اصلاح ديني

نحو رؤية نقدية “للسلفية المدخلية” في المملكة العربية السعودية بين تقاطع الديني والسياسي.

ملخص:

صحيح أن الدين مولد لطاقة اجتماعية جبارة بخاصة في المجتمعات المتدينة، وهذا ما برر تواجد العديد من تيارات الإسلام السياسية في البلاد العربية، والتي كانت سببا في اختلاط الممارسات الاجتماعية بالدم؛ الأمر الذي ألزم التنقيب في التوجهات الفكرية للتيار السلفي المدخلي من الناحية السياسية، باعتبارها ضرورة ملحّة تفرضها طبيعة العصر المعاشة، وإذا استحضرنا مقول: “كل طرق المعرفة في الإسلام تؤدي إلى السياسة”؛ فإن الأمر يرتهن بتوجهات الفرد العربي الذي يصبو إلى الدين في كل المسالك المسيرة لحياته؛ ملتجئا إلى المصادر الدينية (غير المؤسساتية) لإيمانه بقدرتها على تلبية حاجات المجتمع الدينية، حتى بات الفقيه والداعية المؤسساتي عالة على التحول الحضاري وليس مسهمًا فيه؛ الأمر الذي آل بـــ (المؤسسة الدينية) في البلاد العربية إلى فقد السيطرة على المجال الاجتماعي الديني؛ نظرًا لتحنّطها وفقدانها الحسّ بالحراك المجتمعي، وباتت المصادر الدينية (غير المؤسساتية) المسار البديل الذي يلجأ إليه الفرد العربي لتقنين مسارات حياته؛ وهنا تكمن المعضلة، معضلة تحديد ماهية الهوية الدينية التي يستقي منها الفرد مشاربه التشريعية المسيرة لمسالكه الحياتية؛ الأمر الذي نجم عنه فرض صراع فكري على الساحة العربية قائم بين رحى التوجهات المناهضة للسلطة الحاكمة التي اتخذت من العنف مطية لها، وبين التوجهات المناصرة لسياسات الحاكم، ويأتي – في الراهن – على رأس توجهات (التيار المدخلي) الذي آمن رجاله أن الدولة الإسلامية معرضة لتهديدات تلاشي هويتها نتاج تفشي الأفكار الإسلاموية في المفاصل المجتمعية والساعية إلى تفكيك الدولة الإسلامية ومؤسساتها.

أهمية الدراسة: 

تمنح الدراسة قارئها عناية نقد الفكر الديني وفق التأسيس لفلسفة التقدم، ولن يتم ذلك ما دامت هناك قطيعة جلية ومؤثرة بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، وربما ارتهن هذا التوجه الفكري بخروجه عن عباءة المناورات السياسية إلى حقل المعالجة الفكرية والعلمية، وهو ما لا نزال مقصرين فيه، حيث لم نفرق بعد بين النقد (للظاهرة) والنقد (التفكر في الظاهرة)، وهذه محنة أخرى من محن الحقل الديني في البلدان العربية؛ إذ بات الخلط بين التوجهات الدينية والفكر النقدي لها أمرا مائعا، وبات “الناس العاديين” ضحية للخلط بين المفهومين؛ لتحلّ حالة الشك والضبابية تجاه مضامين الدين سمة تؤطر حياتهم المعيشة؛ الأمر الذي استغلته التيارات السياسية ذات التوجه الديني مطية لترسيخ أفكارها من أجل مكاسب سياسية، إما مناهضة للحاكم، وإما مناصرة له.

لهذا سعت الدراسة صوب تفهم التوجهات الفكرية التي اعتمدها التيار (المدخلي السعودي) سبيلا لمعالجة العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية في إطارها الديني، بغية رصد الأسباب والمبررات التي أوقعته في شبهة المهادنة للسلطة السعودية.

العلاقة بين المنتج الديني والعلوم الإنسانية وروافدها: 

إن تفهم الصراع القائم بين التوجهات الإسلامية في آن بات مرتهنا بمفهومية “الفهم الصحيح لمراد الدين” وعلاقته بسياسات الدولة، ومن هنا تكمن إشكالية الصراع الثقافي القائم على ما هو تشريعي (ديني)/ (سياسي) في الدول العربية، ولاسيما المملكة العربية السعودية فيما هو راهن، التي مثلت ساحة للصراع القائم على الدين وعلاقته بالتوجهات السياسية للبلاد، وعلى هذا نحن نقصد من وراء الدراسة المطروحة التعرض إلى الدين لا باعتباره دين (المادة) ولا دين (الممارسة)، ولكن ترنو – الدراسة – إلى مفهومية الدين، باعتباره توجها إيديولوجيا موجّها يمثل من خلاله حالة التآزر مع الجمعي وفق إعلاء مضامين دينية في تمظهر سلفي.

تنازعية الاستمالة بين المؤسسات الدينية والتيارات السلفية: 

شكلت التوجهات السياسية ذات المرجعية الدينية تغيرات في الروافد الفكرية في أغلب الدول العربية، وباتت السعودية أبرز الدول التي شهدت حراكا فكريا دينيا في ظلال تسيد التوجه السلفي في العقود الأخيرة.

وربما يتبادر إلى الذهن سؤال: لماذا التوجه السلفي هو فرس الراهن في منطقة الخليج بعامة والسعودية بخاصة، والداعي إلى التمظهر المعبر عن صحيح الدين؟

إن الإجابة عن هذا السؤال، ربما يكشف قدرة التوجهات الدينية السلفية – في الراهن – على تفهم ملابسات العصر وفق أطر إسلامية تبدو وكأنها الخيار الأفضل لمواجهة التحديات الراهنة عبر مناهضة الأفكار الغربية التي تحاول النفاذ إلى الهوية العربية، في زمن يكشف فيه الواقع أن (المؤسسة الدينية) في البلاد العربية قد فقدت السيطرةَ على المجال الاجتماعي؛ وبات تأبيد دور (المؤسسة الدينية) ليس له معنى، والتعويل عليها حلم. وأما ما تبقى في بعض البلدان العربية من ولاء وانتماء إلى مؤسساتها الدينية حلّ مرهون بهاجس الخوف والأهوال السياسية والدينية التي تعصف بالبلاد، وتضع الشعوب أمام مفترقات لا تدري سبيل الخروج منها.

ومن ثم بات المتلقي الديني البسيط “الناس العاديين” في حالة من التأرجح بين الإقبال على المؤسسات الدينية والإدبار عن فتواها، هذا التصور وضع المرءَ أمام خيار وحيد يرسخ لمفهومية الرجوع إلى الماضي فقط، لنهل المعارف الدينية على صحيحها دون الوقوع في ملابسات حداثة الفكر الإنساني وظرفياته؛ ومن هنا وجد التيار السلفي بعامة ضالته في الاستمالة والاستقطاب؛ متخذا من مسماه آلية جاذبة؛ سائرا في مضمونه على النهج الماضوي في التفسير الكلاسيكي والتشريع لإقناع المتلقي بأنه المصدر الديني الصحيح وفق ميول ومعتقد الجمعي العربي في آن.

قوام الصراع الديني في السعودية: 

وإذا ما أقرت النتائج البحثية بحتمية وجود صراع ديني في نطاق مكاني بعينه ممثلا في المملكة السعودية، فإن الأمر يرتهن بتفهم التراث (الديني) المتغلغل في (الهوية) السعودية، لا باعتبار عقديا فقط، ولكن لاعتبارات تاريخية تلعب على أوتارها نمطية الانتماء ومفهومية الولاء الوطني، حيث تجلى على الساحة الاجتماعية السعودية العديد من القضايا المتنازع عليها بحسب ما تفرضه الممارسات الدينية في ظلال تغيرات الحاضر، والتي تنازعت على مفهومية صحيح الدين في إطار من التوجه التراثي لتعاليم السلف الصالح بدعوى المحافظة على الهوية في إطارها الديني.

وإذا ما افترضنا أن نفوذ (المؤسسة الدينية) التقليدية في البلاد العربية مستند بقوة السلطة لا بموجب الإقناع والبرهان والريادة، فإن الفرد بات في حالة تأرجح تميل إلى الالتجاء إلى مصدر ديني غير مقيد بتوجهات سلطوية؛ أملا في الوصول إلى نتائج دينية مستمدة من صحيح الدين؛ ومن هذا المنطلق بات العروج إلى التوجه السلفي في المملكة بديلا لا خيار فيه؛ تفاعلا مع تداخلات روافد الظرفية المعيشة “السياسية، والاجتماعية” والموروث الديني الثقافي للمواطن السعودي.

و لعل هذا التحليل، ربما برر علة صعود التيار السلفي (الصحواني) خلال القرن الحالي على أنقاض توجهات ممارسات السلطة بالمملكة، ليثني التيار (المدخلي) تيارا مناهضا للأول مرتكزا على مفهومية الحفاظ على الهوية الوطنية والعقدية التي تنازعتها الأطماع عبر تمظهر الديني، ويعد الثاني محور الدراسة بحثا وتحليلا؛ كمحاولة لتفهم الأسباب التي دفعت به – التيار المدخلي – إلى الوصول إلى نتائج بدت أمام الرائي مهادنة للسلطة.

جذور نشأة التيار المدخلي

شهدت المملكة السعودية ممارسة العديد من التحديات في العقود الأخيرة، والتي تزامنت مع السيطرة الاجتماعية لتيار (الصحوة) إبان حرب الخليج الثانية، واستقدام قوات أجنبية إلى بلاد الحرمين بصورة موقوتة؛ للحفاظ على موارد الدولة وأرضها من الاجتياح العراقي الذي هدد أرض الكويت، وفي ظلال مخالفة الواقع وبعد انتهاء الحرب ظلَّت القوات الأمريكية في قواعدها، ما شكَّل تحدِّيًا جديدًا للنظام في مواجهة التأثير المتنامي لتيار (الصحوة) الذي استغل هذه الحادثة للتنديد بشرعية النظام الحاكم لمعارضته صريح الدين – في المخيال – حيث رَفَضَ التيار أية دوافع لاستقدام القوات الأجنبية لكثير من الأسباب والاعتبارات، والتي ذكرها الشيخ سفر الحوالي في كتابه “وعد كسينجر”.

أحدث موقف تيار (الصحوة) من فتاوى تجاه استقدام القوات الأجنبية تصدّعًا عميقًا شهدته المؤسسة الدينية، وبخاصة بعد فقدان “أهل السنة” في السعودية الثقة في علماء المؤسسة الرسمية إثر تأييدها لقرار الحكومة باستقدام الجنود الأجانب لبلاد الحرمين دون قدرتها على شرعنة الأمر بما يقنع الجمعي السعودي؛ ما أعاد إلى الذاكرة الإسلامية استعانة الملوك والأمراء بالصليبيين والتتار للتخلص من بعضهم البعض وبخاصة إبان الحكم الأيوبي.

وفي ظل هذا المأزق الذي وضعت الحكومة السعودية نفسها فيه، ظهرت بوادر انفراج للسلطة؛ ففي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ظهرت بوادر (الفكر الجامي) على يد محمد أمان الجامي، والذي أصدر الفتاوى بأن الجنود الأمريكان مستأمنين شرعًا، ويُحرَّم أي اعتداء عليهم ووصفه بأنه اعتداء على ذمة المسلمين، وقد تزامن ذلك التوجه مع توجهات ربيع (المدخلي) للردّ على رَفْض الاستعانة بالقوات الأجنبية بكتاب أطلق عليه “صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة على قتالهم بغير المسلمين”.

والمدقق يجد أن رواد التيار (المدخلي) امتازوا بدراستهم للحديث وتدريسه، فأعملوا منهج الجرح والتعديل الخاص بمعرفة رجالات السند في الحديث، أعملوه على كل مخالف؛ فامتازوا بالشدة على المخالف والتحذير منه وتضخيم ما يجدون لديه من أخطاء، الأمر الذي دفعهم إلى التشنيع بالأفكار الجهادية التي ترنو – في الفكر المدخلي – إلى تهميش قوة الدول العربية والزج بها إلى هوة التقسيم وفقدان الهوية الإسلامية.

وبات توجههم على الصعيد السعودي منصبا على المرتكزات الاجتماعية لتيار(الصحوة) في مرمى تشنيعاتهم، من جمعيات تحفيظ القرآن والمكتبات والمخيمات الصيفية، والأناشيد الإسلامية، وقد تجلى ذلك عبر العديد من الكتابات منها ما أورده أحمد الزهراني وأحمد بازمول في الكتاب المعنون بـ: “الانتقادات العلنية لمنهج الخرجات والطلعات والمكتبات والمخيمات والمراكز الصيفية”.

وبالطبع كانت جماعة الإخوان المسلمين على رأس قائمة المناهضة الفكرية، وفي مقدمتها سيد قطب، لانتهاجه منهج الجهادية والدعوة إلى الخروج عن الحاكم لترسيخ قواعد الدولة الإسلامية بما يلائم توجههم؛ فتأوّلوا آراء قطب تأويلا يكشف عن مآلته التي تزج بالدول الإسلامي إلى حالة من التراجع والضعف وفق مفهومية الممارسات السياسية المعاصرة. وفي هذا الصدد قامت العديد من المعارك الفكرية بين التيار (المدخلي) ومناوئيه؛ حيث جاء رد الشيخ بكر أبـو زيـد في رسالة وجهها لــــ “ربيع بن هادي المدخلي” حول بعض كتابات (المدخلي) ونقضه المعلن على أفكار قطب كردة فعل لما قام به رواد التيار (المدخلي) في الترسيخ لأفكارهم.

وهنا وجدت السلطة ضالتها في تيار جديد يتهيّأ للظهور وينتسب روَّاده إلى (السلفية)، مُكتسبين وصف “سلفية المدينة”؛ ليحل التيار (المدخلي) ظهيرا مضادا لتيار (الصحوة) وسطوته على المجتمع، وعلى هامش هذا المحور ذكر الدكتور جيمس إم. دورسي الزميل في مدرسة راجاراتنام للدراسات الدولية، والمدير المشارك لمعهد فورتسبورغ للثقافة، في سياق حديثه حول أزمة الخليج بين السعودية والإمارات وقطر، وبحث تداعياتها على الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، دور “المداخلة” في تلك المعركة، اعتمادًا على تاريخهم في الدول العربية بشكل عام، والمملكة السعودية بشكل خاص:

“يسعى المدخليّون بقيادة الشيخ “ربيع بن هادي المدخلي” إلى تهميش المزيد من السلفيين السياسيين الذين ينتقدون المملكة العربية السعودية، من خلال إبراز أنفسهم كدُعاة للسلفية الحقيقية، في عالم يعمه الانحلال الأخلاقي” استنادا على براهين حجاجية شرعية (القرآن والسنة) المعبرة عن الهوية الإسلامية الصحيحة تحت تمظهر السير على نهج السلف الصالح.

التوجهات الفكرية المدخلية الدينية / السياسية

أثار التيار (المدخلي) لغطا بين الأوساط الدينية والسياسية لما أفرزه من نتائج فكرية عملت على ربط الممارسات السياسية والاجتماعية بالدين؛ وقد بدا ذلك من خلال تشويه سمعة خصومه عبر أدلة عقلية منها إطلاق لقب “القُطبيين” على التيارات الدينية الحاثة على العنف بدلًا من مسمى السلفيين، بالإضافة إلى ذلك استغل المداخلة مكتبات المساجد والأنشطة الشبابيّة من مراكز صيفيّة ومعسكرات وفرق الكشافة والجوالات والـدّخول في هيئات الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، للتقرب من الشباب كسبيل لاجتذاب بعضهم ونشر أفكار مذهبهم فيهم؛ ومن ثم بات التنقيب في الفكر (المدخلي) ضرورة تفرض نفسها على الساحة البحثية كمحاولة لرصد الأسباب والمبررات في خروجه بنتائجه التشريعية؛ لاسيما التي مسّت الصراع العربي الراديكالي الذي بات جذوة التهديد الموجه للهوية العربية فيما هو آن.

و قد تعددت المبررات التشريعية للفكر (المدخلي)، ومنها: 

الانطلاق من منظور “ابن تيمية” الذي أشار إلى أن الأمة الحاكمة تتحمل جميعا مسئولية ما أصابها من تدهور، ولا سبيل إلى إصلاحه إلا بأن يجتهد الحاكم في إصلاح دين الرعية ودنياهم، فإن فعل ذلك كان من أفضل المجاهدين في زمانه؛ ولما روي: “يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة”، حيث يبرز “ابن تيمية” أهمية قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بوصفها قاعدة أساسية تضمن “صلاح المعاش والمعاد في طاعة الله ورسوله”

ومن هذا المنطلق، اعتبر التيار (المدخلي) تأييد الحاكم واجبا والخروج عنه إثما؛ ذلك لأنه – الحاكم – أكثر اطلاعا بالخطط التي تحاك للبلاد، والتي بلا شك تخفي على الرعية؛ ساعيا – التيار المدخلي – نحو شرعنه توجهاته على أسس إسلامية قوامها النص القرآني والسنة النبوية المطهرة؛ الأمر الذي حدا بهم إلى انتساب توجهاتهم إلى التوجه السلفي؛ فعامة الناس تثق في مَن سمتهم الالتزام بهدي النبي في مظهره، فيأمنوهم على الرأي والفُتيا، فبات الانتساب إلى مسمى السلفية بمثابة الصك الذي يشرعن تقبله لدى “الناس العاديين”؛ وهذا التوجه ما دفع بالفكر “المدخلي” في السعودية إلى ربط الدين بالسياسة؛ على النحو التالي: 

1- تحريم الاعتصامات والمظاهرات

حرم التيار (المدخلي) التظاهرات والاعتصامات بعامة والمتزامنة مع ثورات الربيع العربي بخاصة، وحرم المشاركة فيها بكل صرامة، معتمدا على إطلاق العنان إلى “العقل” في الكثير من أمور الإنسان المسلم؛ لافتا إلى أن من يراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحهما ومرجوحهما؛ فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حكمٌ منها يخرج عن ذلك إلا ما تعبَّد الله به عبادَه، ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته، وبذلك يميز الفرد بين حسن الأعمال وقبحها.

وعلى هذا الأساس، انطلق رواد التيار (المدخلى) صوب آرائهم اعتمادا على العقل في تناول العديد من الظواهر الاجتماعية والسياسية؛ فيقول صالح السحيمي محرما الاعتصامات والتظاهرات: “الدخول في هذه المظاهرات التي تقع في بعض البلاد الإسلامية مهما كان الحاكم، ومهما كان الظلم، ومهما كانت المخالفات يعد أثم”؛ وهذا ما نتج عنه رفض التوجهات الثورية التي بدت في الفكر “المدخلي” متولدة عن مذاهب معادية للإسلام والمسلمين كمذهب ماركس ولينين والإخوان المسلمين المنتسبين إلى مذهب الخوارج، وقالوا: إن الإسلام برئ من هذا، مبرهنين على صدق نتائجهم بقوله تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)؛ فالتيار “المدخلي” يرى أنّ هذه الأحداث – الثورات – تؤدي إلى مزيد من القتل وسفك الدماء، فضلا عن خراب الديار والبلاد.

وقد عُضد هذا التوجه عبر الأشعار التي نظمها الأفراد المؤيدون للتيار (المدخلي)، والتي انتهجت أغراض شعرية عدة لعل أبرزها مدح السلطة التنفيذية للبلاد، ويأتي على رأسها الأبيات التي نظمها محمد بن هادي المدخلي؛ قائلًا:

أمــا الملوك، فهم آل السـعود لـهـم           ســمـع وطـاعتــــهــم حـتــم بقـرآن

ولا يحـل لشـخـص خـلـع بيـعتهــم          ومـن يـخن، فعليـــه إثـــــم خـــوان

يا حـارس الأمن بعد الله في وطني          الله يـحميك فـي ســـــرّ وإعــــــلان

أبـا سـعود أطـــــــال الله عـمـركـم           في نصرة الدين والملهـوف والعان

والمدقق يجد أن الناظم سار على النهج الكلاسيكي المعظم من العودة إلى الماضوية التراثية التي يألفها العربي، رافعا لراية “السلفية الحقيقة” في ضمير المتلقي؛ بغية اكتساب شرعية دينية تعضد توجهه بقبول الجمعي.

واستنادًا لهذا الأصل الثابت لديهم، نحا التيار “المدخلي” في السعودية وجل الدول العربية إلى اعتبار النصيحة للنظام الحاكم خروجًا على ولي الأمر؛ فيُفتون بحرمة الخروج عليه، بل ووجوب قتل الخارجين على الحاكم حفاظًا على النظام العام، فيقول محمد سعيد رسلان: “ومع ذلك لو توفرت هذه الشروط- يقصد شروط الخروج على الحاكم- فإنه لا تُنزع يد من طاعة ولا يُخرج على حاكم متغلب وإن كان جائرًا ظالمًا، بل وإن كان كافرًا، إلا عند امتلاك العُدّة أم تريدون أن تخرجوا عليه بسكين المطبخ وعصا الراعي!”.

ويعطون للأنظمة الحاكمة الصلاحيات المطلقة في التصرف في الأموال والقرارات دون أن يجوز للرعية النصح، بل ولها- أي الأنظمة- الحق في التصرف في الدماء تبعًا لما تراه مصلحة؛ انطلاقا من مفهومية كون السياسية في الراهن لعبة تغمض كنهها للعامة وتتميع حقيقتها للجمعي؛ وتحض المصلحة العامة انتهاج نهج الحاكم المؤيد باختيار الشعب.

2- تعطيل الجهاد وزعم أنه لا بد أن يكون بعد إذن الحاكم

لم يصرح التيار “المدخلي” صراحة بمنع الجهاد، ولكن يُعطِّلون العمل به تحت ذريعة أن المسلمين اليوم ضعفاء بالنسبة إلى العدو من جهة العدة والعتاد، لافتين إلى أن العدو هو من يصنع الأسلحة والمحتكر لها؛ لافتين إلى أن شرعية الجهاد الصحيح – بشروطه المعتبرة – هي أن يكون المرء على قدرة وبإذن ولي الأمر.

وهذا المنهج المتبني والممثل في تعطيل الجهاد؛ حفاظا على العباد والبلاد هو عين ما اعتمده التيار)المدخلي)، ما حدا بالشيخ حسين بن محمود إلى كتابة مقالة بعنوان “تعريف العامي بالمذهب الجامي”)؛ قائلا: “فيصرفون الناس عن التبرّع للجهاد الأفغاني بحجج كثيرة منها: إن الأفغان مشركون قبوريون، وأن الحرب في أفغانستان ليست إسلامية، وأن كثيرًا من قادة الجهاد الأفغاني من مختلي العقيدة ومتورطون مع قوى أجنبية وغيرها من الأسباب التي أدّت بالكثير للتوقف عن نصرة الجهاد الأفغاني في سنواته الأخيرة”.

رافضا السياسيات الجهادية التي تروجها تيارات الإسلام السياسي “القطبين”؛ لتحل التوجهات الفكرية للتيار (المدخلي) أحد المسارات الناظرة إلى المنتج الديني (الفقه) على أساس التوائم مع ملابسات البيئة المعاشة التي يرجو منها مصلحة البلاد المنتهجة للإسلام دينا؛ الأمر الذي ألبس التوجهات الفكرية للتيار – المدخلي – لباس المهادن مع السلطة الحاكمة.

لعاصم طلعت محمّد.

مؤسسة مؤمنًون بلاحدود- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate