حداثة و ديمقراطية

جغرافيا الهجرة وتاريخ اللجوء (١)

عرف التاريخ منذ وقت ليس بالقصير ظاهرة الهجرة واللجوء، وهما ظاهرتان متلازمتان تتعلقان بالتوزيع السكاني على المدى الجغرافي للكرة الأرضية؛ فمحركات التاريخ كثيرة، منها ما يمكن التحكم به وتوقع مآلاته، ومنها ما يصعب التعامل معه أو التحكم به، ومنها ما هو قابل للسيطرة لكن نتائجه لا يمكن توقعها. وفي التاريخ ظلت سُنة التوالد والهجرة ظاهرتين ثابتتين لم يستطع الناس التحكم الكامل بهما، بل إن النمو السكاني ظل يتصاعد بمتوالية جعلت العالم يفيض بسكانه.

و لأن التاريخ متحرك، كانت كل النشاطات البشرية تؤثر في نهاية الأمر بعدد السكان، وربما كانت الحروب والمجاعات دافعا من دوافع التنقل والحركة، لذا عندما قرر تشارلز دارون أن يسافر ليدرس السكان والبيولوجيا، انتبه لهذا التنوع والتداخل بين الأعراق والأجناس، ومن هنا كان التداخل بين ظاهرة الهجرة والوراثة وعلم الأنسنة أو الأنثروبولوجيا.

في هذه الورقة، سنحاول أن نضع إطاراً عاماً يضع ظاهرة اللجوء والهجرة التي برزت بعد الربيع العربي، الذي تحول بفعل ديناميات السلطة والهيمنة لنوع من الحروب، أفرزت ظاهرة اللجوء بأعداد مهولة صارت مؤثراً في النمو السكاني والتغير الثقافي والتحول الجيواستراتيجي، ربما كانت مؤلمة وفيها قصص غاية في القسوة لكن دراستها في هذه الورقة حول آثارها، وكيف انتهت هذه الظاهرة عبر التاريخ لتحولات كبرى شكلت مرحلة تاريخية جديدة بقوى عظمى جديدة وبنظم اقتصادية وسياسية، فكأنما ولد العالم من جديد.

سنبدأ بعرض بعض النظريات (والتعريفات الأساسية) للتمظهرات التاريخية للظاهرة كالهجرة واللجوء والنزوح الداخلي، والنماذج التفسيرية التي قد تساعد لفهم مآلات هذه الظاهرة. بعد ذلك، نعرض عرضاً تاريخيا لمسار هذه الظاهرة، خاصة في القرون الأخيرة لننتهي بالربيع العربي، وظاهرة اللجوء التي هي الهدف الأساسي من عرض هذا الموضوع، حتى نضع هذه الظاهرة في سياق تاريخي قد يساعدنا على تفسير الظاهرة، ومن ثم العمل على توجيهها والتعامل معها في إطار معرفي بعيدا عن السياقات السياسية، التي قد تختزل ظاهرة من الظواهر التاريخية في ولاءات سياسية سرعان ما يسبقها التاريخ بحركته.

منطلقات معرفية

تعرف الأمم المتحدة الهجرة الدولية Migration Internationale

على أنها الشخص الذي يبقى خارج البلد الذي اعتاد الإقامة فيه لمدة أقلها سنة (khaled,4). ونظراً لتعقد ظاهرة الهجرة، فإن التعريفات لمظاهرها المختلفة تعقدت هي الأخرى، لذا نجد أن اللغة الإنجليزية هي الأغنى في هذا المجال، مما يعبر عن رغبة الإنسان المعاصر في فهم الظاهرة؛ فالهجرة في اللغة العربية هي الترك، لكن على غير العادة، سنجد أن اشتقاقات الكلمة متنوعة وليس لها علاقة بمصدر الكلمة (ه. ج. ر) فنقول لاجئ ونازح ومهاجر… إلخ. أما في اللغة الإنجليزية، فإن كل المصطلحات تشتق من الهجرة Migration، وهذه هي الاشتقاقات:

1. اللفظ الأول “immigration” التي تعني الهجرة الوافدة؛ فالشخص الذي يدخل إلى إقليم الدولة أو الوافد هو “immigrant”.

2. اللفظ الثاني »émigration« التي تعني الهجرة النازحة، فالشخص النازح »émigrant« هو الذي يترك الدولة للاستقرار في دولة أخرى.

3اللفظ الثالث هو “migration” الذي يعني الهجرة الداخلية والمهاجر داخليا هو migrant”

والتصنيفات الدولية للمهاجرين بين طوعي وقسري، تفيد في تصور تعقيد مسألة الهجرة؛ فالهجرة الطوعية هي تلك التي كانت لأسباب اقتصادية أو اجتماعية، التي يحاول فيها الناس تحسين مستواهم الاجتماعي والاقتصادي، وهذه قد تكون بطريقة منظمة أو غير منظمة، كما أنها قد تكون لعمالة تملك إمكانيات وذات كفاءة، فتسمى عمالة ذكية أو من أصحاب مهن وحرف أو غير متعلمة، فتسمى عمالة غير ذكية؛ لذا فهي تندرج في ظاهرة التنمية غير المتوازنة في العالم. أما الهجرة القسرية، فهي تلك التي تأتي في ظروف الحرب أو الظروف السياسية، وهؤلاء يطلق عليهم لاجئون.

تعرض مصطلح لاجئ لجدل كبير، ويجدر بنا أن نذكر طرفاً منه، ففهم الفارق بين اللجوء القسري والهجرة الطوعية يمكن أن تفهم في إطار وظيفة أساسية من وظائف الدولة وهي حماية مواطنيها، وضمان الحقوق الأساسية للإنسان، لذا عندما تعجز الدولة عن ذلك – فضلاً أن تكون مصدراً لهذا التهديد – عندها يهاجر الناس ويلجؤون لدول أخرى يمكنها حماية إنسانيتهم وصون كرامتهم.

بعد الحرب العالمية الثانية، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ((UNHCR، واتخذت من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) اتفاق جنيف لحقوق الإنسان إطاراً قانونياً لها(1949) بالإضافة للاتفاقيات والعقود الدولية. عام (1951) كان الاتفاق المتعلق بشؤون اللاجئين، ومنه نشأ القانون المنظم لشؤونهم، ومن خلال تحديد تعريف لللاجئ وفق مجموعة مؤشرات، ولأن هذا الاتفاق نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، جاء متأثراً بالحرب فحدد اللاجئ بأنه ذلك الإنسان الذي ترك موطنه نتيجة الأحداث في أوروبا، (أي أنه هرب من موطنه الأصلي في أوروبا) قبل الأول من يناير/ كانون الثاني عام 1951، لكن أزمة أخرى نشبت عام 1960، وسعت من إطار القانون جغرافيا وزمانيا،  وقد ظهر بعد ذلك أن الحروب الداخلية قد ازدادت نسبتها في تلك الفترة، وتكاثرت ظواهر الهجرة في ستينيات القرن الماضي، وبعد فترات الاستعمار التي شهدتها إفريقيا، كانت هناك موجة من المهاجرين في السبعينيات من آسيا، إثر نشأة بنغلاديش كدولة عام (1970) والصراع الذي نشب في شرق باكستان.

واستمر الأمر بعد حرب فيتنام عام (1971) ثم انتقلت الموجة إلى أمريكا الوسطى، وفي التسعينيات بعد سقوط الاتحاد السوفياتي انتشر الأمر في البوسنة والهرسك وكوسوفو، كل ذلك طور من خبرة المنظمة الدولية؛ فالمنظمة التي أنشئت لمهمة محدودة (ثلاث سنوات)، ولها لجنة ذات مهام محددة وبدون تمويل تقريباً. أما إلى العام (2005) فتمويلها يصل لخمسة مليارات دولار وفيها ستة آلاف عامل. ((khalid 73 (الأمر قد تغير الآن فهي تعاني من العديد من المشكلات). هذه الفكرة المبسطة عن تقسيمات وتطور قانون اللاجئين، تؤكد التداخل في الظواهر، فكل سكان العالم هم مهاجرون، كما دلت دراسات الأحماض النووية الحديثة.

أهم الدراسات التاريخية الاجتماعية التي درست هذه الظاهرة، هي دراسة تشارلز تيلي، فقد أرجع تيلي أسباب الهجرة إلى ثلاثة عوامل هي:

  1.  التغير الجغرافي لتوزيع فرص العمل.
  2.  التغيرات الطبيعية في المناطق المختلفة؛
  3.  السياسات وتعامل الحكومات المختلفة.

كل هذه العوامل لها تاريخ طويل؛ فالحروب والتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية والاكتشافات والنمو السكاني وتحسن الأوضاع في منطقة على حساب أخرى، كل ذلك يدفع الناس إلى الرحيل والبحث عن فرص عيش مختلفة.

لقد شهد التاريخ ظاهرة (الاستخلاف) بالتعبير القرآني الحضاري، أو وجود نظام عالمي وقوى عظمى في كل مرحلة من مراحل التاريخ، وقيام وسقوط القوى العظمي، ومعنى هذا أن تخلف أمةٌ أخرى، مما يحدث تغيراً في الظروف الاقتصادية والتنمية التي تشهدها حضارة أو دولة في فترة ما، هذا يشجع الهجرة لتلك الدولة ويساعد في توفير فرص لنهضتها وحضاراتها.

هذا الإطار يجعلنا أقدر على فهم الظاهرة والتمييز بين الهجرة الطوعية وتلك القسرية، التي صار السبب الأكبر فيها هو الاحتراب الداخلي (الحروب الأهلية كما كانت تسمى)، وقد تعددت الدراسات التي أرجعت كل ذلك لفشل الدولة ومؤسساتها، لذا كان اللجوء والنزوح هو مؤشر من مؤشرات فشل الدولة، فأرجعت هذه الظاهرة بتعقيداتها سواء الهجرة لأسباب اقتصادية، أو للقمع والاستبداد السياسي أو الاحتراب الداخلي، هو فشل المؤسسات وفشل الدولة.

سياق التاريخ

ورد ذكر الهجرة ومشتقاتها في القرآن الكريم إحدى وثلاثين مرة، لكن المهم في سياق القرآن هو أن الهجرة وردت كنوع من المقاومة للأوضاع السياسية، وما سماه القرآن (الاستضعاف) وهو تعبير مهم في هذا السياق، فإن إمكانيات الإنسان وقدراته قد تقف عاجزة أمام واقع سياسي واقتصادي لا يملك حياله شيئا، حينها يهاجر ليقاوم هذا الوضع، لذا فهي فريضة وليست حقاً فقط؛ كما هو ظاهر من سياق القرآن.

ذكر القرآن كذلك، بعض الأمم التي تعرضت لأزمات، فهاجرت كما في سورة البقرة (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) البقرة[ 2: 243]، وذكر القرآن كذلك خروج بني اسرائيل وهجرتهم، الأمر الذي نجده في كتب العهد القديم، بل إن أكثر ما كتب مما يسمى بالعهد القديم كانت في زمن اللجوء ذلك، فبعد خروجهم من مصر كانت لهم (الجلوة الكبرى) من القدس، وفي خروجهم من بابل على يد “بختنصر”، حينها كانت النبوءات تؤكد للمهاجرين إمكانية وجود واقع جديد أفضل، أي أنها نوع من النبوءات التي انتشرت في تلك الفترة خاصة في فترة النبي دانيال.

و الناظر لتاريخ الأديان والأمم، يجد أن الهجرات هي التي شكلت النوع الإنساني، وهذا ما ذكره ابن خلدون في تأريخه بعد أن ذكر أصل شعوب الأرض من بعد الطوفان الذي حل بقوم سيدنا نوح القصة الثابتة في التوراة والإنجيل والقرآن، نجد حسب المؤرخين أن أبناءه توزعوا في الأرض، لذا سنجد أن المرحلة التي تسمى الزمن الصخري الجديد هو الزمن الذي انتشرت فيه الزراعة، وصارت الهجرات سواء لأسباب سياسية دينية كما حدث مع اليهود، أو للهروب من شظف العيش، قال ابن خلدون:

(اعلم أن العرب من الأمم الراحلة الناجعة)، ولعل هذا ما جعل اللقاء بين سيدنا إسماعيل والقبائل العربية ينتهي لبداية القبائل العربية في الحجاز، وبعد أن تشكلت الحضارة الإسلامية نجد في القرن الخامس هجرة بني سليم وهلال، وهي التي اختلطت فيها الأنساب بين العرب والبربر قال: (فعمروا اليمن والحجاز وما وراء ذلك مما دخلوا إليه في المائة الخامسة كما ذكروه في مصر وصحارى برقه).

هذه الهجرات ليست حكراً على قوم دون آخرين؛ فقد شهدت الثورة الزراعية كذلك الكثير من الهجرات، كما كانت الحروب والصراع حول الأرض سببا في تلك الهجرات؛ فقد توسع اليونان والرومان عبر هذه الهجرات، كما قبائل شرق آسيا والأزتيك والأنديز والصين zhu)) عرفوا هذه الهجرات كذلك.

و لاشك أن هذه الهجرات شهدت حروباً قاسية، خاصة في الصدام بين الحضارة الإسلامية والمسيحية، وتبدل خارطة العالم، كان ذلك بخروج الرومان من شمال إفريقيا وخروج العرب من الأندلس في القرن الخامس عشر، وما تبعه من خروج كبير للموريسكيين، وهي القبائل العربية التي سكنت الأندلس لعدة قرون، وخروج الفايكنج من أوروبا. شهدت سنة 1492)) الكثير من التحولات والهجرات، سواء من الأندلس أو إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأرسل حينها السلطان بايزيد الثاني سفناً لتعود باللاجئين إلى الدولة العثمانية.

هذه الإطلالة السريعة تظهر ترابط الهجرة واللجوء مع التحولات الحضارية والحروب التي خاضها البشر، وكانت سبيلاً لتغيرات أكبر مما يجعلنا نميز الهجرة واللجوء كظاهرة لها موجات مختلفة ترتبط بحجم الصراع والحروب والتناقض الفكري والأيديولوجي في مسار التاريخ الفكري. هذا التناقض ازداد في القرون الثلاثة الأخيرة خاصة في أوروبا وهذا ما سنذكر طرفاً منه الآن.

الحروب الكونية والهجرة

كانت هجرة الألمان في القرون التي امتدت للقرن الخامس عشر ميلادي، هي الموجة الكبرى من الهجرات في أوروبا، ومع توسع دولة بروسيا والتغيرات الجيواستراتيجية التي أحدثها ذلك التوسع، كانت القارة الأوروبية تشهد العديد من الثورات والحروب، وقد بلغ إجمالي المهاجرين (يصعب التمييز بين المصطلحات في سياق التاريخ، لذا سنذكر مصطلح المهاجرين وهو أقرب لللجوء، لأن الأسباب في العادة سياسية ناتجه عن صراعات وحروب) من العام 1800 إلى الحرب العالمية الأولى، خمسين مليون مهاجر. ((Tilly، نصف هؤلاء هاجروا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تصدرت إيرلندا وألمانيا والدنمارك قائمة هؤلاء المهاجرين (انظر الجدول الذي يبين نسبة المهاجرين من الدول الأوروبية من القرن التاسع عشر إلى الحرب العالمية الثانية).

تشير بعض الدراسات إلى إحصاءات الهجرات التي حدثت في الحرب العالمية الأولى (“Kulischer 1948: 248-249”):

  • من تركيا إلى اليونان (1.2 مليون) (1922-1923)
  • من روسيا إلى أوروبا (1.5 مليون) (1918-1922)
  • من روسيا أعيدوا قسراً لبولندا (1.1 مليون) (1918-1925)

ولا يمكن في هذا السياق، أن ننسى الهجرات العربية لأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وكانت بداياتها في القرن التاسع عشر، تحديد عام (1870) إلى البرازيل، وإلى الأرجنتين عام (1882) وازدادت أعداد المهاجرين بعد توقيع معاهدة الهجرة بين الحكومتين العثمانية والبرازيلية.

هناك أعداد أخرى، تذكرها الإحصاءات عن الهجرات من إيطاليا إلى فرنسا ومن بولندا إلى ألمانيا، ولكن هذه الأرقام متواضعة أمام الهجرات التي صحبت الحرب العالمية الثانية:

  •  من بولندا إلى ألمانيا (من الرايخ) (6 مليون) (1944-1947).
  •  من ألمانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية (يهود) (5 مليون) (1944-1947)
  •  من الاتحاد السوفياتي إلى ألمانيا (4 مليون) (1945-1946)

كما شهدت نزوحاً ولجوءاً بالجملة من بولندا وتشيكوسلوفاكيا، ولقد ساهم هذا النزوح والتغيرات الكبرى التي شهدتها أوروبا لتكوين الدولة القومية والاندماج بين السكان، ومع الثورة الصناعية احتاجت أوروبا لكثير من العمال (العمالة غير الذكية) وللمواد الخام، لذا نجد أن هناك تهجيراً قسرياً لكثير من سكان أفريقيا، خاصة للولايات المتحدة الأمريكية قدر عددهم بـ 12 مليون ((khaled,2، وبعد انتهاء الرق كانت العمالة تجلب من شرق آسيا من الصين والهند واليابان، لقد كانت تلك الهجرات لإنعاش الاقتصاد الأوروبي الذي عانى من الكساد الكبير عام 1930، لذا فإن الحديث عن الهجرة واللجوء يجب أن يوضع في سياق صحيح، بأن رفض الهجرة واللجوء من بعد الاستعمار، يثير أسئلة أخلاقية كبيرة على الضمير الأوروبي.

لنزار كريكش.

مؤسسة مؤمنون بلا حدود – موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate