اصلاح ديني

الإصلاح الديني.. و الاحتدامات الاجتماعية(١)

ماذا يعني الحديث الآن عن الإصلاح الديني؟ ولماذا هو مشكل؟

عندما يظهر مصطلح الإصلاح الديني فهذا يعني، أو هو يعلن عن تناقض. تناقض بين «النظام الديني» و«النظام الاجتماعي»، السائدين عند نقطة زمنية معينة: النظام الديني لم يعد يشبع حاجات النظام الاجتماعي. والنظام الاجتماعي لم يعد يحتمل إلزامات النظام الديني.

النظام الديني ينشأ أصلاً كإفراز للنظام الاجتماعي الذي ظهر فيه إبان حقبة التأسيس. ولذلك فإن المراحل الأولى اللاحقة على نشأة النظام الديني، لا تعرف مصطلح الإصلاح الديني، لأن النظام الاجتماعي يكون هو ذاته أو قريباً منه، ومن ثم فلا مجال للحديث عن تناقض.

التناقض يبدأ، بشكل تدريجي، مع تزايد المسافة الزمنية الفاصلة بين اجتماعيات النشأة الأولى للنظام الديني، واجتماعيات الواقع الاجتماعي اللاحقة عليه. والسبب ببساطة هو أن النظام الديني يتم تثبيته كمقدس بطبيعة التدين، فيما أن النظام الاجتماعي يستمر في التطور بطبيعة الاجتماع وقوانين العالم.

التناقض إذن ضروري، ودوري.

وبالاستقراء التاريخي لعلاقة النظامين، على المستوى التوحيدي، نلاحظ الآتي:

في المراحل الأولى تكون التناقضات طفيفة، ولذلك يمكن استيعابها من داخل آليات النظام الديني. وبوجه عام تظل التناقضات قابلة للاستيعاب من داخل آليات النظام الديني، طالما أن التطور الاجتماعي لم يصل إلى حد التغير الجذري قياساً إلى اجتماعيات التأسيس الديني. لكن عندما يصل التطور الاجتماعي إلى حد التغير الجذري، يمتنع استيعابه من قبل الآليات الداخلية للنظام الديني، المصممة أصلاً لاستيعاب الهياكل الاجتماعية القديمة. هنا يتحول التناقض إلى صدام، أو معركة تسفر عن تراجع القديم، أي النظام الديني. التراجع هنا معناه: تنازلات جسيمة من قبل النظام الديني، يضطر إليها كي يحافظ على بقائه.

القانون الذي يحكم هذه الحالة، هو قانون رفع التناقض. وهو قانون طبيعي من قوانين الاجتماع: حركة الاجتماع تؤدي، بطبيعتها، إلى حدوث التناقضات داخل العالم، ولكنها في الوقت ذاته، تنزع بطبيعتها أيضاً إلى رفع هذه التناقضات طلباً للتناغم. عند هذه النقطة يمكن فهم الإصلاح الديني، من أحد جوانبه، على أنه مبادرة من قبل النظام الديني، ومن داخل آلياته الذاتية، لإعادة التكيف مع النظام الاجتماعي، تلافياً لنتائج الصدام معه.

ما قبل الحداثة

في الواقع لم يحدث تطور جذري في الهياكل الكلية للاجتماع، أي لم يطرأ تحدٍ حقيقي أمام النظام الديني التوحيدي عموماً، قبل عصور الحداثة التي بدأت مع العصر الصناعي، وتبلور الرأسمالية، ونتائج العلم التجريبي. فطوال العصور السابقة على الحداثة كانت التطورات الاجتماعية، البطيئة أصلاً، تنتمي إلى طبيعة الهياكل الاجتماعية القديمة: الهياكل الاقتصادية ظلت رعوية أو زراعية ريعية، والهياكل الاجتماعية ظلت قبلية أو عشائرية أو جماعية إجمالاً، والهياكل العقلية ظلت أسيرة لنمط التفكير اليوناني السابق على التجربة، والذي يشترك أصلاً مع العقل الديني في خلفيته الأنطلوجية المثالية.

التطور الجذري الذي جلبته الحداثة، واجه المسيحية الغربية في أوربا، قبل أن يواجه الإسلام في محيطه الجغرافي الشرقي. خلافاً للسياق المسيحي الغربي، لم يتعرض الإسلام في محيطه الاجتماعي بعد، أو لم يتعرض بالقدر الكافي للصدام مع قانون التطور الاجتماعي. التطور في الهياكل الكلية لم يصل إلى حد التغير الجذري.

ومع ذلك فالتطور في هذه الهياكل يتصاعد بوتيرة متسارعة خصوصاً على المستوى الثقافي والنفسي، لأسباب تتعلق بآليات التواصل الحديثة مع العالم. وتيرة التطور المعاصرة عموماً أسرع من وتيرة التطور في العصور القديمة. التطورات التي تحدث الآن في سنة، كانت لتحتاج إلى ألف سنة بمقاييس العصور القديمة (الحجري، البرونزي، الحديدي).

الإسلام المعاصر في المنطقة، يواجه ظروفاً مشابهة للظروف التي واجهتها المسيحية الأوربية بعد القرن السادس عشر، ولكن قبل القرن التاسع عشر. المنطقة تجاوزت مرحلة البدايات لتطور واضح في الهياكل الكلية، رغم ثبات بعض المؤشرات. التطور لم يصل إلى حد التحول الجذري، ولكنه يتجه إليه.

درجة التطور الحالية، خصوصاً مع تجاوزاتها النوعية لدى بعض الشرائح، كافية لإحداث توتر حاد. التوتر الحاد الذي يسبق الصدام.

بالنسبة إلي: هذا هو التكييف الصحيح للحراك العصبي الصاخب الذي يحتدم في المنطقة، ويعبر عن ذاته تعبيراً سياسياً في اللحظة الراهنة، الغطاء السياسي قشرة خارجية لمحتوى اجتماعي. والسياسة كما نعلم هي أشد صور الاجتماع تكثفاً.

على ضوء هذا التكييف نستطيع أن نقرأ ما يبدو أنه تصاعد للإسلام السياسي على أنه:

رد فعل دفاعي (استباقي) من قبل النظام الديني أمام قانون التطور. أي كظاهرة انفعالية مؤقتة في المدى المنظور.

لعبد الكواد يسن.

ثقافات- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate