حداثة و ديمقراطية

نماذج تنموية معاصرة سنغافورة نموذجا(٢).


تنمية الاستثمارات الاجنبية
إلا أنه بعد سنوات من التجربة قرر “لي كوان” وحكومته أن أفضل وسيلة لتعزيز الاقتصاد بجانب كل ما سبق من جهود هي جذب استثمارات الشركات المتعددة الجنسيات، لذا كان المسلك الثالث والمكمل للخطوات السابقة وهو اجتذاب الاستثمارات الأجنبيةفكانت أولى الخطوات في هذا الطريق هي تدعيم بنية تحتية تنتمي للعالم الأول وتستوعب حجم الاستثمارات المرجو اجتذابها في أوائل الثمانينيات. وبالفعل، تمكنت الدولة من إقناع الأمريكيين واليابانيين والأوروبيين من تأسيس قاعدة للأعمال بالبلاد في منتصف الثمانينيات، فتحولت سنغافورة إلى واحد من أكبر مصدري الإلكترونيات في العالم، خاصة مع إصرارها على دخول القرن الجديد بصناعات تكنولوجية متطورة ذات تقنية عالية تسمح لها بالوصول إلى أسواق جديدة تغنيها عن الاعتماد على الصناعات التقليدية التي تعاني منافسة شديدة من قبل الدول ذات الأجور المنخفضة نسبيًا كالصين وباقي دول جنوب شرق آسيا، لذلك لجأت إلى رفع كلفة العمالة الأجنبية في الصناعات القائمة على الأجور المنخفضة لإجبارها على التحول نحو الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، بيد أن هذه السياسات لم تثمر عن نتائج فعلية إلا في نهاية الثمانينيات، أي بعد عشرين عامًا على الإصلاح الاقتصادي والتعليمي، حيث تعد أحد كبار مصدري التكنولوجيا في العالم مثل أجهزة الكمبيوتر ومستلزماتها.

تنمية القطاع المالي والخدمي
أما الخطوة الأخيرة في إرساء هذه الجهود التنموية فكانت دعم القطاع الخدمي متمثلاً في إنشاء قطاع مالي قوي يستوعب كافة التطورات الداخلية وحجم التعاملات البنكية والمصرفية لتلك الاستثمارات الأجنبية الجديدة.. حيث كانت جهود “لي كوان” وحكومته ترمي إلى تحويل سنغافورة إلى مركز مالي دولي من خلال طمأنة المصرفيين الأجانب باستقرار الظروف الاجتماعية والدرجة العالية من البنية التحتية، حيث بلغ عدد المشتركين في الخطوط الهاتفية الثابتة 1983100 مشتركاً، وفي الهاتف الخلوي 8462800 مشتركاً، كما تتوافر خدمة الإنترنت السريعة، وأربع محطات أرضية للإتصال عبر الأقمار الصناعية، وسبع محطات تلفزيونية و18 محطة إذاعية, وتم تحقيق فوائض ميزانية تؤدي إلى استقرار قيمة الدولار السنغافوري.
وتبع هذه الخطوات إنشاء الوحدات المصرفية الخارجية لتشجيع استقطاب الاستثمارات إلى سنغافورة، مما رفع من نسبة مساهمة القطاع المالي ليصل إلى 27% من دخلها القومي، وأصبح لديها أكثر من 60 مصرفًا تجاريًا، بالإضافة إلى بورصة مزدهرة لتبادل العملات الآسيوية وبفوائد تشجيعية، ويوجد فيها أكثر من 700 مؤسسة مالية أجنبية تتخذ سنغافورة مقرًا لها وتتوزع أنشطة هذه المؤسسات على مجموعة واسعة من الخدمات والمنتوجات المالية، كالتجارة المالية والعملات وأنشطة رأس المال والقروض والأمن التجاري وخدمات التأمينات المتخصصة وغيرها، مما أسهم في دينامية الصناعة المالية في سنغافورة.
ففي عام 2004، اختيرت سنغافورة ضمن العشرة الأوائل الأكثر تقدمًا على مستوى الأسواق المالية عالميًا،  ولديها احتياطي عملات أجنبية يتخطى حاجز الـ 60 مليارًا، ومن أبرز شركائها التجاريين الولايات المتحدة واليابان وماليزيا والصين وألمانيا وتايوان وهونج كونج، وأصبحت أحد أسرع مراكز إدارة الثروات نموًا في العالم، حيث أعلنت سلطة النقد السنغافورية (البنك المركزي) نهاية عام 2013 أن حجم الأموال المدارة ارتفع بنسبة 22% في العام 2012 ليصل إلى رقم قياسي عند 1,63 تريليون دولار سنغافوري مقابل 1,34 تريليون دولار سنغافوري في العام 2011.

ليحيى دايخ.

مركز باحث للدراسات الفلسطينية و الاستراتيجية- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate