اصلاح ديني

الموروث الدينيّ: مقاربة نقديّة استشرافيّة(٢)

المحور الثّالث/ رؤية استشرافيّة: بحث في البدائل من أجل تأويل تاريخيّ حيّ

في إطار تناولنا مسألة الإصلاح الدينيّ، نشير إلى تصوّر بعض الباحثين لمآل الشّعوب العربيّة والإسلاميّة بعد الرّبيع العربيّ. فممّا لا شكّ فيه أنّ عددا كبيرا من المفكّرين العرب حاولوا إيجاد بدائل تحلّ محلّ الاستعمالات الخاطئة للموروث الدّينيّ بالانفتاح على رؤية إنسانيّة تفسح المجال للتّفكير في المستقبل تخطيطا وإعدادا.

إنّ محاولتنا استقراء التّعامل مع الموروث الدّينيّ، الهدف منها محاولة الكشف عن ظاهرة يثار حولها جدل كثير، وهي لذلك تغرينا من الناحية المعرفيّة بالتوقّف عندها. إنّها ظاهرة الانحباس في الماضي عموما والدّعوة إلى بعث دولة الخلافة من جديد نظاما سياسيّا، لتدبير حياة الناس العامّة والخاصّة. وإنْ كنّا لا ننوي الاستغراق في تفكيك هذه الظّاهرة لأسباب يفرضها المقام، فإنّنا نحتاج إلى الإلحاح على أمر، وهو أنّ كلّ تأويل لا يُسنده حسّ تاريخيّ (sens historique) في قضايا الإنسان والثقافة لا يمكنه أن يوفّر إجابات معقولة للأسئلة الجديدة. إنّ أبعد الغايات التي يمكن أن يدركها ترضية الوجدان الجماعيّ وإمداد النفس بنوع من الطمأنينة. وأمّا عدا هذا، فقليل لأنّ “الاستغراق في الماضي يشغل عن معالجة الحاضر واستشراف المستقبل والإعداد له والاحتفال بأمره” (أبو المجد، 2012، 26 ديسمبر).

إنّ ما يحدث اليوم هو ضرب من الانحراف عن مطامح الإسلام التي جاء من أجل تثبيتها بين المسلمين. فالإسلام لا يتعارض ومقولات التّجديد والتقدّم والتّخطيط للمستقبل، وهو ما يشرّع الحديث عن فقه جديد يعارض “فقه الجمود والعزلة والانفصال والتّقليد”، وهو “فقه التّعايش والاتّصال” تأسيسا للبنية الحواريّة وضمانا لحقّ الاختلاف. فمن الخصائص التي ينبغي توفّرها في الخطاب الإسلاميّ المعاصر الخروج من التموقع على التراث والتطلّع نحو المستقبل واستشراف آفاقه. ويمكننا الاستشهاد هنا لتدعيم هذا الرّأي ما دأب إسلامنا على تثبيته في نصوصه القرآنيّة من الحثّ على العمل للمستقبل والإقرار بأنّ العالم يتغيّر والأوضاع تتحوّل. قال تعالى: “وتلك الأيّام نداولها بين النّاس” (سورة آل عمران، الآية 140).

وفي هذا إشارة إلى أهمّيّة الاستعداد لكلّ ما هو آت. إنّ “العبرة من هذه الحالة النفسيّة الذهنيّة التي يحيينا بها القرآن ألاّ يعيش المسلمون في هموم يومهم، ومشكلات حاضرهم، غافلين عن إمكانات المستقبل المرتقبة، وارهاصاته، ومبشّراته أو نذره، فيفاجئوا بما لم يكن في حسبانهم، ولم يخطر ببالهم” (الكرواني، 2007، ص 254).

إنّ استحضار المستقبل أفقا للتفكير وإمكانا للانتقال من زمن إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى من شأنه أن يشرّع، لتشكّل مفاهيم جديدة تحلّ محلّ الخطابات السّابقة؛ أي التحوّل من الخطابات الدينيّة المعزّزة بطاقة مخياليّة غير تاريخيّة إلى الخطاب الفكريّ الواقعيّ. ويكون ذلك عبر الاستفادة من تطوّر مختلف العلوم التي تدرس الإنسان في كلّيته ودراسة المتغيّرات الحياتيّة التي يعيشها، مثل العلوم الإنسانيّة. وهكذا ينفتح باب على عوالم معرفيّة تقبل النّقد والتّأسيس “لإسلاميّة المعرفة الجديدة” والتحوّل من التّنظير الذي يقوم على إعادة بعث القديم إلى الممارسة الفكريّة الخلاّقة من خلال” تأسيس رؤية إسلاميّة مستقلّة في التّنمية وتأصيل النسبيّة الإسلاميّة بدل النسبيّة المطلقة، والإيمان بالحركة والتّدافع في الحياة، فضلا عن إدراك مشكلات ما بعد الحداثة، وتجاوز الاطلاقات المتناقضة، فضلا عن السّماح بالتعدّديّة” (الكرواني، 2007، ص 299).

فالعالم في حالة تغيّر مستمرّ يتوق إلى بلوغ كلّ جديد لصالح الإنسان في جميع الأصعدة ومواكبة ما بلغته البلدان المتقدّمة من تطور علميّ وتكنولوجيّ. ونعتقد بأنّ مسارا كهذا لا يمكن أن يتعارض في الجوهر مع ما جاء من أجله الدّين الإسلاميّ أو يسيء إلى التعامل مع الموروث في حدوده المعقولة. وبناء على هذا، نرى أنّ الدّين رغم أنّه لا يمكن أن يكون مجرّد عقيدة وجدانيّة منعزلة عن الواقع أو مجرّد طريق للتعبّد لبلوغ أجر في الآخرة والعيش في فردوسها السرمدّي، فإنّ عمليّات التأويل غير التّاريخيّة له التي تريد أنْ يكون كتلة ملغزة “صالحة لكلّ زمان ومكان” بعيدا عن التّقاطع العقليّ معه، لا يساعد على إنضاج قراءة حيّة له. قد يكون الدّين، كلّ دين، جاء “لينفذ في دنيا الواقع، وليتبعه النّاس في نشاطهم الحيويّ كلّه، لا ليبقى مجرّد شعور وجدانيّ قابع في ضمائرهم. ولا مجرّد تهذيب روحيّ في أخلاقهم. ولا مجرّد أحوال شخصيّة في جانب واحد من حياتهم” (قطب، 2008، ص ص 17-18)، ولكنّنا نساءل كيف يحقّق الدّين هذه المقاصد؟ ومَنْ يقدر على تحويله إلى فاعليّة حياتيّة إيجابيّة؟

يجدر بالإنسان إذن، أن يكون تعامله مع الديّن تعاملا منفتحا يتجاوز ثقافة الانغلاق على الماضي وحده والتّغافل عن الحاضر وآمال المستقبل. كما يجدر به التمييز بين الثّوابت والمتغيّرات في التراث الدّينيّ، ليكون التعامل متحرّكا أخذا وعطاء انتخابا وإلغاء.

في هذا الإطار، يمكننا أن نشير إلى أهمّ الآراء والمواقف الدّاعية إلى توخّى الحذر أثناء التّعامل مع الموروث وتفعيل دور العقل لتغيير الواقع. فقد أعلن مثلا، علاّل الفاسيّ “أن لا بدّ من التمييز بين ما يستحقّ البقاء من هذا التراث، وما يستوجب الزّوال بحسب القيم التي يمثّلها. فمنها قيم خالدة ومنها قيم متجاوزة وظرفيّة. وفي مقدّمة ما يجب التمسّك به من تراثنا هو الدّين الإسلاميّ لكن يجب التفرقة بين الدّين في أصوله الصّحيحة وبين التّراث الفكريّ والمذهبيّ الذّي نشأ حول الدّين وما شاع فيه من تعصّب وخرافات وأهواء” (الكتّاني، 2000، ص 91). وهذا المنهج يقتضي “غربلة التراث لنستخرج منه الجواهر، وننبذ الحصى والطفيليّات” (الكتّاني، 2000، ص 91). كما قدّم حسن حنفيّ تصوّرا آخر للتحديث والتجديد ضمن مشروعه النظريّ الهادف إلى تحرير العقيدة الإسلاميّة من المكبّلات، وذلك من أجل خلق مجتمعات ثائرة على الرّتيب والانجذاب لمقولات الماضي. فيكون التّراث بهذا المعنى، رغم حضوره الكثيف في الوجدان سندا لاستحداث إمكانات تغيير الواقع. يجب “استثمار التّراث وتفعيله في الاتّجاه الذي يحقّق (الثورة) على ذلك الواقع وتغييره، واستهداف حياة أكثر تقدّما وتحرّرا وفاعليّة”(الكتّاني، 2000، ص 107)، وهو حين تُناط به هذه المهمّة “يصبح التّراث رصيدا قوميّا غنيّا بإمكانات تغيير الواقع، وليس مجرّد تراكم معرفيّ يقيّد المجتمع ويجذبه نحو الماضي”(الكتّاني، 2000، ص 107). فتحويل التراث من ذات (sujet) إلى موضوع (objet) من شأنه أن يدفع العقل إلى اقتحام مدار الفكر التي كانت معطّلة، وأن يعمل على تحرير الثقافة المعاصرة من الفهم غير التاريخيّ لمقولات أصوليّة وفقهيّة، مثل الإيمان بالقضاء والقدر.

سعى عدد كبير من العلماء الباحثين إلى تجلية الغموض الذي يلفّ مصطلحات سكنت الموروث الدينيّ وأصابته بالجمود. كما حاولوا صياغة مفاهيم جديدة كبدائل عمّا ساد الذّهنيّة العربيّة الإسلاميّة. ومن هؤلاء نذكر: فضل الرحمان في كتابه: الإسلام والحداثة، محمود طه ومحمّد شحرور: في الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة، محمّد أركون في: القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدّينيّ، سعيد العشماوي في: الإسلام السياسيّ والخلافة الإسلاميّة، محمود إسماعيل في: سوسيولوجيا الفكر الإسلاميّ، صادق العظم في: نقد الفكر الدّيني وذهنيّة التّحريم، محمّد الطّالبيّ في: أفكار جديدة في علاقة المسلم بنفسه وبالآخرين وفي: الإسلام وتحدّيات العصر…

فالإسلام كما يراه هؤلاء وغيرهم هو الدّين الذّي يقبل الاختلاف والنّقد، حتى يكون قادرا على تبنيّ الحداثة العلميّة في التّفكير والبحث والتّوفيق بين التقدّم الثّقافيّ من ناحية، وترسيخ الهويّة الدينيّة من ناحية ثانية. ذلك أنّ الهويّة الدّينيّة يجب ألاّ تكون هويّة التّسليم، وإنّما هويّة التّفكير والتّأويل والنّقد والتبصّر والتأمّل. ولقد اختصّت الدّعوة لتجديد الفكر الدّينيّ الإسلاميّ مثلا عند فضل الرّحمان في ضرورة التّعامل مع التّراث تعاملا نقديّا والاعتماد على المسار التاّريخيّ الذّي نزلت فيه النّصوص الدّينيّة. كما حاول دراسة دلالات المعاني القرآنيّة مثلا، بالاعتماد على المنهج التّأويليّ، وهو منهج يقوم في اعتقاده على “عمليّتين اثنتين: الأولى تنطلق من المقام أو السّياق الحاضر لاسترجاع الفترة التي أنزل فيها القرآن، والثّانية على العكس تنطلق من الماضي لفهم الحاضر واستشراف المستقبل”(الفرّان، 2007، ص175). هذه قراءة رآها صاحبها تشرّع لتجديد الفكر الدّينيّ وتطويره والانفتاح على الجديد و”مسايرة ركب الحضارة والخلق والإبداع”. وفضل الرحمان بذلك يصوغ مفهوما مستحدثا، وهو مفهوم”الرّؤية العالميّة القرآنيّة”، وهي رؤية “تقوم على مبادئ عامّة في ارتباطها مع أسيقتها التاريخيّة الخاصّة. وتعمل من جهة أخرى على مراجعة السّياقات الاجتماعيّة والأخلاقيّة المعاصرة التي يمكن أن تطبّق فيها هذه القيم الإسلاميّة” (الفرّان، 2007، ص 176).

هناك إذن، محاولة لفتح باب الاجتهاد وإعادة النظر في الأسيقة التاريخيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة للمسلمين والتّوفيق بين التراث والحداثة. ولا يتحقّق ذلك إلاّ من خلال وعي المثقّف الإسلاميّ المعاصر واضطلاعه بالمسؤوليّة من خلال تأهيله، ليتحوّل “من مجرّد فقيه تقليديّ إلى مثقّف عضويّ حديث قادر على تلبية الحاجات المتغيّرة للمجتمعات الإسلاميّة المختلفة وما يرتبط بها من تأثيرات العولمة والتحديث والعلمنة وما إلى ذلك” (الفرّان، 2007، ص 178).

فمن الضّروريّ إذن، تعديل الرؤى والمواقف إزاء موروث دينيّ، وذلك بتنقيته من البدع والضّلالات والتحرّر من التّقليد وإحلال توازن خلاّق بين العقل والنّقل، وهو ما يدفع إلى بناء تفكير إسلاميّ مواكب للاكتشافات العلميّة والفلسفات المتقدّمة ومندمج اندماجا عضويّا في الزّمن الرّاهن وفاعل فيه. إنّه بذلك يستطيع أن يواجه متغيّرات الحياة وتحدّيات العصر، واحتواء كلّ المسائل الحياتيّة والبحث عن حلول سريعة لها. فالبديل وفقا لمثل هذا المنهج لا يكون إلاّ باعتماد النظرة المستقبليّة والاستناد إلى المناهج العلميّة الحديثة وتحرير الطّاقات من القيود والأغلال التي طالما كبّلت الأفكار، ومنعت التّعبير عن الرّأي وحالتْ دون قيام شبكة قيم جديدة ذات بعد إنسانيّ عميق وأصيل، مثل الحريّة والعدالة والديمقراطيّة.

هذا المنهج المقترح يستدعي، شرطا لبلوغ مقاصده، تصويبَ التّعامل مع الزّمن وذلك بالابتعاد عن الاستغراق في الماضي والانشغال في قضاياه للتفكير جدّيا في قضايا الرّاهن والتخطيط للمستقبل والإعداد لبرامج جادّة يسهر على إبداعها خبراء ومفكّرون عصريّون في شتّى الميادين. إنّه السّبيل الناجع لترتقي البلدان العربيّة والإسلاميّة في سلّم التقدّم والحداثة ولتدخل شريكا مع البلدان المتطوّرة علميّا ومعرفيّا وتكنولوجيّا.

لفاطمة القرقوري.

مؤسسة مؤمنون بلاحدود- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate