حداثة و ديمقراطية

الديمقراطيَّة الليبراليَّة، وموقف نظريَّة الاعتراف(١)٠

لا نهدف في هذه المقالة، إلى مناقشة الديمقراطيَّة على وجه العموم، ولا المقابلة بين مختلف أشكالها، وإنَّما سنسعى للنظر في نوع محدَّد من الديمقراطيَّة هو الديمقراطيَّة الليبراليَّة، بما هي نظام حكم خرج منتصراً من الحرب الباردة، حيث وصفه مشايعوه وأنصاره بـ: (الديمقراطيَّة الليبراليَّة المنتصرة). واستعاروا في هذا السياق عبارة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر القائلة: (الماركسيَّة هي الأفق الذي لا يمكن تجاوزه)، واستبدلوها بعبارة: (الديمقراطيَّة هي أفق الإنسانيَّة الذي لا يمكن تجاوزه). كما نعتها المفكر الأمريكي من أصل ياباني فرنسيسكو فوكوياما، بنظام (نهاية التاريخ). وخلص الفيلسوف النمساوي كارل بوبر إلى الإقرار بأنَّها: (أفضل العوالم الممكنة)، قياساً على مقولة ليبنتز الميتافيزيقيَّة.

وإذا كانت الديمقراطيَّة الليبراليَّة قبل انهيار الاتحاد السوفيتي تتحدَّد بغيرها من الديمقراطيَّات، وبخاصة بتلك الديمقراطيَّات الشعبيَّة المرتبطة بالنظم الشموليَّة والاستبداديَّة، فإنَّها منذ بداية تسعينيات القرن العشرين قد أصبحت تتحدَّد باتجاهاتها وتياراتها، بحيث انتقل النقاش والبحث من حالة الديمقراطيَّة في علاقاتها بالأشكال الخارجيَّة عنها إلى علاقاتها بأشكالها الداخليَّة. فما المقصود بالديمقراطيَّة الليبراليَّة؟ وما موقف نظرية الاعتراف منها؟

أولاً: في المميزات العامَّة للديمقراطيَّة الليبراليَّة

لا شكَّ أنَّ لهذا المفهوم السياسي تاريخه الذي لا يمكن اختزاله، والذي يجب أخذه بعين الاعتبار في كلِّ نقاش، ولكن مع ذلك يمكن أن نشير إلى بعض ملامحه الأساسيَّة، ومنها:

1. نوع من الفكر المؤسس للحداثة الغربيَّة القائم على فكرة الحريَّة. فمن حريَّة الفكر نشأ العلم التجريبي الحديث، ومن حريَّة التبادل نشأ الاقتصاد الرأسمالي والصناعي، ومن الحريَّة في الحياة نشأت حقوق الإنسان، ومن حريَّة الأفراد ظهرت تحولات أساسيَّة وجوهريَّة في مفهوم العائلة والأسرة والفرد، ومن الحريَّة في المشاركة والتنظيم نشأت الديمقراطيَّة الليبراليَّة.

2. ظهرت الديمقراطيَّة الليبراليَّة في القرن الثامن عشر في مجتمعات محدَّدة هي: بريطانيا وفرنسا وأمريكا، بوصفها حركة فكريَّة وسياسيَّة ونقديَّة للبنيات الاجتماعيَّة القائمة على الامتيازات، أو تحديداً امتيازات بعض الفئات الاجتماعيَّة، وعلى فهم معيَّن للتقاليد/للتراث. وطالبت هذه الحركة بحريَّة أكثر في المجالات التي ذكرناها سابقاً: أي في العلم، والاقتصاد، والتنظيم، والحياة، والفرد. وعملت إجمالاً على الحدِّ من سلطة الدولة. وهو ما سيعبِّر عنه الفكر الليبرالي المغالي والمعروف بالفكر الليبرتاني بـ(دولة الحد الأدنى).

3. من الناحية التاريخيَّة، فإنَّ الديمقراطيَّة الليبراليَّة قد رفضت باسم حريَّة الاقتصاد مبدأ تدخل الدولة، وسمحت ببروز المجتمع المدني، وبفصل الدين عن السياسة، وبالتالي فإنَّ المجتمع المدني هو نتيجة لأشكال الحكم الجديدة التي ظهرت في القرن الثامن عشر بوصفها أشكالاً ضرورية للحكم، حيث أصبح من مهام الدولة ضمان هذا المجتمع، وأصبحت الحريَّة عنصراً ضرورياً في الحكم، ومبدأً إجرائيَّاً من الدرجة الأولى، وبذلك تحولت الحريَّة إلى مبدأ للحدِّ من سُلطة الدولة.

4. إنَّ الأساس الذي يقوم عليه هذا الشكل من الحكم هو أنَّ مزيداً من الحريَّة سيؤدي بالضرورة إلى مجتمع أكثر عدالة، وأكثر تقدُّماً، أو بتعبير آخر، فإنَّ المزيد من الحريَّة أو الحريَّات، إذا أردنا الدقة، سيؤدي إلى مجتمع عادل ومتقدِّم.

5. يعكس ما حدث في تاريخ المجتمعات الغربيَّة خلال قرنين من الزمن أنَّ هنالك نوعاً من الصراع والنزاع بين مختلف أشكال هذه الحريَّات، وأنَّ الحريَّات ليست متعادلة جميعها وفيما بينها بشكل عام، وبخاصَّة التفاوت ما بين الحريَّة والمساواة والعدالة بشكل خاص. ويظهر هذا التفاوت في ثلاث نقاط أساسيَّة هي:

1. الحريَّة بما هي رفع للإكراه قد تؤدي، من الناحية النظرية على الأقل، إلى إكراه أكبر، بما أنَّها ستسمح للقوي بأن يستعبد الضعيف.

2. إنَّ الحريَّة في مجال الاقتصاد قد تؤدي إلى الاحتكار، وهي ظاهرة كما هو معروف ملازمة للاقتصاد الرأسمالي، وقد تؤدي في بعض الأحيان إلى غياب المنافسة. ولتفادي عدم الوقوع في مثل هذه الحالات لا بدَّ أن تكون هنالك مؤسسات قانونيَّة وتشريعيَّة قويَّة. وبمعنى آخر، فإنَّ على الدولة أن تحدَّ من الحريَّة الاقتصاديَّة بقوانين ملزمة، حتى لا تسمح للحريَّة الاقتصاديَّة بأن تهدم نفسها.

3. مسألة التسامح: الواقع أنَّ الحريَّة تتطلب فضاءً من التسامح، ولكن ما العمل مع غير المتسامحين؟ بتعبير آخر، هل يمكن التسامح مع أفراد وجماعات غير متسامحة؟ هذا ما تواجهه مختلف المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات العربيَّة. ومن الواضح أنَّ عدم التسامح مع غير المتسامحين باسم التسامح يحمل مفارقة ظاهرة. والأمثلة على ذلك كثيرة على رأسها العنصريَّة ومختلف الجماعات المتطرفة، بما في ذلك الجماعات الإسلامية. وبالطبع، فإنَّ المبدأ المقدّم في هذه الحالة هو أنَّ: للمتسامحين الحق في أن يكونوا غير متسامحين في بعض الوضعيات الحادَّة، وذلك بهدف الحفاظ على التسامح.

إنَّ الديمقراطية الليبراليَّة قد تؤدي إلى حالات غير ديمقراطيَّة. فمثلاً يمكن أن تؤدي حريَّة الإعلام والتعبير إلى الدعاية للكراهية ونشر أحكام خطيرة وخاطئة، مثل ما يحصل لبعض الجاليات والأقليَّات، ولما يلحق بصورة الإسلام والمسلمين في السنوات الأخيرة على سبيل المثال. ينجم عن هذا كله، وجود نزاع أساسي داخل الديمقراطيَّة الليبراليَّة ما بين الحريَّة والمساواة والعدل. وحول هذا النزاع تدور جملة من النظريات السياسيَّة والفلسفيَّة التي تحاول، كلُّ واحدة بطريقتها الخاصَّة، الرفع أو الحد أو التقليل من هذا النزاع قدر الإمكان.

على أنَّ ما تجب ملاحظته في هذا السياق هو أنَّه رغم هذا النزاع والصراع، فإنَّ فلاسفة السياسة إجمالاً لا يميلون إلى الطرح الثوري، ولا إلى التفسير الأحادي والشمولي، وإنَّما أصبح الحديث يدور حول أفضل السبل لتحقيق الديمقراطيَّة الليبراليَّة. وإذا كان هنالك اتفاق قائم حول ما هو أفضل نظام قانوني ودستوري لحماية حقوق الإنسان، ومراقبة النخب السياسيَّة الحاكمة، وحلّ النزاعات الاجتماعيَّة والسياسيَّة سلميَّاً، فإنَّ هنالك خلافات بين مختلف التيارات حول مسائل معينة، ومنها: الحريَّة ودرجة تدخل الدولة، المساواة وعلاقتها بالعدالة الاجتماعيَّة، وقبل هذا وذاك، فإنَّ هنالك مسألة متعلقة بمصير الديمقراطيَّة الليبراليَّة، يمكن صياغتها في سؤال مباشر وهو: ما مصير الديمقراطيَّة الليبراليَّة؟ وحول هذه الأسئلة وغيرها يدور نقاش بين عدد من الفلاسفة يمكن تصنيفهم إلى ثلاثة تيَّارات أساسيَّة: التيار الليبرالي الإجرائي، والتيار الجمعاتي، وتيار التعدُّديَّة الثقافيَّة. ولا يتسع المجال هنا للتفصيل في هذه النظريات، ولا في القضايا المختلفة المطروحة على الديمقراطيَّة الليبراليَّة، إنَّما حسبي أن أنظر في النظريَّة التي تدعو إلى سياسة الاعتراف (politique de la reconnaissance)، بما هي سياسة عادلة.

لزواري بغورة.

مؤسسة مؤمنونن بلا حدود- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate