهرياً في نجاح الخطط الأمنية وزيادة فاعليتها في إنقاص حجم الجرائم، والمشاركة باعتبارها أيضاً سلوكاً تربوياً ينشأ عليه الفرد ويؤثر فيه مدى ما اكتسبه من علم وخبرات يمكن اعتبارها أحد عناصر تنمية سلوك الجماهير تجاه العمل التطوعي في مجال مكافحة الجريمة.

وربط بعض الباحثين المسؤولية الاجتماعية بالانتماء إذ يرى إريك فروم بأن عدم الاهتمام بالوطن دليل على انعدام المسؤولية الاجتماعية وضعف التماسك الإنساني، حيث لا بد للإنسان أن يحرر عقله ويضاعف انتماءه بدرجة أعلى، ولا بد له أن يُنشئ عالماً يقوم على التماسك الإنساني الشامل وعلى العدالة المطلقة والتعاون البناء.

لخالد غربي.

الجديد- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate