المرأة

الأُختِيّة: التضامن السياسي بين النساء(٢).

يجب علينا أن نحدد معاييرنا الخاصة، فعوضاً عن الترابط على أساس شعور الضحية المشترك أو كاستجابة للشعور الزائف بوجود عدو مشترك، يمكننا الترابط على أساس التزامنا السياسي بالحركة النسوية التي تهدف لإنهاء التمييز بناءً على الجنس. في ظل هذا الالتزام، لن تتركز طاقاتنا على قضية المساواة مع الرجال أو على النضال لمقاومة هيمنة الذكور فحسب. لن نقبل بعد الآن تفسيراً مبسّطاً يقوم على تفسير الأمور من خلال ثنائية الفتيات الطيبات والأولاد السيئين الناتج عن بنية التمييز بناءً على الجنس. قبل أن نتمكن من مقاومة الهيمنة الذكورية، يجب أن نكسر ارتباطنا بالتمييز بناءً على الجنس. يجب أن نعمل على تغيير وعي النساء. يتم ذلك من خلال العمل معاً لفضح التنشئة الاجتماعية للتمييز بناءً على الجنس داخل أنفسنا، وفحصها واجتثاثها. بذلك ستتمكن النساء وسيدعمن بعضهن البعض وتبنين أساساً متيناً لتطوير التضامن السياسي.

في العلاقة بين النساء والرجال، غالباً ما يتم التعبير عن التحيز بناءً على الجنس ضمن صيغة تعكس تفوق الذكور القائم على التمييز أو الاستغلال أو الاضطهاد. بينما في العلاقات بين النساء، يعكس السلوك الدفاعي والتنافسي حقيقة قيمة تفوّق الذكور التي تجعل من النساء في حالة منافسة مع بعضهن. إن التحيز المبني على أساس الجنس هو الذي يقود النساء إلى الشعور بالتهديد من قبل بعضهن البعض دون سبب. وبينما يُعلِّم التحيز الجنسي المرأة أن تكون كدمية جنسية للرجال، يتجلى هذا الأمر أيضاً عندما تشعر النساء اللواتي تنكرن بهذا الدور بالازدراء والتفوق تجاه النساء اللواتي يقبلن أن يكن أداة جنسية. يقود التحيز الجنسي المرأة إلى التقليل من قيمة العمل الأسري في مقابل تضخيم قيمة الوظائف والمهن. وتتجلى الإيديولوجياالجنسية عندما تُعلّم النساءُ الأطفال أن هناك نمطين فقط من أنماط السلوك الممكنة: دور المهيمن أو دور الخاضع. يُعلِّم التحيز الجنسي النساء كرهَ النساء، والذي نعبر عنه بوعيٍ وبلا وعي في تواصلنا اليومي مع بعضنا البعض…

في جميع أنحاء الولايات المتحدة، تقضي النساء ساعات من وقتهن يومياً في الإساءة اللفظية للنساء الأخريات، عادةً من خلال الثرثرة الخبيثة (يجب عدم الخلط بينها وبين النميمة كتواصل إيجابي). كما يصور الإعلام باستمرار عبر المسلسلات التلفزيونية والدراما الليلية العلاقات بين النساء على أنها تتسم بالعدوانية والازدراء والتنافسية. يتم في الدوائر النسوية التعبير عن التحيز بناءً على الجنس تجاه النساء من خلال تحقير من لم ينضممن للحركة النسوية وتجاهلهن بشكل تام. يتضح هذا بشكل خاص في حرم الجامعات، حيث غالباً ما يُنظر للدراسات النسوية على أنها تخصص أو برنامج ليس له علاقة بالحركة النسوية. في خطاب حفل التخرج في كلية بارنارد في أيار (مايو) 1979، أخبرت الكاتبة السوداء توني موريسون جمهورها: 

لا أريد أن أسألكن هذا المعروف، بل سأطالبكن بألا تشاركن في اضطهاد أخواتكن. الأمهات اللواتي تضربن أطفالهن هنّ نساء، ويجب على امرأة أخرى، ليس مؤسسة أو تنظيم ما، أن تعمل على إيقافهن. والأمهات اللواتي يضرمن النار في حافلات المدرسة هنّ نساء، وعلى امرأة أخرى، وليس مؤسسة أو تنظيم ما، أن تعمل على إيقافهن. النساء اللواتي يوقفن ترقية النساء الأخريات في العمل هن نساء أيضاً، ويجب على امرأة أخرى أن تأتي لمساعدة الضحية. قد يكون العاملون في المجال الاجتماعي والرعاية الذين يذلون عملاءهم من النساء، وقد يتعين على الزميلات الأخريات من النساء تحمل غضبهن. إنني قلقة من العنف الذي تمارسه النساء تجاه بعضهن البعض: العنف المهني والعنف التنافسي والعنف العاطفي. إنني قلقة من استعداد النساء لاستعباد النساء الأخريات. إنني قلقة من تردّي الخُلق في ساحة الصراع في عوالم النساء المحترفات.

من أجل بناء حركة نسوية سياسية ذات قاعدة جماهيرية، يجب على النساء أن يعملن بجد أكبر للتغلب على التنشئة الاجتماعية القائمة على التمييز الجنسي، والتي تؤدي إلى ممارسات تسبب اغترابهن عن بعضهن، مثل رهاب المثلية، والحكم بناءً على المظهر، والحكم على الآخرين بسبب حياتهم الجنسية الخاصة. حتى الآن، لم تغير الحركة النسوية طبيعة العلاقات بين النساء، خاصة بين النساء غير المقربات من بعضهن أو من خلفيات مختلفة، رغم ضرورة خلقها مساحة للترابط بين الأفراد ومجموعات النساء. يجب أن نجدد جهودنا لمساعدة النساء على التخلص من التمييز بناءً على الجنس إذا أردنا توطيد علاقاتنا الشخصية إلى جانب الوحدة السياسية.

بالإضافة إلى ذلك، تعتبر العنصرية عائقاً آخر أمام التضامن بين النساء. لم تشر إيديولوجيا الأختيّة، كما عبرت عنها الناشطات النسويات المعاصرات، إلى أي اعتراف بأن التمييز العنصري والاستغلال والقمع ضد النساء المتعددات الأعراق من قبل النساء البيض قد جعل من المستحيل على المجموعتين الشعور بأنهما تشتركان في الاهتمامات الإنسانية أو السياسية. كما أن وجود خلفيات ثقافية مختلفة بالكامل  يمكن أن يجعل التواصل صعباً، خاصة ضمن العلاقات النسائية بين البيض والسود. من الناحية التاريخية، اختبرت النساء السود العلاقة مع النساء البيض كمجموعة متعالية عرقياً مارست عليهن السلطة بشكل مباشر، وغالباً بطريقة أكثر وحشية وتجرداً من الإنسانية من تلك التي يمارسها الرجال البيض العنصريون. اليوم، رغم سيطرة إيديولوجيا تفوق الرجل الأبيض، غالباً ما تعمل النساء السود في أماكن يكون فيها المُشرف المباشر أو المدير أو من يمثل السلطة هي امرأة بيضاء. ومع إدراك النساء السود لامتيازات الرجال والنساء البيض على حد سواء نتيجة للهيمنة العرقية، سارعت النساء السود للإشارة إلى التناقض القابع في فكر الأختية المزعوم، حيث يتوجب عليهن مساعدة النساء اللواتي يقمن باستغلالهن على التحرر. رأت العديد من النساء السود الدعوة إلى الأختيّة على أنها نداء للمساعدة والدعم لحركة لا تخاطبهن… كما أدركت الكثيرات أن حركة تحرير المرأة كما حددتها النساء البيض البرجوازيات ستخدم مصالحهن على حساب الفقراء والنساء العاملات، وأغلبهن من السود. بالتأكيد، لا يمكن تأسيس فكر الأختيّة على ما سبق، وليست النساء السود ساذجات سياسياً للانضمام لمثل هذه الحركة. ومع ذلك، نظراً لمشاركة النساء السود تاريخياً وحالياً في التنظيم السياسي، كان من الممكن أن يكون التركيز على تطوير وتوضيح طبيعة التضامن السياسي.

لبيل هوكس.

الجمهورية – موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate