المرأة

المرأة والظلم الاجتماعي في مجتمعاتنا(١).

تمهيد:
 
إن المرأة جزء فاعل ومكون أساسي في المجتمع البشري. فهي الزوجة والأم والأخت للرجل. وهي جزء من كيانه الاجتماعي والنفسي، وليس فقط رقم ديموغرافي (demographic)، مكمل بالنسبة له. وقد كرمها الله ورسوله في كثير من المواضع والدلائل الصريحة. وبالتالي فإن تعطيل دورها أو الحد منه يعد تعطيلا لجزء هام من المجتمع، فضلا عن أنه عصيان لما أراد الله ورسوله لها.
وقد عانت المرأة كثيرا في مجتمعاتنا الإسلامية، جراء التقاليد البالية التي لم يتم التخلص منها. بل ومما يزيد الأمر سوءا أن يتم إسباغ القدسية على هذه التقاليد من خلال مزجها سواء عن قصد أو جهل بالتفسيرات والتأويلات الدينية التي تنتقص من المرأة وتحط من قدرها وبالتالي ما ساهم في أن تبقى مجتمعاتنا الإسلامية متخلفة بل وعاجزة حتى عن مسايرة التقدم البشري في شتى مجالات التطور ومنها التكنولوجية والصحية والاجتماعية وغيرها.
إن هذه الأمور قد أنتجت ما يمكن تسميته بـ”الظلم الاجتماعي” الواقع على المرأة. هذا النوع من الظلم الذي يقع على فئات اجتماعية معينة، يظن من يقوم به أنه على حق وان ذلك المظلوم إنما يستحق الظلم لان الله يريد له ذلك أو خلقه على هذا الحال، أو قد حط من قدره لان قيمته كذلك..الخ

في مفهوم الظلم الاجتماعي:
 
 الظلم الاجتماعي هو الظلم الذي يقع بين الناس من جراء بعض المعتقدات أو القيم والتقاليد أو المفاهيم الشائعة بينهم والتي تجعلهم يظلمون بعضهم بعضا بدون إدراك منهم انه ظلم. ويقع المظلوم ضحية بينهم دون أن يكون له أي ذنب يستوجب ظلمه.
ويورد الدكتور الوردي (الوردي:40) نماذجا للظلم الاجتماعي منها ما يسمى ب”علم الفراسة” القديم الذي كان يحكم وفقا لمقاييس غير عادلة ويعمم بدون أساس علمي. ومن جملة مفاهيم هذا العلم أن جمال الوجه مثلا يدل على حسن الخلق في الإنسان، كما إن دمامة الوجه تدل على سوء الخلق فيه. وقد صدق الكثيرون من الناس بهذا المفهوم المغلوط فصاروا يعاملون الدميم باعتبار أنه سيء الخلق بطبيعته. وهو قد يصبح سيء الخلق فعلا من جراء معاملة الناس له. كما إن هناك الكثير من أمثال هذه الأحكام المسبقة والقوالب الجاهزة تجاه الأعمى والعرق الملون والمرأة وغيرها من أشكال التمييز العنصري المبنية وفقا لهذا المفهوم. 
وقد كان الناس يعتقدون أن الله حين يبتلي أحدا بعاهة أو نقص في الخلقة، إنما يفعل ذلك عن حكمة، لان الشخص المبتلى يستحق ذلك لسوء خلقه أو لؤم طبعه أو بسبب ذنب فظيع قام به تجاه غيره.
كما ويذكر الدكتور الوردي صورا أخرى للظلم الاجتماعي، تتمثل في الكثير من القيم القبلية والعشائرية ومنها عادات الثأر وغسل العار والاهتمام المفرط بالأنساب، واحتقار بعض المهن والحرف الشعبية.
ووفقا لهذا المفهوم، فان المرأة قد وقع ولا زال يقع عليها الكثير من الظلم الاجتماعي، المبني على تصورات وقوالب جاهزة.

الظلم الاجتماعي الواقع على المرأة:
 
أولا لا يمكن تجاهل أن أمر اضطهاد المرأة والحط من قدرها هو في جذره غريزي- تاريخي، (ولا نقصد غريزة الجنس هنا) للإنسان باعتباره “حيوان” بغض النظر عن تميزه عن باقي الحيوانات الأخرى فغريزة التسلط موجودة ومتأصلة في الإنسان حاله حال باقي الحيوانات الأخرى، وقد نشأت ثقافة استضعاف الآخر (الضعيف) واضطهاده واستعباده كتحصيل حاصل لهذه الغريزة.
لقد أستضعفت المرأة لأنها غير قادرة على القتال كالرجل في بيئات التصارع منذ فجر الإنسانية الأول، فتأسس لها وضدها تراث قائم على استضعاف مكانتها وتحديد أدوارها ووظائفها لتكون كالسلعة تباع وتشترى وتستخدم لإشباع الغريزة والشهوة وترمى وقت انتفاء حاجتها، وتقتل وقتما يشك بأنها وقعت فريسة أو ضحية للغازي والطامع أو متى ما رفعت الصوت رافضة استعبادها أو (تسليعها). 
وقد كان لمختلف أصناف العلوم أدوار في تحليل وتفسير ظاهرة استضعاف المرأة والحط من قدرها. فالثابت أن المرأة بصورة عامة اضعف من الرجل بدنيا وفي ثقافات الشعوب عامة أيضا ظهر تدني مكانة المرأة وقلة نصيبها مقارنة بالرجل، وينطبق هذا على شتى الدول والأديان، إلا أن علم الإنسان (الانثروبولوجيا) قد أظهر لنا نماذجا من ثقافات بعض الشعوب البدائية التي تظهر عكس ما هو شائع حيث علو مكانة المرأة مقابل تدني مكانة الرجل، وحيث المرأة هي الآمر الناهي، وهي استثناءات فريدة. 
وفي مجتمعاتنا فان المرأة لطالما كانت ضحية التفسيرات الدينية المبنية على قاعدة قيمية ثقافية أساسها منطق ومفاهيم القبيلة والعشيرة بإعتبارها الأشكال الأولية للتنظيم الاجتماعي الضابط، والقوة والضعف الذي أساسه بدائية الإنسان والتي ساست على قاعدة شريعة الغاب، حيث البقاء والسلطة والسيادة للأقوى، وفيه يتم إخضاع المرأة كونها (مخلوق ضعيف) لمنظومة متشابكة تخدم وتكرس مصالح هذا (الأقوى). وهكذا بنيت ثقافة الرجل باعتباره الأقوى على قاعدة شريعة الغاب. إن سيطرة المؤسسات القبلية والعشائرية على أنساق حياة المجتمع قد غيبت دور التنظيمات العصرية ومؤسسات المجتمع المدني والتي من المفترض أن تكون بديلة عن تنظيمات القبيلة والعشيرة وتفرعاتهما من جهة وكمصادر وعي ومبعث تطور في غالب الأحيان. 
القبيلة أو العشيرة (تنظيم أصغر ومتفرع عن القبيلة) كتنظيم عصبي تؤدي دورها الرئيسي في توفير الأمن والأمان بالدرجة الأولى لأفرادها قبل أن تسند قوتهم الاقتصادية بحماية مصالحهم أو تحقق لهم غنائم ومكاسب أخرى عن طريق الغزو. 
لقد جرت (عرفنة – نسبة إلى العرف- وشرعنة) أدوار المرأة ووظائفها في المجتمع تلازميا بين العرف العشائري والدين، أي دين كان. حيث إكتسبت الأعراف شرعيات كبيرة بل قدسية حينما بنت معظم الأديان سننها وشرائعها على ركام الكثير من القواعد العرفية، أو فسرت نصوصها الدينية بهذه الكيفية أي وفقا لترسبات ومفاهيم قبلية بل عززت الكثير منها مثلما حاولت تعديل البعض الآخر. (الهاشمي، حميد)
فالصورة إذن هي ثقافة بنيت على أساس غريزي من جانب يعتمد على قاعدة الأقوى هو السيد، وهي التي تمتد بعمق تاريخي يصل إلى فجر الإنسانية الأول. ومن جانب آخر فقد كرس هذه الثقافة، القيم الاجتماعية النابعة من طبيعة حياة وبناء أشكال التنظيمات الاجتماعية القرابية خاصة والقيم الدينية التي بني معظمها على ركام هذه القيم (الاجتماعية). وأصبحت هذه الممارسات حقا وصوابا يمارس تجاه المرأة وفي غالب الأحيان لا يدري من يقوم بهذه الممارسات الظالمة، انه يظلم، إنما يتصور انه على حق، والأخطر أن يتصور “إنما ينفذ أوامر الله”.

لحميدة الهاشمي.

الحوار المتمدن-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate