المرأة

“المساكنة” رفض للزواج التقليدي أم حاجة للحرية؟

“المرأة تقدَّم للزواج من بعض الذكور إلى بعض الذكور”
“سيمون دو بوفوار”

يبدو هذا القول وكأنه من طبيعة الحياة لا يمكن المساس به أو تغييره، في مجتمعنا قد يتلاقى في أحيان كثيرة الخوف مع الطاعة لتكريسه والإبقاء عليه كصيغة نهائية لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، حتى وإن كان الوعي الفردي لدى البعض يرفض هذا الشكل من العلاقة، إلا أن حالة الامتثال قد تجعل الأغلبية يستنكرون الخروج عنه علنا.

ظاهرة المساكنة في سوريا تعتبر محاولة لخلخلة السياق الاجتماعي الذكوري بما يخص العلاقة بين الجنسين ضمن الأعراف والتقاليد المترسخة في المجتمع السوري، فالجرأة التي تدفع برجل وامرأة للعيش معا دون عقد زواج تقليدي هي مرفوضة ضمن سياق العادات والتقاليد، فالمرأة وباتخاذها لهذا القرار تصبح هي المسؤولة الوحيدة عن حياتها وأفعالها، وهذا يهدد الهيمنة الذكورية ويشكل حالة اختراق لها، خاصة وأن مرجعية هذه الهيمنة ترتكز على فتاوى دينية وعادات مجتمعية تربط جسد المرأة بالخطيئة والعار، وتبيح للرجل التصرف بحياته وجسده كما يريد، فالنتائج السلبية ستكون من نصيب المرأة في هذه الحالة.

ظاهرة متخفية

“ست سنوات كاملة قضيناها معا، منذ السنة الثانية في الجامعة قررنا العيش سوية، تجربة مختلفة ومهمة تجعلني أدرك تماما ما هي طبيعة الشخص الذي أرغب بالعيش معه، وكل شيء يبدو على حقيقته حتى فوران المشاعر وعنفوانها في الحالات العادية يأخذ حجمه الطبيعي ويصبح أكثر واقعية”.

هكذا تحدثت منى سليم (اسم مستعار لفتاة متخرجة من كلية الهندسة المدنية بدمشق) حول تجربتها مع زواج المساكنة، تتحدث عن تجربتها في المساكنة والتي تعتبر ظاهرة مستجدة في المجتمع السوري، وهي إلى حد ما أصبحت منتشرة في أوساط الشباب لاسيما في العاصمة دمشق.

ساهم في هذا الانتشار أسباب مختلفة أهمها الحرب ونتائجها على العادات المجتمعية والأوضاع المعيشية. حيث بدت هذه الظاهرة وكأنها ملاذ للشباب من الخوف الذي يعيشونه ومحاولة للهروب إلى عالم مستقر لا نزاع فيه. الآن بدأت ملامح الظاهرة تبدو أكثر جدية فهي باتت تتحول لتصبح نمط حياة في أوساط الشباب.

الأسباب

الشباب الرافضين للعادات السلطوية يظهرون في كل المجتمعات، ويزداد هذا الرفض مع كل جيل جديد، فما كان مقبولا لآبائنا وأمهاتنا هو مرفوض بالنسبة للجيل الشاب اليوم. التمرد والخروج عن الطاعة التي يعتبرها المجتمع فضيلة سمات بدأت تظهر في الشارع السوري. هي محاولة من الجيل الشاب للنظر في منظومة القيم المجتمعية من زاوية أخرى تتناسب مع طريقة تفكيرهم وطبيعة العصر.

المساكنة إحدى الظواهر التي أنتجتها التغيرات الاجتماعية بسبب الحرب، على الرغم من وجودها قبل ذلك في سوريا، إلا أنها بدأت تأخذ مساحة أكبر خلال السنوات الماضية، حيث اجتمعت الأسباب التي جعلتها تصبح مقبولة ومبررة في أوساط الشباب.

بعض الشباب بات يرى فيها محاولة جديدة لفهم الآخر والعيش معه بحرية. تجارب مختلفة لفتيات وشبان قد لا تكون في معظمها عقلانية وسليمة فهذه ظاهرة جديدة على مجتمعنا وتجاربها الأولى قد تخللها محاولات غير ناجحة، فهي تنتج شروطا مختلفة كانت موجودة من قبل حتى لدى هؤلاء الأشخاص أنفسهم، وهذا يجعلها أكثر صعوبة، تتحدث لميس.ي عن تجربتها بالمساكنة فتقول: “بعد أن فقدت عملي أصبحت عاجزة عن تسديد أجور منزلي، كانت المساكنة حلا اقترحه صديقي ليساعدني ريثما أجد عملا، بعد ذلك تحولت حياتنا إلى علاقة متكاملة دون صك زواج، ووجدنا أنه بإمكاننا القيام بذلك. المساكنة توضح الأشياء المغلوطة عن الشريك والتصورات المسبقة التي تنبثق عن رغباتنا، رؤيتنا لحقيقة الآخر تضعنا أمام خيار واضح للإقرار إما بالقبول الكامل، أو الرفض وهذا مفيد جدا من أجل زواج مستقر”.

يرى البعض في المساكنة وسيلة لتفريغ رغبات الشباب الجنسية دون التزامهم بشيء، والمجتمع هنا يدينهم فهو مسبقا ينكر عليهم رغباتهم، حيث يقابل سلوكهم هذا من قبل غالبية المجتمع بالرفض الكامل، ففي القانون لا يوجد أي بند يلزم أي طرف تجاه الآخر وتحافظ على حقوق كل منهما.


آثار المساكنة

تختلف تبعات المساكنة من علاقة لأخرى، وذلك يتوقف على الطبيعة الفردية للأشخاص، وفي الغالب تكون التبعات سلبية على الفتيات بنسبة أكبر، إذا استثنينا الجانب العاطفي للطرفين، فالمرأة إضافة لتضررها عاطفيا في حال فشل العلاقة، قد يترافق ذلك مع أضرار أخرى اجتماعية ونفسية، مايا.ص فتاة عاشت تجربة المساكنة تتحدث عن ذلك بالقول أنه“لقد تعرضت للاستغلال لثلاث سنوات بسبب علاقة لم أعلم أني سأخسر نفسي فيها، ساكنت شابا كنت أحبه، وكانت مشاعره غير مستقرة تجاهي، كنت أعمل أنا بينما هو عاطل عن العمل لا يقوم بأي شيء، في النهاية تبين لي بأنه يقوم باستغلالي جسديا وماديا”.

تختلف تجارب الفتيات في المساكنة ففي أوساط الشباب والذين يتبنون الحرية كمبدأ حياة وعدم محاكمة الآخر، لا تزال هناك نظرة تقلل من قيمة الفتاة التي ترضى بالمساكنة، وغياب قانون يضبط هذه الظاهرة والتزام أطراف العلاقة تجاه بعضهم البعض يجعلها فوضوية، وقابلة لأن تكون وسيلة لاستغلال الآخر وإخضاعه والهيمنة عليه بطرق غير مباشرة.

ستتردد النسويات في سوريا قبل أن تشجع فتاة تنتمي لعائلة محافظة على إقامة علاقة مساكنة، فالنتائج ستكون غير متوقعة، وقد تأخذ أشكالا شديدة العنف. عن النسوية ورأيها بالمساكنة كان أن الحديث مع الناشطة النسوية هالة يونس، التي تقول بأن “النسوية أداة لتحليل واقع المرأة في سباقات مختلفة، هدفها تحقيق العدالة، وبما أن المساكنة قضية تحررية فالنسوية بالتأكيد داعمة لها، لا يخصص الخطاب النسوي طرحا معينا للمساكنة، إلا أن هذا الخطاب يدعو للمساواة بين الجنسين حين تطرح هذه القضية، فالنسوية ترى أن من حق المرأة أن تختار أسلوب حياتها، فإن كانت قادرة اقتصاديا ونفسيا على عيش تجربة المساكنة وتحمل تبعات هذا الاختيار فهذا من حقها”.

وعن النتائج التي قد تتعرض لها الفتاة عندما تقرر الدخول في مساكنة تتابع يونس ” قد تكون النتائج مأساوية وخاصة في الوقت الحالي، فالمجتمع يعيش تخبطات في القيم والأفكار. قد تتعرض الفتاة للقتل إذا كان لدى أهلها خلفية دينية أو اجتماعية معينة، فالمنظومة الأبوية تتحكم بمصير الفتيات، وهي قد أنتجت صورتين للمرأة المرأة “العفيفة” أو السلعة، بالرغم أن المساكنة قد تكون ضرورة خاصة بوجود قوانين مجحفة بحق نساء يعشن في ظروف سيئة”.

قد تبقى ظاهرة المساكنة مرفوضة في سوريا خلال الفترة المقبلة، فهي قد تخل بنسق عريض من القيم والبناء الاجتماعي وفق رؤية المجتمع الذكوري. في حين لا وجود لدراسات أو أبحاث تبين نسبة انتشار المساكنة والمعطيات المرافقة لها على أرض الواقع، فيما يخفي الشباب ذلك بشكل كامل. إن حدوث تغيير في المجتمع يتطلب ثقافة بديلة لدى الشباب والشرائح المجتمعية التي تعاني من تبعات القوانين غير العادلة، وسيطرة الثقافة المهيمنة على المجتمع الأبوي/الذكوري.

لريا أحمد.

الحل نت- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate