حداثة و ديمقراطية

الديمقراطيَّة الليبراليَّة، وموقف نظريَّة الاعتراف(٢)

ثانياً: في نظريَّة الاعتراف

بيَّن ألكسي دو توكفيل في كتابه: الديمقراطيَّة في أمريكا أنَّ الاستقلال الذي انتزعه الأمريكان من الإنكليز جعلهم يُشكِّكون في الدولة المركزيَّة، لذا اختاروا النظام الفيدرالي، ودعموا الجمعيات والكنائس بغرض الحفاظ على الحريَّة. واعتبر الكنديون أنَّ المواطنة تتماشى مع الانتماءات الدينيَّة والثقافيَّة. وعلى هذا الأساس التاريخي، ظهر في عامي 1960-1970 في أمريكا الشمالية خطاب الاعتراف الذي تزعمته الأقليَّات المختلفة، وعلى رأسها الزنوج والنساء والملوَّنون. كما ظهر في كندا من خلال سياسة قائمة على إجراءات للحدِّ من النزاع اللغوي بين الفرانكفونيّين والإنجلوسكسون. وانطلاقاً من ممارسات نضاليَّة خاصَّة حول قيمة الجماعات والثقافات والهويَّات في المجال السياسي، ظهر تفكير سياسي جديد قائم على فكرة الموازنة بين الحريَّة والمساواة في الحقوق، وشرعيَّة الجماعات في الحفاظ على خصوصيتها وقيمها؟ فما المعالم الكبرى لهذا التفكير السياسي الذي يتَّخذ من سياسة الاعتراف شعاراً؟

إنَّ الاعتراف في المجتمعات التي تعرف تعدُّداً ثقافياً قد أصبح حاجة مُلحَّة؛ وذلك للعلاقة الضروريَّة ما بين الاعتراف والهويَّة. والأطروحة الأساسيَّة التي يتقدَّم بها هذا التيار، وعلى رأسهم شارل تايلور هي: «إنَّ هويَّتنا تتشكَّل جزئياً بالاعتراف أو بغيابه، وكذلك بالإدراك الخاطئ أو السيِّئ الذي يملكه الآخرون عن هويَّتنا». إنَّ عدم الاعتراف أو الاعتراف المشوَّه يمكن أن يُعدَّ ظلماً، ويمكن أن يُشكِّل نوعاً من الاضطهاد، وذلك لأنَّه يؤطِّر ويسجن شخصاً ما أو مجموعة أشخاص في نوع من الوجود الخاطئ، أو المشوَّه، أو المختزل.

فمثلاً، أثبتت بعض الدراسات النسويَّة أنَّ المرأة في المجتمع الأبوي تملك صورة مشوَّهة عن نفسها، وعن هويَّتها. وقد استبطنت المرأة هذه الصورة الدونيَّة، حتى أنَّه عندما ترتفع بعض العوائق والحواجز في وجه حريَّتها، فإنَّها مع ذلك تبقى عاجزة عن التحرُّر. وينطبق الأمر نفسه على الزنجي، وعن المستعْمَر، وذلك لأنَّه منذ أجيال فرض الإنسان الأبيض صورة مشوَّهة عن الزنوج لم يتمكنوا من مقاومتها. من هنا يرى تايلور أنَّ: «التشوُّه الذاتي، أي عندما يعتقد الزنجي أنَّه مشوَّه بالفعل، هو السلاح الناجع للقمع». لذا، فإنَّ أول مهمَّة مُلقاة على الزنجي أو من يماثله التخلص من هذه الهويَّة المفروضة والهدَّامة في الوقت نفسه. وبهذا المعنى، فإنَّ الاعتراف الخاطئ لا يتعلق فقط بانعدام الاعتراف، وإنَّما الأسوأ من ذلك هو أن تصبح الضحيَّة كارهة لنفسها أو لهويَّتها. وعلى هذا الأساس، فإنَّ الاعتراف لا يُعتبر مسألة شكليَّة، وإنَّما هو تعبير عن: «حاجة حيويَّة للإنسان».

وإذا كان مفهوم الاعتراف يشير إلى الأقليَّات، فإنَّ ما هو جدير بالتوضيح أنَّ الأقليَّة لا تعني دوماً قلة في العدد. يؤكد هذا ما تشير إليه، على سبيل المثال، حالة النساء أو السود/الزنوج. يقول الفيلسوف الفرنسي المعاصر جيل دلوز: «إنَّ الأقليَّة والأغلبيَّة لا تتميز بالعدد. فالأقليَّة يمكن أن تكون أكبر من الأغلبيَّة من حيث العدد، وبالتالي فإنَّ الأقليَّة تعني بالفعل وضعيَّة أو حالة أو منزلة. وليس المقصود وضعيَّة من هو قليل، وإنَّما وضعيَّة الذي فرضت عليه وضعيَّة القاصر، وذلك وفقاً لمفهوم كانط للقاصر الذي لا يستطيع أن يقود نفسه من دون أن يتمَّ توجيهه».

أي ذلك الشخص الخاضع لحكم الوصاية.

وبهذا المعنى، فإنَّ الأقليَّة تعني القاصر الذي لا يعترف باستقلاله الذاتي وبحُريَّته وبمسؤوليَّته. وبتعبير آخر، فإنَّ الأقليَّة ليست شيئاً آخر غير أولئك الذين لا نعترف لهم في أن يكون لهم الحق في قيادة أنفسهم، وننكر عليهم أن تكون لهم هويَّتهم الخاصَّة ونرفضها، ولا نترك لهم خياراً آخر غير خيار اكتساب هويَّة الأغلبيَّة. ينتج عن هذا أنَّ ما يُحدِّد الأغلبيَّة ليس العدد والكم، وإنَّما النموذج الذي يجب التماثل والتطابق معه، وأنَّ الأقليَّة بهذا المعنى هي التي تفتقد النموذج، أو ليس لها نموذج. وعليه يجب التسليم بوجود علاقة ما بين وضعيَّة هيمنة الأغلبيَّة، وبين المجموعات الاجتماعيَّة التي يُصطلح عليها بالأقليَّة التي تشكو من غياب الاعتراف بها، أو غياب التقدير لها من قبل الآخرين أو الأغلبيَّة.

وفي محاولتها لدراسة موضوع الأقليَّات وحقوقها ترى سياسة الاعتراف ضرورة الاعتراف بالهويَّات في مجتمع متعدِّد، وتقرُّ بأنَّ الديمقراطيَّة الليبراليَّة لم تنجح في الحدِّ من التفاوت وعدم المساواة. والسبب في ذلك أنَّها تنظر إلى المجتمع بوصفه مجموعة من الأفراد المستقلين الذين يتمتَّعون بمنزلة واحدة، وباستقلال تام عن قيمهم وانتماءاتهم، في حين أنَّ المجتمع ليس حاصل مجموع أفراده، وإنَّما هو حاصل ثقافة معيَّنة وتاريخ معيَّن، أو هو بالأحرى حاصل ثقافات ومراحل تاريخيَّة متعدِّدة.

صحيح أنَّ الفكر الليبرالي في عمومه، والديمقراطيَّة الليبراليَّة على وجه التحديد تقرُّ بالتفاوت، إلا أنَّها تشخصه على مستوى الفرد، وذلك لاعتقادها أنَّ الفرد فقط هو ضحية التفاوت أو عدم المساواة، في حين أنَّ التفاوت أو الظلم يصيب الجماعات، وهو ما تؤكده الملاحظة المباشرة لواقع المجتمعات الليبراليَّة. من هنا تخلص سياسة الاعتراف إلى نتيجة مؤداها أنَّ الفكر الليبرالي بما هو تفكير فردي يعاني من انفصال عن الواقع، فهو غير قادر على أن ينظر بواقعيَّة لمسألة الحريَّة والعدالة. باختصار لم تعد الليبراليَّة بما هي فردية قادرة على فهم البعد الجماعي للإنسان وتعدُّد قيمه. وبتعبير آخر: إنَّ الفكر الليبرالي ينظر إلى الفرد بشكل مجرَّد، في حين أنَّ هذا الفرد يوجد دائماً في وضعيَّة معيَّنة، ويخضع دائماً لتجربة ثقافيَّة تمنح معنى لوجوده. وعليه، فإنَّ الفرد بقدر ما هو كائن ذاتي يتمتع بقدرات شخصيَّة، هو في الوقت نفسه كائن موضوعي؛ لأنَّه عضو وعنصر في جماعة تعينه على تشكيل هويَّته.

وما تجدر ملاحظته هو أنَّ هذه الفكرة الأساسيَّة التي يتقاسمها عدد من الفلاسفة منهم: مكنتير، كيمليك، سندال، شارل تايلور، ويل كيمليكا، ولكن بدرجات مختلفة، لا تشكِّل نوعاً من الرفض لمشروع الحداثة السياسيَّة الغربيَّة، بقدر ما هي محاولة لإجراء مراجعة نقديَّة لبعض مبادئ الديمقراطيَّة الليبراليَّة، وذلك بالنظر في حدودها، وإمكانيَّة إصلاحها، من خلال انفتاح هذه الديمقراطيَّة على التنوُّع أو التعدُّد الثقافي.

على سبيل المثال يرى الفيلسوف الكندي شارل تايلور أنَّ الإنسان كائن اجتماعي وأخلاقي في الوقت نفسه، وأنَّ الإنسان بحكم هذا الوضع لا يمكن له تحقيق السعادة خارج جماعته الثقافيَّة. وقد استند في هذا الرأي على الفيلسوف الألماني هيغل الذي ميَّز بين أخلاق موضوعيَّة، وهي مجموعة من المعايير والقيم المشتركة لجماعة معيَّنة، وأخلاق ذاتية، وهي تلك الأخلاق الفرديَّة التي يتَّبعها الفرد ويمكن أن تكون ضدَّ جماعته. واستنتج تايلور من هذا التمييز: أنَّ بناء الهويَّة الفردية/الذاتية لا يمكن أن يتمَّ خارج نظام اجتماعي وأخلاقي معيَّن. وحلل ذلك بإسهاب في كتابه: «منابع الذات، تشكُّل الهويَّة الحديثة».

تتضمن الهويَّة في نظر هذا الفيلسوف عمليتين أساسيتين هما: عملية اكتشاف الذات/الأنا، أي قدرة الفرد على إدراك ذاته الخاصَّة، ومن جهة أخرى هنالك عمليَّة الاعتراف بالذات/الأنا من قبل الآخر، أي ذلك الموقف الذي يؤمن للفرد وضعيَّة ومنزلة ضمن بيئته الاجتماعيَّة المعطاة، أو ما عبَّر عنه جون جاك روسو بعبارة: الشعور بالوجود. والشيء الأساسي في نظر تايلور هو أنَّ تحقيق الحريَّة يعني الإقرار والأخذ بعين الاعتبار للعمليتين المشكِّلتين للهويَّة الذاتيَّة أي: إدراك الذات/الأنا، والاعتراف بها.

في هذا السياق، يرى تايلور أنَّ التصوُّر الحديث للذات الفرديَّة المستقلة والمنعتقة أو المتحرّرة والمنفصلة عن عالمها، ما يزال يخالطه الكثير من الوهم، لأنَّ جذور هذه الفرديَّة ما تزال تكمن في الجماعة، وبما أنَّ تشكيل هذه الذات يمرُّ حتماً بالجماعة أو بالآخر، فقد خلص إلى أنَّ الهويَّة الحديثة تتشكل بطريقة حواريَّة (dialogique)، متَّبعاً في ذلك مجموعة من الفلاسفة وعلماء الاجتماع المعاصرين.

وعلى الرغم من دراسته وتثمينه لظهور هذه الهويَّة الحديثة، إلا أنَّ ذلك لم يمنعه من الوقوف عند سلبيات هذه الهويَّة، وهو ما بيَّنه في كتابه: «قلق الحداثة»1991، حيث حلل النتائج التي أدَّت إليها هذه الفرديَّة والأولويَّة المعطاة للعقل الأداتي على حساب المجتمع والإنسان الحديث. ومن بين المظاهر السلبية التي أدَّت إليها هذه الذاتية، يمكن الإشارة إلى العزلة المتزايدة للأفراد داخل المجتمع، والتذرير(atomisme) الذي أصاب المجتمعات الحديثة، والاهتمام المتزايد بالذات على حساب الجماعة، والأولويَّة المعطاة للإنتاج وللفعاليَّة التي تقوَّت بفعل التقنيات، وهو ما أدَّى إلى تراجع في قيم المجتمع.

يظهر هذا التراجع في الحياة الأخلاقيَّة، بحيث انحصرت الغاية الأخلاقيَّة كلها في الرفاهية الماديَّة. كما يظهر هذا التراجع في الحريَّات ذاتها، وبخاصَّة الحريَّات المدنيَّة جرَّاء عزوف المواطنين عن المشاركة السياسيَّة، وبخاصَّة بعد تنامي دور الدولة البيروقراطي، وهو ما اصطلح عليه بالاستبداد الناعم (despotisme doux). ولتجاوز هذه المظاهر السلبيَّة في الديمقراطيَّة الليبراليَّة، وجب في نظره إعادة الاعتبار للجماعة وتحديد جديد للحريَّة والمساواة.

من هنا يحتلُّ مفهوم الجماعة في هذا التيَّار مكانة مركزيَّة، لأنَّ الفرد لا يمكن له أن يحقق مختلف شروط استقلاله الذاتي إلا بارتباطه بالجماعة أو بجماعة معينة، جماعة تستقبله، وتتحمله، وتعلمه اللغة والتفكير، وتسمح له ببناء مواقف أخلاقيَّة وشخصيَّة. وهذا هو مصدر الإعلاء الذي يبديه هذا التيار لقيمة الجماعة في موضوع الانتماء وتشكيل الهويَّة الأخلاقيَّة. ويسمح لنا بفهم أطروحة هذا التيار القائلة: إنَّ الهويَّة مشروطة بالاعتراف، أو الهويَّة لا تنفصل عن الاعتراف، وإنَّ الفرد الإنساني غير قادر على الاكتفاء الذاتي في هذا المجال. أو كما قال تايلور: «لا نستطيع أن نحدِّد أنفسنا بأنفسنا». فلكي نتعرَّف على أنفسنا، فإنَّنا في حاجة إلى نظرة الآخر، وبخاصَّة لما يُسمِّيه الشريك الدال، الذي تربطنا به علاقة انتماء أو تضامن ضمن جماعة حقيقيَّة، كأفراد العائلة، والأصدقاء، والزملاء، وكلّ من يماثلنا، وذلك من خلال النقاش المتبادل واللقاء والمصلحة.

وإذا كان الفكر الليبرالي يُحذِّرنا من مخاطر الجماعة، ومن تأثيرها السلبي على الفرد، ومن قدرتها على أن تُلْبِسَهُ أخلاقاً نمطيَّة وسلطويَّة، فإنَّ الردَّ على ذلك هو بالقول إنَّه يجب ألّا نقابل الحريَّة بالانتماء إلى جماعة مُعيَّنة. لماذا؟ لأنَّ مثل هذه المقابلة تقوم على لبس في مفهوم اختيار الفرد. ويتمثل هذا اللبس في طريقة الاختيار ومضمون الاختيار؛ ومعنى ذلك أنَّ القيم التي يعتنقها الفرد تكون حاصل اختيار حر، وتتناسب وقناعاته الحقيقيَّة، وهو أمر في غاية الأهميَّة، ولكن مع ذلك فإنَّ هذا لا يعني أنَّ الفرد اخترع واكتشف هذه القيم الشخصيَّة، وأنَّها لا تنتمي إلا لشخصه، بما أنَّه يتقاسمها مع أشخاص كثيرين، وتنتمي إلى تيَّار فكري متأصل في تراث معيَّن وتاريخ معيَّن.

يعني هذا أنَّ من الخطأ النظر إلى الاختيارات السياسيَّة والأخلاقيَّة على أنَّها حصيلة إنجاز فردي، أو أنَّ الهويَّة الأخلاقيَّة حصيلة عمليَّة فرديَّة تتمُّ في سياق مغلق، حيث يكون الفرد المستقل هو السيِّد والمقرِّر. لماذا؟ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى طرح هذا السؤال: ما هي هذه القيمة التي لا قيمة لها إلا بالنسبة إلى الفرد، والتي لا يعترف بها أحد؟ من هو هذا الفرد الذي اخترع بنفسه قيمة أخلاقيَّة؟ يجيب تايلور عن هذا السؤال بالقول: «إنَّنا نكون أصلاء عندما نكون في علاقة مع حقيقة عليا تمتلك دلالة مستقلة بالنسبة إلينا وإلى رغباتنا». يعني هذا أنَّنا لا نكتشف هويَّتنا الأخلاقيَّة من لا شيء، وإنَّما نكتشف هويتَّنا الأخلاقيَّة من خلال نوع من الاستكشاف الدائم والمستمر والمتقدِّم لذواتنا. وأنَّنا نكبر وننمو في محيط وضمن وسط إنساني خاص يغذِّي هويَّتنا الأخلاقيَّة بأساليب مختلفة، منها ما يتصل بالعادات والتقاليد، ومنها ما يتصل بالمؤسسات والتشريعات والقوانين، ومنها ما يتصل بالوسط البيئي والاجتماعي. وباختصار، بنمط من الحياة/الوجود الذي يصبح طبيعياً بالنسبة إلينا، ونألفه ونتعايش معه ونعيش فيه.

وضمن هذا الوسط نتعلم اللغة التي تمكِّننا من صياغة تصوُّراتنا حول الخير، وضمنه أيضاً تكون لنا مواقف حيال القضايا ذات الأهميَّة بالنسبة إلينا، وتكون موضوع تفكير ومناقشة بيننا وبين غيرنا. يقول تايلور: «حتى يكتشف مضمون إنسانيَّته، فإنَّ كلَّ فرد في حاجة إلى أفق من الدلالة، لا يمكن أن يعطى له إلا من خلال نوع من الانتماء إلى جماعة، وإلى تراث ثقافي. هذا يعني أنَّه في حاجة بالمعنى العام إلى لغة، لكي يطرح أسئلته الكبرى ويجيب عنها». فعندما أبحث عن معنى لحياتي، فإنَّما أبحث عن ذلك ضمن القيم والأفكار الموجودة والقائمة والحاضرة في بيئتي الثقافيَّة.

ثم إنَّ الحريَّة في المنظور الديمقراطي الليبرالي مُصمَّمة على أنَّها حريَّة الاستقلال الذاتي. وتقتضي هذه الحريَّة القدرة على الاختيار، وعلى التحقيق أو التنفيذ، وذلك وفقاً للعبارة القائلة: (إنَّني حرٌّ عندما أقرِّر بنفسي كلَّ ما يتعلق بي، بعيداً عن المؤثرات الخارجيَّة). ولكن لكي يكون الإنسان حرَّاً، يجب أن يتَّبع مثالاً أخلاقيَّاً، وأن يكون أصيلاً. فما المقصود بالأصالة؟

1. تعني الأصالة تلك الحالة أو الوضعيَّة التي تعطي الفرد القدرة على أن يبحث عن حقيقته الخاصَّة. وعليه، فإنَّه من أجل أن يكون الإنسان حرَّاً، عليه أن يكون قادراً على تعيين وتحديد ما يُكوِّن ويُشكِّل أصالته.

2. تقتضي الأصالة قدرة الفرد على العيش بصدق سواء في علاقته مع نفسه أو في علاقته مع الآخرين.

3. أن يكون الفرد قادراً على تبنِّي معايير أخلاقيَّة تتناسب وذاته، رافضاً في الوقت نفسه كُلَّ أنواع الشكلانيَّة أو الأحاديَّة الاجتماعيَّة، مثل تبنِّي نمط حياة اجتماعي مفروض من الخارج. بمعنى أنَّ لكُلِّ إنسان طريقته في الحياة/الوجود، وعليه أن يبحث عن شكل الحياة الخاصَّة به، وأن يجد في نفسه المنابع الأخلاقيَّة لوجوده.

4. تفرض الأصالة على كلِّ أصيل أن يحترم كلَّ الأفراد على اختلافهم وتنوُّعهم، ولا يتمُّ ذلك إلا بالاعتراف بهذه الاختلافات. ويُعدُّ هذا بمثابة شرط أوَّلي لتحقيق حرِّية كُلِّ فرد. بمعنى، أنَّ الحريَّة تقتضي نوعاً من الأصالة التي تشترط الاعتراف بالاختلاف.

5. يجب استبدال فكرة المساواة بفكرة العدل بما هو إنصاف، لأنَّ المساواة تفترض أنَّ الجميع متشابهون ومتماثلون، في حين أنَّ كُلَّ فرد يُشكِّل هويَّة خاصَّة تشكَّلت من خلال تجربة معيشة ضمن جماعة واحدة أو مجموعة من جماعات الانتماء. فكيف يمكن أن ننظر إلى المساواة بين أفراد لهم هويَّات مختلفة، وعادات وأنماط عيش خاصة، على أنَّهم مُتساوون؟ إنَّ مبدأ المساواة المطبَّق بحذافيره ينطلق من اعتبارات مجرَّدة، وينكر الاختلافات بين الأفراد. من هنا يرى تايلور، على سبيل المثال، أنَّ مبدأ المساواة يُعدُّ مبدأ غير كافٍ أخلاقيَّاً، ويجب، بالتالي، إحلال مبدأ آخر محلّه، هو مبدأ الإنصاف الذي يأخذ بعين الاعتبار الوضعيَّات والحالات الخاصة، ويتجاوب مع المجتمعات المتعدِّدة الثقافات.

وفي هذا السياق، فإنَّ ما تجدر الإشارة إليه هو أنَّ الدعوة إلى التعدُّد الثقافي وسياسة الاعتراف دعوة موجَّهة ضدَّ النموذج الجمهوري عموماً، والنموذج الفرنسي تحديداً، لأنَّ هذا النموذج، وفقاً لعبارة تايلور، «يسحق الهويَّات المختلفة باسم الوحدة الوطنيَّة». صحيح أنَّ إرادة الحياد التي يبديها النظام الجمهوري في الفضاء العمومي تحمل مقاصد إيجابيَّة، بما أنَّها تهدف إلى جعل كلِّ المواطنين يتمتعون بالحقوق نفسها، وبالمساواة أمام القانون مهما تنوَّعت وتعدَّدت حياتهم الخاصة، ولكنَّ هذا المسعى الذي يعود إلى فلسفة روسو يقوم على مغالطة مكشوفة. لماذا؟ لأنَّ عدم الاعتراف بالهويَّات الثقافيَّة والعرقيَّة والدينيَّة يؤدي إلى وضعيات وحالات من الظلم والتفاوت المكشوف. يؤكِّد هذا ما قامت به الإيديولوجيَّة الجمهوريَّة عبر تاريخها، وما فرضته من ثقافة مهيمنة، أدت إلى سحق ثقافة الأقليَّات. وعليه فإنَّ الإنكار أو رفض الاعتراف يؤدي إلى حالات من التعسف والقهر والظلم.

من هنا يخلص هذا التيار الناقد للديمقراطيَّة الليبراليَّة إلى القول بالحريَّة، وفي الوقت نفسه رفض الاختلاف يُعدُّ موقفاً غير متطابق، لأنَّه إذا كانت مبادئ الديمقراطيَّة الليبراليَّة تحدُّ من حقوق الأقليَّات، فإنَّها في الوقت نفسه لا تمنع مثل هذه الحقوق. ومبادئ الديمقراطيَّة الليبراليَّة ليست فقط متوافقة مع إعطاء الأقليَّات العرقيَّة والثقافيَّة جملة من الحقوق، وإنَّما تعترف بمثل هذه الحقوق. ولا يمكن أن يتمَّ ذلك إلا بتجاوز تصوُّر الدولة المركزيَّة الأحاديَّة التي يتمتع فيها المواطنون بمنزلة قانونيَّة واحدة، إلى تصوُّر جديد للدولة والمواطنة تكون فيهما مكانة للتعدُّد الثقافي، سواء من خلال شكل من الدولة المركزيَّة أو الدولة الفيدراليَّة.

وهنالك من لا يرى تعارضاً بين الدعوة إلى مواطنة متعدِّدة الثقافات ومبادئ الليبراليَّة، وأنَّ نظريَّة ليبراليَّة في التعدَّد الثقافي ستضمن العدالة لكُلِّ مواطن، وذلك بأن تحميه من جهة من المظالم التي قد ترتكبها الجماعة المهيمنة، ومن جهة أخرى تحمي الفرد من المظالم التي يقترفها الأفراد أو قادة الجماعة التي ينتمي إليها. وفي هذا السياق، فإنَّ من الأهميَّة بمكان التأكيد على أنَّ سياسة الاعتراف رغم نقدها لنموذج الدولة-الأمَّة، ودفاعها عن سياسة الاعتراف، فإنَّها تدعو إلى ضرورة احترام حقوق الأفراد، ولا تقابل مطلقاً حقوق الجماعة بحقوق الفرد، وإنَّما تجعل من حقوق الفرد أحد الأركان الأساسيَّة للمجتمع المتعدِّد الثقافات.

ولكي تصبح الهويَّات الجماعيَّة والفرديَّة جزءاً من المجال العام لا بُدَّ من إعطاء أهميَّة كبيرة للحوار أو لمبدأ الحواريَّة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وذلك استناداً إلى القاعدة القائلة: حينما يتمُّ بناء الهويَّات بواسطة الحوار السلمي بين مختلف الجماعات، فإنَّه من الطبيعي أن يكون التشاور والحوار والمناقشة في المجال العام، وأن يتداول المواطنون على الحكم. وبهذا المعنى لن تكون الحياة السياسيَّة عبارة عن مواجهة بين مواطنين لهم مصالح ماديَّة مختلفة فقط، وإنَّما يكون هنالك إمكانيَّة للمداولة والتشاور حول مختلف سمات هويَّاتهم.

وممَّا لاشكَّ فيه، أنَّ ثمَّة مخاطر عديدة في معالجة الخصوصيَّات بالاعتراف بها من غير تحديد، لأنَّها ستؤدي إلى تعميق الاختلافات، أو قد تزيد من وجودها، وهذا قد يؤدي إلى انفجار المجتمع. لذلك فإنَّه وفي ظلِّ فضاء اجتماعي معقَّد ومُتعدِّد الثقافات، فإنَّ هذه المشاكل تتطلب تفكيراً نقدياً، وحواراً مسؤولاً، وانفتاحاً على الآخر، وقدراً معيَّناً من التسامح، مع ضرورة التمييز بين ما هو أساسي وعرضي. يعني هذا، عدم وجود معادلة جاهزة وقابلة للتطبيق على جميع الوضعيَّات والحالات، وإنَّما هنالك مبادئ عامة وقيم مشتركة، كما أنَّه لا وجود لإجراءات قانونيَّة صارمة سابقة يمكن أن تضمن سلفاً أنَّ الاختيارات ستكون صحيحة ودقيقة. وهذا يعني، أنَّه يجب الاعتراف بالاختلافات ضمن روح المصالحة والتسوية.

وإجمالاً، فإنَّ سياسة الاعتراف تُعتبر محاولة لفتح الديمقراطيَّة الليبراليَّة على قضايا الجماعات والأقليَّات، وذلك بالاستناد إلى مبدأ الحريَّة والعدل وحقوق الإنسان، وإلى فكرة أنَّ الهويَّة الإنسانيَّة تتشكل من عمليتين ذاتيَّة وموضوعيَّة، وأنَّ الحوار يُشكِّل حقيقة الهويَّة الحديثة، وأنَّ طبيعة المجتمعات الحديثة تقتضي سياسة في الاعتراف تأخذ بعين الاعتبار عاملين أساسيين هما: التعدد الثقافي والأخلاقي للمجتمع الحديث، والهجرة التي تطبع الألفيَّة الثالثة.

ثم إنَّ الديمقراطيَّة الليبراليَّة، شئنا أم أبينا، هي استجابة للتعدديَّة التي تطبع الاجتماع الإنساني. وهذه التعدُّديَّة التي تحاول الديمقراطيَّة الليبراليَّة الاستجابة لها أو تسييرها يطبعها النزاع. فالتعدُّديَّة التي تُعبِّر عنها الديمقراطيَّة هي بمثابة تحدٍّ حقيقي تواجهه المجتمعات الحديثة، وبه تتميز عن المجتمعات التقليديَّة. والرهان الأكبر لأيَّة ديمقراطيَّة ليبراليَّة ناجحة يتمثل في إيجاد الطرق والوسائل المناسبة لتسيير نزاعاتها، بحيث لا تؤدي التعدُّديَّة إلى إلحاق الضرر أو المخاطرة بما يُعتبر سبباً في وجود الديمقراطيَّة، ألا وهو الحريَّة والعدل.

لزواوي بغورة.

مؤسسة مؤمنون بلا حدود- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate