حداثة و ديمقراطية

جغرافيا الهجرة وتاريخ اللجوء(٢).

استمرت الهجرات بعد ذلك في الستينيات من القرن العشرين وكان السبب الأساسي فيها هو الحروب الأهلية؛ فمع انقسام الهند كانت هناك حركة لملايين من المسلمين والهندوس بين البلدين، ولعل المثال الأظهر في تلك المنطقة هي بنغلاديش، فقد أقصي البنغال من الهند، ومع وجود جدار عزل بين الهند وبنغلاديش، شهدت العديد من النزوح الداخلي نتيجة لكوارث طبيعية بلغ ذلك النزوح أربعة ملايين، ثم ازدادت أعداد المهاجرين بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان.

اللجوء والهجرة يشكلان ضغطاً اقتصادياً هائلاً على قدرات الدولة المضيفة، وتثير الكثير من الأسئلة حول الهوية ومسألة الآخر، وأخذت المسألة بعداً آخر بعد ظهور مفهوم العولمة وعلاقة الشمال بالجنوب، واحتياج الغرب للعمالة الذكية وعدم حاجته للعمال غير الذكية، مما أثار الكثير من الأسئلة حول التغيرات الديمغرافية على مستقبل العالم، وظهر للعيان خطورة مسألة الهجرة وتأثيرها الجيواستراتيجي؛ كما بين صموئيل هنتجتون في كتابه “صدام الحضارات”، فهناك تغيرات حضارية وسكانية قد تشكل ضغطاً حضاريا، فالنموذج الذي طرحه صموئيل يفترض وجود صراعات من الأقليات العربية في أوروبا تنتصر لها الدولة الإسلامية، ومن هنا ينشأ صدام الحضارات، هذا التصور هو الذي يجعل البعض ينفر من استخدام اللاجئين العرب فيما يسمى رهاب الآخر((Xenophopia[12].

44 مليون إنسان هو مجموع اللاجئين الذين أخرجوا قسراً من أوطانهم، أو نزحوا من بلادهم قبل أن تظهر الأزمة الحالية، وكان أغلبهم قد جاءوا من حروب داخلية في الصومال والكونغو وميانمار وكولومبيا والسودان وأخيرا أفغانستان والعراق، وقد لاحظ المراقبون أن أكثر هذه الهجرات هو بين الدول النامية؛ أي أن اللجوء هو من الجنوب إلى الجنوب وليس إلى الشمال.(انظر الجدول)

السنة

1970

1980

1990

2000

2005

العالم

81

99

154

174

200

الدول النامية

38

47

89

110

الدول المتقدمة

43

52

64

64

جدول يبين عدد اللاجئين في الفترة من 1970-2005 (بالملايين)12

ثلاثة ملايين هاجروا من أفغانستان بعد الغزو الأمريكي معظمهم لجأ إلى باكستان أو إيران(ALGORE)، ووفقا لتقديرات تقرير التنمية البشرية تبين أن أغلب اللاجئين لدول مجاورة (2 مليون في دول جنوب شرق آسيا) وفي إفريقيا (2.2 مليون منهم 4.3000 في كينيا وحدها)، وفي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (1.9مليون).

إن السياق التاريخي لهذه الظاهرة، خاصة في القرن العشرين، يبين أن التخوف الأوروبي من اللجوء إليها، يأتي في سياق أوسع من فهم معمق لهذه الظاهرة، كما أن التحكم في الظاهرة يبدو مستحيلاً، ولهذا فالتخطيط التنموي، والتماسك المجتمعي، وظاهرة الإرهاب، والضغط الديمغرافي ووحدة السياسات في الاتحاد الأوروبي وظاهرة التفاوت في التنمية بين دول العالم والاندماج الحضاري، كلها قضايا شكلت نقاشا ساخناً بعد الربيع.

الربيع العربي: نظرية التحول العظيم

شهد العالم موجات عدة من التغيرات والثورات، في أوروبا القرن الثامن عشر وفي أمريكا اللاتينية وفي شرق أوروبا، وكلها موجات شكلت ضغطاً ديمغرافيا لأنواع وأشكال متعددة من الهجرة، ورغم أن الإحصاءات للاحتراب الداخلي قد تناقص من بعد التسعينيات في القرن العشرين، إلا أن موجة جديدة من التغيرات نشأت هذه المرة في العالم العربي.

الربيع العربي سياق من هذه المتغيرات التي شهدتها كل المناطق في العالم، في كل تلك التغيرات كان هناك عنف وهجرة واحتراب داخلي، هناك عدة برامج معلوماتية ضخمة تحاول أن تضع كل المعلومات عن الحروب بطريقة يمكن استخلاص المعلومات المقارنة ومن ثم المعرفة (COW, UPDS …)، فهناك إحصائيات عن الحروب داخل الدولة الواحدة، فبعد الحرب الكونية الثانية، وتحديداً العام 1964 إلى العام 2011 هناك مئة واثنان دولة عانت من الحروب الأهلية. (40) من هذه الحروب في إفريقيا، (20) في أمريكا اللاتينية (18) في آسيا، (13) في أوروبا، (11) في الشرق الأوسط (9, 10). هناك إجماع تقريباً حول تناقص عدد وزمن هذه الحروب من بعد الزيادة الملحوظة في العام 1992 بعد نهاية الإمبراطورية السوفياتية.

في الصراعات التي شهدت تدخلا دولياً، كان هناك تناقص في عدد الضحايا من ثلاثة ملايين بدون تدخل إلى مليون ونصف المليون بوجود تدخل أجنبي. كما أن الحرب بالوكالة حصدت (700ألف) كل هذه الأرقام في الفترة من 1964- 2008.العرب ليسوا استثناءاً وسوريا ليس بدعاً من التاريخ، إلا أن سوريا تصدرت أعداد اللاجئين، وقسوة الحرب أجبرت الكثيرين على ترك الشام، وشهدت شواطئ أوروبا أفواجاً كبيرة من هؤلاء المهاجرين، تقدر الأمم المتحدة أن من بين كل (113) إنسان هناك طالب لجوء أغلبهم من سوريا وأفغانستان والصومال حسب الأمم المتحدة.

تزايد الأعداد هذا هو الذي يعطى للمعطى التاريخي قيمته، فإن هذا اللجوء والتدفق الذي تجاوز لأول مرة حاجز الستين مليون حسب آخر المعطيات، يظهر أن هذه الموجات البشرية لها قيمة تاريخية في الجيواستراتيجيا كما كانت التحولات التي صحبت الهجرات العربية من الأندلس أو تلك التي صحبت تدفق المهاجرين من الفايكنج أو تلك التي توجهت للولايات المتحدة الأمريكية.

حسب المفوضية العليا للاجئين في كل دقيقة ينزح أو يهاجر فيها 24 إنساناً، وتصدرت سوريا أعداد اللاجئين والنازحين في هؤلاء اللاجئين حيث بلغوا 4.9 مليون من طالبي اللجوء، وبلغ عدد النازحين 6.6 مليون نازح لكن دون أن نسهب في ذكر الإحصاءات، فإننا سنذكرها في سياقها التاريخي حتى لا نخرج عن الإطار الذي ذكرناه عن تاريخ الظاهرة، لذا سنلجأ لنموذج تفسيري عبر ما يعرف بنظرية التحول العظيم، والتي أعطت للتغير السكاني دوره في التحولات الكبرى التي شهدها التاريخ.

لكن هذا التغير سيأتي في سياق آخر يندرج ضمنه، هو تأثيره الجيو استراتيجي والتنموي، لذا سنذكر الآن المسار الممكن (وفق الدراسات المتوفرة) لهذه الظاهرة في مستويين، مستوى حضاري تنموي (ندمجهما للاختصار) وآخر جيو استراتيجي.

جيو استراتيجيا اللجوء

يخلق اللجوء والنزوح الداخلي جغرافيا جديدة، وسيناريوهات مختلفة تؤثر في بناء النظام السياسي للدولة، والخبرة التاريخية في ذلك كثيرة، سواء في حرب الكوريتين إبان الحرب الباردة أو في الصراع بين ألمانيا الشرقية والغربية، والذي انتهى بجدار برلين، كما أن جمهورية إيطاليا عانت في القرن الثامن عشر من الانقسام والصراع بين الشمال والجنوب، نيجيريا وليبيا وغيرها من الدول التي فيها هذا التناقض الذي يعزز الصراع، والذي يؤدي للنزوح لتنشأ جغرافيا جديدة.

يمكن أن نأخذ عينة واحدة من هذه الأمثلة، وهو ما حدث في باكستان عام(1971) بين حزب الشعب اليميني الجناح السياسي للمؤسسة العسكرية، والحزب الذي يمثل شرق باكستان، ولما كانت النتائج كفيلة بإخراج حزب الشعب نشبت الحرب وبدأ النزوح في شرق باكستان، ورغم محاولات الهند أن تتحصل على دعم دولي، إلا أنها لم تتحصل إلا على الوعود، واستمر ذلك النزوح والمخيمات ستة أشهر بلغت عشر مليون نازح، وكلفت خزينة الحكومة الهندية حسب مسؤولين أكثر من نصف مليار دولار، وانتهى الأمر بجدار يفصل الهند عن بنغلاديش حالياً.

سيؤثر النزوح والتغيرات الديمغرافية في الخارطة السياسية لسوريا بلا شك، هذا التعدد والنزوح سيجعل الناس تكون “كانتونات” خاصة كل يقترب من طائفته أو ديانته أو عرقه، ومن ثم يصبح من السهل الحديث عن سيناريو التقسيم، هذا ما دلت عليه الخبرة التاريخية في كثير من الأمثلة، وبالطبع كانت الحرب بالوكالة جزء من المشهد كما في مثال الكوريتين، إذ كانت كوريا الشمالية تابعة للاتحاد السوفياتي، بينما كوريا الجنوبية دعمت من الولايات المتحدة الأمريكية، ومع النزوح والدخول في مفاوضات تتكرس الخارطة السياسية الجديدة.

الجيوسياسي في سوريا قريب من ذلك، فإن سوريا لها ساحل قصير على المتوسط نجد مجموعة جبال ومرتفعات يسكن فيها العلويون ومسيحيون ودروز في الغرب، بعد ذلك تنحدر الجبال إلى سهول ممتدة ونهرَ العاصي ووادي البقاع، ما إن ينتهي ذلك حتى نجد جبال الدروز ومرتفعات حوران وجبال لبنان الشرقية، مما يعزز وجود جماعات بشرية منعزلة عن بعضها (من الناجية الجغرافية)، بعد ذلك يغذي نهر برده واحة صحراوية تسمى دمشق، لذا فإن دمشق تحتاج لتصل للساحل عبر لبنان أو من الشمال عن طريق حمص حماه إلى حلب.

هذا التنوع الذي خلقته الجغرافيا، تعزز عبر الانقسامات العرقية والطائفية، ورغم العيش المشترك الذي عاشته المنطقة، لكن هذه الحفريات تعززت بفعل سرديات انتشرت مع الثورة؛ فالحروب الأهلية لا تنشأ لأسباب طائفية كما يظن البعض، بل إن أغلب الدراسات تتجه نحو المطامع والأسباب السياسية، وما الانقسامات العرقية إلا سرديات تستخدم لتعزيز الصراع، ويبدو أن وجود هذا التنوع مع هذه الحرب قد عزز نوعاً من النزوح الذي يوحي بحالة من التقسيم. (انظر الخرائط التي تبين الجيوسياسي والتوزيع الطائفي للسكان في الروابط أدناه).

هذه الجغرافيا جعلت سوريا عبر تاريخها محاطة بقوى عظمى، مما أفقدها القدرة على تكوين كيان قوي يواجه هذه المنعطفات الاستراتيجية التي تحيط بها، لذا سرعان ما تحولت الحرب في سوريا إلى حرب بالوكالة، وفشلت الدولة في الحفاظ على وحدة البلد، وتعززت فكرة التقسيم وساعد النزوح على ذلك، وهذا ظاهر في الأكراد والعلويين والشيعة، مما دفع الأغلبية من السنة إلى أن تعيد هذه السردية المذهبية وتحرك التاريخ، كما هو دائما في التجارب التي شهدت انقسامات للدولة الواحدة بسردية الفيدرالية ثم الانقسام السياسي، كما في نيجيريا وكوريا والهند والسودان. على المستوى الجيواستراتيجي كذلك، نجد أن أكثر اللجوء كان إلى الدول المجاورة، ونظراً لأن الطوائف والأعراق في هذه المنطقة متداخلة، شكل هذا اللجوء خطراً على الدول المجاورة، ويحتاج الأمر لسياسات حكيمة للتعامل معه. تصدرت تركيا أكبر الدول التي استقبلت المهاجرين، وهذا يمكن أن يفهم في سياق تاريخي كذلك. (انظر توزيع الدول في استقبال اللاجئين). ودولة كالأردن أو لبنان كانت في الواجهة كذلك، بينما لم تستقبل دول الخليج أيا من اللاجئين بشكل رسمي، وتلكأت أوروبا في استقبال اللاجئين، وشكل ذلك ضغطاً كبيراً على الاتحاد، وجعله (مع عوامل أخرى يعاني) من أزمة حقيقة. وقد ظهر التأثير الجيواستراتيجي في الطرق التي يستخدمها اللاجئون نحو أوروبا، مما دفع الأخيرة للبحث عن وصول للصفقة مع تركيا للحد من هذه الهجرة.

تركيا لها خبرة طويلة في التعامل مع اللاجئين والمهاجرين، بل قيل إنها بلد المهاجرين، ففيها تنوع جغرافي وتاريخي منذ الحرب العالمية الأولى واستقبلت عديد المهاجرين من المسلمين من اليونان والبلقان وغيرها، وقد شكل قدرتها على التعامل مع هذه الأزمة بشكل يمكنها من احتواء هذا العدد الهائل من المهاجرين، فضلاً عن الخطر الذي يتهددها من خلال الأكراد وتسلل الجماعات المتطرفة، ضغطاً سياسيا على تركيا، مما جعلها في نطاق واحد من الصراع الذي نشب في الشرق الأوسط؛ كما حدث في الانقلاب الأخير.

كيف سيؤثر هذا الوجود لهذه الكتل البشرية على الجغرافيا المتنوعة لتركيا، يبدو أنه سيؤثر في أوراق الضغط التي يتعامل بها صانع السياسة التركي لأن الخبرة التاريخية أظهرت قدرة هائلة على الاندماج في هذه المنطقة، لكن لن يخلو الأمر من ظاهرة “الدينمو” الحرب الأهلية التي تعانيها المنطقة، لذا سيشكل هذا التغير الديمغرافي للبحث عن نظام إقليمي ينظم الحياة السياسية في المنطقة بما يحقق مصالح الجميع، وهذا جوهر المسار السياسي في الأزمات التي تعانيها المنطقة.

تعرضت أوروبا كذلك لأزمة حقيقية بعد هذه الموجه من اللجوء، تاريخياً كانت الهجرات واللجوء جزءاً لا يتجزأ من العوامل التي شكلت جغرافيا القارة؛ فالهجرات واللجوء لم تنته، سواء من القارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية أو أمريكا الجنوبية أو اللجوء إليها، كما فعل الروس بعد الثورة البلشفية أم الهجرة بداخلها كما بين ألمانيا الشرقية والغربية، واللجوء الذي صحب الحرب العالمية بين دول شرق أوروبا وألمانيا وفرنسا كذلك بعد استعمارها للمغرب العربي، وهجرة إيطالية إسبانية لأمريكا الجنوبية، لذا لابد أن تكون هذه الخبرة التاريخية ضمن العوامل المحددة لسياسات الاتحاد الأوروبي تجاه اللاجئين السوريين، لكن الاتحاد الأوروبي فيه نوع من الاضطراب في القدرات الاقتصادية للدول المشكلة، مما جعل العبء يقع على دول بعينها، وما أن جاءت أزمة اللاجئين، سواء من الحروب أو المهاجرين غير النظامين من السواحل الليبية بحثاً عن حياة أفضل، حتى دبت الخلافات في دول الاتحاد الأوروبي، ولم تجد محاولتهم لإجراء إصلاحات عن طريق كوتا تفرض على دول الاتحاد. وهكذا صار الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد خروج بريطانيا منه، مهدداً بالانهيار، وهذا ما يجعل لللجوء بعداً جيواستراتيجيا لا يخفى على مراقب.

المسار الحضاري والتنموي

المسار الآخر الذي دلت عليه الخبرة التاريخية يتعلق بالتأثير طويل المدى لظاهرة اللجوء الجماعي؛ فالجدل الذي يكتب عنه المتخصصون حول تأثير هذه الأمواج البشرية على التنمية والتماسك المجتمعي لدول أوروبا، وكذلك البعد الديمغرافي لتوزيع الأديان والثقافات، وهل هذا جزء من التغيرات العظيمة التي تشهدها البشرية، حين تتكامل الحضارات؛ فالجزء الجنوبي من الأرض يعاني من كثير من الإشكالات التنموية، ومن ثم يصبح اللجوء جزء من عملية حضارية متكاملة كما هو مطروح في نظرية التحول العظيم (Great Transition).

للاختصار هناك نظريتان، الأولى ترى أن لا أحد من هؤلاء اللاجئين لم يتأثر بثقافة العنف في المنطقة، ومن ثم سيكونون عبئاً ومصدراً للاضطرابات في أوروبا، وهذا جاء من خبرة تفتت دولة بروسيا بين النمسا وألمانيا وعلاقة المكون السلافي، وكيف جر ذلك على أوروبا الكثير من النزاعات، لكن تبدو هذه المقاربة بعيدة شيئاً ما، إذا أخذنا أن حوالي ثمانية عشر مليون مهاجر ولاجئ (18 مليون)، لكن هناك حالات مشابهة شهدت دراسات نفسيه حول الميل والعنف أجريت عام (2008) بينت أن من يعاني هذه الحروب يصبح أقل ميلاً للعنف من غيره ، وكما أثبت التاريخ أن الهجرة ظاهرة يصعب التحكم فيها، وأثبتت اكتشافات الـ DNA أن البشر مهما علت أصواتهم نحو انتماءاتهم الوطنية، إلا أنهم كلهم بلا استثناء مهاجرون!!

لنيزار كريكش.

مؤسسة مؤمنون بلاحدود-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate