المرأة

المرأة والسياسة(١)

بعد الانتخابات كتبت عضوةٌ رسالة غاضبة إلى هيئة تحرير المجلة الشهرية التي يُصدرها حزب العمل، حيث عبّرت فيها عن استيائها من قلة عدد النساء المُنتخَبات. وقد نُشِرت الرسالة مرفقةً بتعليق تحريري مفاده أن الرغبة موجودة، إلا أنه من الصعب العثور على المرشّحات. هذا الجواب ليس خطأ، بقدر ما هو غير كامل. ولو كان كاملاً، لقِيل كذلك إن الحزب لم يحاول قط أن ينظّم المجتمع بطريقة تسمح للنساء ترشيح أنفسهنّ، ولم يفكر جدياً كيف يصنع المرشحات. إن الجهود التي يبذلها حزبنا (والأحزاب الأخرى) لا تتجاوز اختيار لجنة التقييم لعدة شخصيات نسائية معقولة من بين القائمة المختصرة، وتقديمهنّ بكلمة تشجيعية، لا تخلو من شعارات التحرر، يلقيها رئيس اللجنة.

في الحالات  المشابهة غالباً ما نتلقّى ثلاثة أنواع من ردات الفعل:

1-إذا كانت النساء يطمحن إلى تلك الدرجة إلى التغيير، فيجب تحقيق ذلك بأنفسهنّ.

2-لا فرق بين الرجل والمرأة، مهارة المرشّح أهم من كل شيء.

3-ألا يستطيع الرجال الدفاع عن مصالح النساء كما تفعل النساء بأنفسهنّ؟

ردة الفعل الأولى تعبّر عن ضيقٍ بالنساء اللواتي لا يكفنّ عن التذمر، ولكنهنّ ينسحبنَ حين يأتي وقت الجد. ردة الفعل هذه مفهومة، ولكنها تدلّ على قصر نظر. لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار أن ثمة تقسيماً للأدوار والمهام بين الرجال والنساء في مجتمعنا، وأن نظام التربية يهيئ البنات للعناية بالآخرين ويعلمهنّ أن البقاء في الظل هو أجمل ما يمكن أن يَعِشنه على وجه الأرض، بينما يتعلّم الصبي ألا يخشى المعركة إن أراد أن يصبح رجلاً حقيقياً. كما أنها لا تأخذ بالحسبان أنَّ على النساء اجتياز سلسلة من العراقيل المادية والنفسية الإضافية. واللافت أن ردة الفعل تلك تختفي في ظروف ومجموعات أخرى مشابهة. لا أحد يقول مثلاً إن على بلدان العالم الثالث أن تحلّ أمورها بنفسها، ولا بد أننا سنعتبر الذين يرفضون تزويد الأحياء الفقيرة ببرامج تعليم اللغة والمعلمين أوغاداً رجعيين.

ترتكز ردة الفعل الأولى على سوء فهمٍ مفاده أن النساء والرجال متساوون في هذا العالم. غير أن هذا يبرز أكثر في ردة الفعل الثانية: نريد مرشحاً ماهراً. الأشخاص الذين يقولون ذلك ينظرون إلينا بوجهٍ مشرق، لأنهم برأيهم تجاوزوا تلك التقسيمات النافلة. ولكن نتيجة ذلك الإشراق هي أن على الجماعة الأضعف أن تشارك وفق شروط الجماعة الأقوى: أهلاً بك في حال كنتَ جيداً مثلنا. ومن يفترض أن الرجال قادرون كالنساء على الدفاع عن مصالح النساء، فهو محق مبدئياً. غير أن ذلك أصعب مما قد يبدو للوهلة الأولى.

يحتاج الأمر إلى طاقة ووقت كي تتحوّل الأفكار الجديدة إلى سياسة. في المرحلة الأولى سوف يكون الشخص الذي يتكبد العناء كالمُنادي في الصحراء. في المرحلة الثانية سوف يكثر المنتصرون للفكرة، وتتم الدعوة إليها بشتى السبل وإلى ما لا نهاية، ولكنها لن تُنفّذ قبل بلوغ المرحلة الثالثة. بين المرحلة الأولى والمرحلة الثالثة قد تمضي سنون طويلة.

ينسحب ما سبق على الأفكار «الحيادية»، أي الأفكار التي يتطلب تحقيقها المال والعمل الفكري والشورى وانزياحات صغيرة أو كبيرة في موازين السلطة. إلا أن ثمة نوعاً من الأفكار يحمل شحنة إضافية. هي أفكار تتعلق بالجنس والأسرة وتوزيع الأدوار والمكانة بين الجنسين، وغالباً ما توجد صلة بين هذه الأمور الثلاثة. تتولّد الشحنة الإضافية عن المحرّمات، لذلك لا يكون الذي يدعو إليها كالمنادي في الصحراء فحسب، بل سوف يجلب الضرر لنفسه، ويرى ردود أفعال الآخرين المرعبة منعكسة عليه. مَن لا يعتبر الخيانة أساساً للطلاق، فهو ليس نظيفاً تماماً. ومَن ناضل مؤخراً في سبيل نشر الوعي الجنسي، فلا بد أنه يسلك سلوكاً منحطاً. ومَن صرّح حديثاً أنه ينبغي اعتبار المثلية الجنسية أمراً طبيعياً، فلا شكّ أنه يشكو بنفسه من تلك الميول. أما المرأة التي تطالب بدُور الحضانة، فهي أم منحلّة.

طبعاً لن يُعبَّر عن تلك الأمور بصراحة أو حتى يُشعر بها عن وعي، إلا في حالات الخروج عن نطاق السيطرة. ولكنها تلعب دوراً، وسوف تكون السبب في أن السياسيين لن يتمكنوا من الشغل على هذا النمط من الأفكار إلا بعد أن يقطعوا شوطاً من المرحلة الثانية. أي بعد أن يهضم الوسط، الذي يحسب نفسه طليعةً متنورة، تلك الأفكار.

وحين يترافع الرجل عن مصالح النساء في المجال العام، سوف يحدث أمر مشابه للوضع السابق. وقتئذ سوف تنقلب المحرّمات المرتبطة بالتقسيمات الجنسية – التي نتستر عليها دون أن تختفي – على رأس المترافع.

في الحقيقة، ثمة أمر غريب في تلك التقسيمات الجنسية. يقال إنها ترتكز على فروقات جسدية غير واضحة. غير أن اللافت هو أنها ليست مهمة بالضرورة. أحياناً تُمنَح هذه الفروق معانٍ اجتماعية، وأحياناً لا يحصل ذلك. يوجد في هولندا أناس شقر وآخرون بشعر داكن، ولكن فقط أثناء الحرب كان لذلك الفرق أهمية معينة، حيث أحسّ اليهود أن الهولنديين الشقر «ينتمون إلى المعسكر الآخر». كان الشعر الأشقر/الداكن يميز مؤقتاً بين «نحن» و«هم»، بيد أن للفرق بين لون البشرة الأبيض والأسود وظيفة تمييزية أكثر استدامة. ومع ذلك يحتاج الأمر إلى بعض الوقت حتى يرى الأطفال البيض والسود بعضهم بعضاً كمختلفِين.

غير أن التقسيمات الجنسية أكثر تغلغلاً في البنى الاجتماعية من التقسيمات حسب لون البشرة. أول شيء نُخبِره عن المولود هو ما إذا كان ولداً أو بنتاً. وفي حين تظهر التقسيمات بين الأبيض والأسود في بعض زوايا اللغة النائية، ينتشر التمييز بين هو وهي في صلب المنظومة اللغوية.

لذلك ليس مستبعداً أن يُعتبَر الرجل الذي يدافع عن مصالح النساء مرتداً، 1 فهو يشكل تهديداً لنفسه وللجماعة. لا أحد يأخذ امرأة تلبس طقماً رجالياً على محمل الجد، ولكن ينبغي على الصبي أن ينسى عادة طلاء الشفاه، وألا يهزّ المثلي وركه أثناء المشي، ورجاءً امنعوا ذلك الغلام عن رقص الباليه، لأن هؤلاء يركزون على جسمانيتهم كما لو أنهم نساء، وسوف يُعرِّضون جميع الرجال إلى السخرية.

كما توجد طريقة أخرى يخسر الرجل فيها مكانته في حال دافع عن مصالح النساء. فهو سيثير انطباعاً خفيفاً أنه يسمح للمجموعة الأدنى أن تأمره، وهذا ما يسمى بظاهرة الطنطات. لذلك يحاول الذين يفضّلون قول كلمة الحق أن يحموا أنفسهم. يتعاملون بشيء من العداوة مع النساء في محيطهم أو يتندرون بهنّ. وبما أن الأمر ينطوي على مخاطرة، فهم لا يسمحون لأنفسهم أن يدافعوا عن النساء أو يترافعوا من أجل تغيير تقسيم الأدوار بين الجنسين إلا حين يتعلق الأمر بمسألة تنضوي سلفاً تحت شعار الأعمال النبيلة. وينسحب ذلك على السياسة أكثر من أي شيء آخر، لأنها ما زالت مجالاً يمنح للتراتبية الذكورية والرجولة أهمية قصوى.

كذلك تَواجُد النساء في المجموعات الرجالية ليس أمراً بسيطاً. يحق لها أن تشارك، شريطة أن تتبع قوانين اللعبة وتمثّل دور الفتاة اللطيفة. أما إذا فتحت أحاديث عن عدم المساواة بين الجنسين، فستُعتبر عاملاً معطِّلاً يطمح إلى الكشف عن المستور ويهدد تماسك الفريق. ولن تكون ردود الأفعال فاترة، بل ستتراوح بين عدوانية مباشرة واستهزاء. وهكذا تتحول الفتاة اللطيفة إلى امرأة ممتعضة، وقد يفضي الأمر إلى الرقابة الذاتية التي نلمس أثرها في إعلام البلدان التي تحكمها أنظمة مفرطة الحساسية. هذه هي الآلية الأولى المسؤولة عن ضعف الاهتمام بمصالح النساء في السياسة. الصمت يجعل الحياة أسهل لجميع المعنيين.

وللآلية الثانية أصل تاريخي. إذ حالما تمكنت النساء أن يصبحن نائبات، صار من الضروري أن يثبتن أنفسهن وأنهن قادرات على الخروج من الغيتو. فقد كان هناك ميل لحبس النساء في خانة النساء. حتى حين وصلت روزا لوكسمبورغ إلى ألمانيا، أراد البعض إرسالها إلى أشغال النساء. ولكن روزا رفضت، لأنها لم ترغب بدورٍ من الدرجة الثانية.

الجيل الأول من السياسيات اضطررن أن يثبتنَ جدارتهنّ من خلال الانشغال بالسياسة العامة. كُنّ يعتقدنَ أنهنّ الطليعة التي تجرّ وراءها جيشاً غفيراً: في حال عبرت نعجةٌ واحدةٌ السياجَ، فسوف تتبعها الأخريات. لذلك لم يكنّ معنيات باستثمار السياسة – وما ينسحب على السياسة، ينسحب كذلك على القطاعات الأخرى –  بغرض رسم خطة لصالح بنات جنسهنّ (حتى ولو كنّ يتحرّكنَ عند الضرورة)، لأنهنّ حسبنَ السياسة وسيلةً لإثبات أن النساء قادرات على القيام بأعمال الرجال: حالما يقدّمن الدليل، سوف يكون السبيل معبّداً نحو الكرامة.

ولكن بعد مرور خمسين عاماً، بات واضحاً أن الأمور لم تسِر حسب المتوقع. وما زال لدينا حتى الآن نعجة واحدة فقط، وهي ما يسمى بين الكواليس بالتمثيل الرمزي. والسبب هو أننا ننتمي إلى الأقليات: إذا نجحت إحدانا فسوف تُعتبر الاستثناءَ الذي يثبت القاعدة، أما إذا فشلت، فسوف يتمتمون «ألم نقل ذلك؟!». المادة الإيجابية لا تؤخذ بعين الاعتبار، أما المادة السلبية فهي دليل قاطع. الشيء الوحيد الذي سوف تحصل عليه المرأة التي تنجح هو أن يُقال لها: أجل، ولكنكِ تختلفين عن الأخريات.

على مدى خمسين عاماً أثبتت النساء السياسيات والأخريات إرادتهنّ الطيبة. وعلى مدى خمسين عاماً اشتغلن وفق شروط «المهنة». والمحصلة هي أنهنّ ما زلن غائبات أو مجرد استثناءات في المناصب العليا، وما زالت الفتيات يدخلنَ سن البلوغ قبل أن يستدركنَ تخلفهنّ الدراسي، وما زالت المتزوجات أو الحوامل يُقَلنَ من أعمالهنّ، 2 وما زال البرلمان قادراً على الإقرار بقانون ضد العنصرية دون أن يُذكر فيه كلمة الجنس أو الحالة العائلية، 3 وما زالت الأحزاب تتخلى عن الاقتراحات التي تخص النساء حالما تستلم الحكم (الحزب الليبرالي والإجهاض) أو تتركها حبراً على ورق حين يحتاج الأمر إلى التمويل (التركيز التقدمي ورياض الأطفال)، أي باختصار: ما زالت النساء يحصلنَ على الفُتات المتبقي من الميزانية، هذا إن افترضنا أنهنّ مشمولات فيها أصلاً.

«أنتِ مختلفة!». لاشك أن القصد من هذا التعبير هو الإطراء، إلا أن الرسالة الضمنية تقول: أنتِ لا تنتمين إلى الأخريات. ونكون هنا قد وصلنا إلى الآلية الثالثة التي تجعل النساء مترافعات سيئات عن جنسهنّ: آلية الولاء المتذبذب. حيث أن النساء اللواتي يُحسَب حسابهنّ قد تعلّمنَ أشياء لم تتعلمها الأخريات، فهن يعرفنَ أكثر، ويستطعنَ أكثر، ويفهمنَ أكثر، ولذلك ينفصلنَ عن جماعتهنّ ويشرعنَ بالتذمر من الجهل والمحدودية والسلوك الأخرق الذي تعاني منه الأخريات. ولذلك ينشأ لديهنّ ميلٌ إلى محاربة جماعتهنّ، وإنكار موقع الأقليات الذي تحتله النساء (لم ألمس أي تمييز ضدي)، والتعامل مع مكانتهنّ الخاصة بمزيج من التواضع والغرور، مما يجعلهنّ يخاطبنَ بنات جنسهنّ قائلات: لو بذلتنّ أفضل ما عندكن مثلي، سوف ننتهي من هذا النقّ! ولكن من أجل أن تتمكني من الانتماء إلى المجموعة الأخرى، لا يكفي أن تطالبي بنات جنسكِ أن يتصرفن «جيداً»، بل عليك أن تُظهري سلوكاً حسناً بنفسكِ. ومن هنا تعاني «الرموز النسائية» من بعض الإسراف في السلوك التعويضي، ويتصرفنَ كما لو أنهنّ ملكات أكثر من الملك نفسه. 

ليوكه سميت.

الجمهورية- موقع حزب الحدا ثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate