حداثة و ديمقراطية

الفكر الإصلاحي العربي المعاصر: التأويل والمفارقة(٢)

إننا أمام واقعين منفصلين، مختلفين ومتباعدين؛ بالرغم من تبعات وتداعيات الظرفية الاستعمارية التاريخية التي ساهمت بما فيها من حول وقوة في سبيل تكريس استمرارية للتبعية والهيمنة الاستعمارية. فالمغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب على سبيل ما ورد عن “ابن خلدون” 1332-1406م في كتابه “المقدمة”؛ إذ كثيرا ما تراه متشبها بغالبه في سائر شعاراته وأحواله، بل وحتى عوائده، وهو ما عبر عنه بالقول: “والسّبب في ذلك أنّ النّفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إمّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أنّ انقيادها ليس لغلب طبيعيّ، إنّما هو لكمال الغالب. فإذا غالطت بذلك واتّصل لها اعتقادا، انتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبّهت به وذلك هو الاقتداء، لذلك ترى المغلوب يتشبّه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه بل وفي سائر أحواله، وما ذلك إلّا لاعتقادهم الكمال فيه”. فليس ثمة تحول اجتماعي تاريخي في الوطن العربي، إلا بشق طريق الاستقلال التاريخي الذي من شأنه أن يدفع بالعقل السياسي العربي إلى إنتاج فكر سياسي مطابق لإيقاع البنيات التاريخية، ومستجيب للسيرورة الاجتماعية والتاريخية للعالم العربي، بدل البحث عن حلول من خلال المطابقة والتوفيق والاقتباس.

فما يهمنا في ما عرضناه، هو النتائج السياسية التي ترتبت على عملية “التأويل” وعامل “الهيمنة الكولونيالية” اللذين أديا كلاهما إلى حدوث معضلة في الفكر السياسي العربي، بدت جليا على مستوى الممارسة السياسية النظرية والعملية في سياق الحديث عن الفكر الإصلاحي العربي المعاصر، فكان من الأهمية بمكان بيان حقيقتها وبواعث كونها، ودورها الفاعل في ظهور مفارقات من قبيل: “غياب المجتمع المدني وظهور مفاهيم السياسة الليبرالية”، ظهور الدولة الحديثة في ظل نظام حكم سياسي تقليدي قائم على الملكية وإمارة المؤمنين مثلا…”التأويل وغياب النقد التاريخي”، حيث يبدو من الصعوبة بمكان الحديث عن التأويل في غياب ما يسمى بالنقد التاريخي، بل إن محض النظرة النقدية المتيقظة، تكشف اللبس الكبير الواقع بشأن مثل هذه المفارقات، بالرغم من شيوعها وانتشارها، باعتبار الجهاز المفاهيمي الذي يصلح لواقع مجتمع معين، لا يصلح بالضرورة لواقع مجتمع آخر. على هذا النحو يمكن اعتبار النقد التاريخي آلية فعالة وهادفة تساهم بشكل أو بآخر في تقرير مسألتين أساسيتين: إما أجْرَأَة المفاهيم وتبيئها لتُحدث تأثيرها التاريخي، أو الحث على ضرورة تفكيك وهدم وتقويض هذا الفكر السياسي الذي يقتبس من الخارج، من أجل إعادة بناء فكر سياسي عربي ينطلق من الداخل ويراعي للخصوصية، بهدف تحقيق النجاعة المنشودة؛ ذلك أن تخطي وتجاوز التأخر التاريخي لا يتحقق بالاقتباس فقط من القيم والأفكار الغربية سياسية كانت أو ثقافية أو حتى فكرية، بل يتحقق بالحس النقدي والوعي بفرق السياقات.

لا ينبغي أن يفهم من قولنا أننا أمام دعوة للرفض المطلق للغرب ولمنظومة الفكر السياسي الليبرالي؛ لأن ذلك يعد انتحارا حضاريا، ولا يجب أن يفهم أننا أمام دعوة لتديين السياسة أو لتسييس الدين؛ لأن ذلك سيفرغ السياسة من مدَنيتها والدين من قدسيته، حيث لا عقائد راسخة من حيث المبدأ في السياسة، بل إن ما ينبغي فهمه واستيعابه هو أن المجتمع هو الذي يجب أن ينتج فكره السياسي لتحقيق الفعالية والتأثير وكذا النجاعة المطلوبة. يبدو لنا أن هناك هوة عميقة بين تصور النخبة لنموذج المجتمع الذي تريد أو النظام السياسي الذي تسعى إليه، وبين تصور المجتمع للنموذج الذي يريد أن يكون عليه أو عن نموذج الدولة التي يريد. فما أحدث تأثيرا إيجابيا ونجاعة في الغرب الأوروبي هو شبه إجماع النخبة – المفكرون السياسيون- والمجتمع على النموذج المجتمعي المنشود، بل إن المجتمع هو الذي نتج فكره السياسي، بالمعنى الذي تنطوي عليه فكرة أن مفاهيم السياسة الليبرالية هي انعكاس لطموح الشعب الأوروبي ولإرادته السياسية خلال فترة تاريخية، بينما في السياق العربي هناك خلاف واختلاف عميقان وعدم اتفاق تام حول المجتمع النموذج. فلا بد من تشييد بنيان فكر سياسي عربي يعبر عن الهموم السياسية والاجتماعية للمجتمعات العربية، وليس عن هموم النخب الفكرية السياسية. من الممكن جدا أن يكون طموح النخب يتجاوز بكثير طموح الشعوب، ولا يتوافق مع واقع المجتمع العربي، أو العكس تماما. على هذا النحو يمكن القول، إن الممارسة السياسية في الوطن العربي لا تعكس الارادة السياسية للشعوب، إنما هي انعكاس لإرادة النخبة السياسية. لذلك، وإضافة إلى ما أنفنا ذكره، يغيب التأثير فتغيب معه النجاعة والفعالية إلى جانب فاعلية الأفراد السياسية. وعليه وجب الأخذ بعين الحسبان أن للمجتمع رأي سياسي لا يقل شأنا عن شأن النخب، إذ يتبين في أكثر من حديث أن الفكر السياسي العربي متخلف نوعا ما عن إرادة الشعوب السياسية، بل والأكثر من ذلك، يبدو أن المفكرين السياسيين العرب المعاصرين لا يفطنون للتحولات الاجتماعية التي طرأت وما برحت تطرأ على مجتمعات الوطن العربي، يمكن تفسير ذلك بإيقاع هذه التغيرات والتحولات التي تنحو نحو التجلي على نحو بطيء، لكنها ظاهرة لمن يريد أن يرى بعيون ناقدة متيقظة.

لقد ظل العقل السياسي العربي في إطار الحديث عن الفكر الإصلاحي العربي المعاصر، يعاني من قصور وانعدام التأثير والفعالية الإجرائية، في سياق بناء هذه المفارقات العائدة في أسها، إلى غياب المعالجة التاريخية النقدية لمنظومة الفكر السياسي الليبرالي، فيما يتعلق بعملية التأويل التي ارتبطت أيما ارتباط بفكرة المماثلة والمطابقة: بين مفاهيم السياسة الليبرالية ومفاهيم الإسلام السياسي، دون مراعاة السياق النظري التاريخي الذي اجتثت منه هذه المفاهيم أو تلك؛ فضلا عن إيمان الإصلاحيين أن مشروع الاصلاح لا يتحقق إلا على قاعدة الإسلام الذي يصلح لكل زمان ومكان؛ بيد أن افتقار رؤية الإصلاحيين للتأصيل ولليقظة النقدية والوعي التاريخي بفرق السياقات، جعل أمر العودة للتراث السياسي الأوروبي – الحديث والمعاصر- والتعويل عليه، أمرا مضعفا ومقوضا لتماسك رؤية الفكر الإصلاحي وخطابه، بل ومعطلا حتى لبنيته كفكر سياسي عربي.

للبنى بن البوعزاوي.

مؤسسة مؤمنون بلاحدود- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate