اصلاح ديني

الحرب الأوكرانية: التلاقح البيني للأفكار المتطرفة التدينية وغير التدينية يفرز الجهاد الهجين.

دعني في البداية أوضح أنّ مفهوم الجهاد، عادة ما يستخدم في عالمنا الحديث والمعاصر؛ لتحقيق أهداف جيواستراتيجية، غالباً ما تتخفى خلف شعارات من قبيل: “الدفاع عن المسلمين”، أو “رد الظلم”، أو “تحقيق العدالة”، أو”التحرر”.

ولقد بدأ ذلك مبكراً جداً، وحتى قبل إنشاء جماعة الإخوان المسلمين، حيث استخدمه الألمان أثناء الحرب العالمية الأولى، وذلك بتنظير من المستشرق الألماني البارون “ماكس فون أوبنهايم”، والذي سعى لكي يكون هدفاً من أهداف بلاده المركزية، جعل الإسلام في خدمة المصالح الجيواستراتيجية الألمانية، فيقول أوبنهايم في مذكراته: “إنّ الإسلام سيكون أهم أسلحتنا على الإطلاق، في الصراع المجبرين عليه ضد إنجلترا؛ لأنّ علينا أن نخوضه بالسكين… “. وفي هذا السياق، صدرت في برلين في العام 1915، جريدة “الجهاد”، والتي كانت تستند على فكرة رئيسية، وهي أنّه على ألمانيا أن تدعو المسلمين للقتال معها ضد “أحفاد الصليبين”، فرنسا وإنجلترا، وأنّ ألمانيا من الصادقين، الذين يتوجب على المسلمين أن يكونوا معهم، وأنّ هذه نصرة!

هناك نموذج نجح نجاحاً منقطع النظير في استخدام الجهاد جيواستراتيجياً وذلك في أفغانستان من قبل الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي، وكانت رأس الحربة الإعلامية يومها، مجلة أخرى تحمل اسم “الجهاد”

وإذا حلّلنا جيداً خطاب تلك الجريدة، التي كان يشرف على تحريرها مستشرقون ألمان، وشخصيات إسلاميّة وعربية، مثل: عبد الرحمن باشا عزام، والشيخ محمد الخضر حسين، وشكيب أرسلان، سنجد أنّه لا يختلف كثيراً عن خطاب “داعش”.

 ولكن محاولات “أوبنهايم” فشلت، وسقط مشروعه في استخدام الجهاد في الحرب العالمية الأولى؛ لترجيح كفة بلاده وحلفائها. وتكرر الأمر في الحرب العالمية الثانية؛ حيث سعت السلطات النازية إلى تعبئة المسلمين وتجنيدهم، وتقديم التلقين الأيديولوجي للآلاف من المجندين المسلمين؛ للقتال في صفوف القوات المسلحة الألمانية، ووحدات الحماية النازية.

ولكن في المقابل، كان هناك نموذج نجح نجاحاً منقطع النظير، في استخدام الجهاد جيواستراتيجياً، وذلك في أفغانستان من قبل الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي، وكانت رأس الحربة الإعلامية يومها، مجلة أخرى تحمل أيضا اسم “الجهاد”، أنشئت في العام ١٩٨٤، وأسّسها عزام آخر، هو عبد الله عزام، والذي لعب دوراً أساسياً فيما كان يسمى الجهاد الأفغاني، وهو أيضاً أحد مؤسسي العنف المسلّح المعاصر باسم الإسلام، ومؤسس مكتب الخدمات، لجلب مقاتلين مسلمين إلى أفغانستان، وجمع التبرعات خاصّة من دول الخليج والولايات المتحدة.

 نموذج آخر ناجح، أدّى ما استهدف منه جيواستراتيجيا، فيما حدث في سوريا، في سياق ما سمى بـ”الربيع العربي”؛ حيث كان انتقال العناصر الجهادية من تركيا (العضو في الناتو) إلى سوريا، يتم على مرأى ومسمع من العالم.

نصل الآن إلى الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها على مفهوم الجهاد، وبداية ولفهم ذلك المشهد الجهادي الجديد يجب الانطلاق مما يلي:

1) معرفة امتدادات وتحالفات وأعداء كل من روسيا وأوكرانيا في عالمنا المعاصر.

2) أنّ المعادلة من حيث وجهة نظر التدين العابر لحدود الدولة الوطنية؛ هي كالتالي: مسلمون روس ومسلمون شيشانيون من جنود قاديروف، يقاتلون في جيش بوتين، وفي الطرف الآخر هناك مسلمون أوكرانيّون، دعاهم مفتي أوكرانيا للقتال مع الجيش الأوكرانيّ، ومسلمون شيشانيون (ضد قاديروف)، ومسلمون يتطوعون للقتال في أوكرانيا، من مختلف البلدان، حاول أن ينظّر لانخراطهم في هذا الصراع، بعض ممن يحسبون علي التيارات الإسلاموية؛ مثل: الكويتي مبارك البذالي، الذي شدّد على ضرورة النفير إلى أوكرانيا؛ بدعوى حماية المسلمين فيها، والانتقام من الروس، الذين قتلوا مسلمي سوريا أيضاً، ووزير الشؤون الدينية التونسية السابق، نور الدين الخادمي، الذي قال إنّ من واجب التونسيين الوقوف إلى جانب المسلمين الذين يتعرضون للاضطهاد في أوكرانيا، التي يوجد فيها نحو 400 ألف مسلم. كما اعتبر أنّه “من حق الأوكرانيين غير المسلمين علينا أن ننصرهم، باعتبارهم قد ظلموا؛ لأنّ هذا يعد واجباً إسلامياً أيضاً”. في المقابل نجد أصواتاً أخرى يمثلها على سبيل المثال: السلفي عبد الله كوستكسي، المنفي من داغستان إلى تركيا، يقول إنّه لا يجب على المسلمين الالتحاق بأيّ جيش، لا الروسي ولا الأوكراني، فكلاهما “كافر” بالنسبة له.

يزيد من تعقيد هذا المشهد الجهادي، دخول ما نستطيع تسميته “الجهاد الغربي العابر للبعد الديني”، أو “الجهاد باسم الليبرالية والقيم الغربية”، أو “الجهاد الغربي ضد روسيا”؛ فهناك دول غربية دعت وأخرى سمحت سواء علناً، أو عبر نهج سياسة غض البصر، بتوجه مواطنيها إلى أوكرانيا؛ للمشاركة في الحرب ضد روسيا. وأعلن الرئيس الأوكراني زيلينسكي؛ أنّ بلاده شكلت فيلقاً أجنبياً للمتطوعين من الخارج؛ للقتال إلى جانب القوات الأوكرانية. ما سيسمح للمقاتلين اليمينيين والتيارات المتطرفة الجديدة، الراغبة في مواجهة الروس، انتصاراً للغرب في معركته الأبدية ضد ورثة الاتحاد السوفيتي، بحمل السلاح وتشكيل فيالق مسلحة في دولة أجنبيّة، تماماً مثلما فعل نظراؤهم من الجهادين الإسلامويين من قبل في أفغانستان وسوريا والعراق.

من الممكن أن تصبح الأجواء في أوكرانيا، بيئة مواتية لهؤلاء المقاتلين، المؤمنين عموماً بحتمية المواجهة المسلّحة مع خصومهم.

ومن ثم، فمن الممكن أن تصبح الأجواء في أوكرانيا، بيئة مواتية لهؤلاء المقاتلين، المؤمنين عموماً بحتمية المواجهة المسلّحة مع خصومهم؛ أولاً: لصقل مهاراتهم العسكرية، وثانياً: للتلاقح البيني لأفكارهم، وهو ما قد يساهم في أن تصنع الحرب الروسية الأوكرانية نسختها الخاصة من الجهاد، نسخة من الجهاد الهجين، بين أكثر من نوع من التطرف الديني وغير الديني. وهي نسخة ربما، كالنسخ السابقة من الجهاد، لن تتوقف تداعياتها السياسية والاجتماعية والتدينية على تلك الأزمة فقط، ولكنها ستمتد بعيداً.

ويمكن القول إنّ ذخيرة الإسلامويّة جاهزة؛ لتحقيق هذا النوع من الطفرة الجينية في مفهوم الجهاد، فإبان الحرب على العراق، أصدر القرضاوي فتوى تنص على جواز مشاركة المسلمين الأمريكان، في القتال مع الجيش الأمريكي الذي احتلّ العراق. وأيمن الظواهري في كلمته المعنونة بــ “صفقة القرن أم حملات القرون”، بتاريخ 3 شباط (فبراير) من العام الجاري 2022، نظّر لجواز تقديم العون الجهادي لغير المسلمين، حسب المصالح التي تراها “الأمة”.

لوائل صالح.

حفريات- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate