اصلاح ديني

 قضيّة الإصلاح الديني ومعضلة الثواب(٢).


لكل ذلك، فإن الإصلاح الديني الذي نحن بصدده لا يهدف إلى إرشاد الناس إلى العقيدة الصحيحة؛ فذلك أمر لا سبيل إليه. ولا هو يهدف إلى تسويق الدين وحشد الناس إليه كما تفعل العقائد القومية والسياسية، بل الهدف هو إصلاح أثر الدين في المجتمع، حيث ظل الدين هو وعاء الأخلاق في المجتمعات الإنسانية على امتداد التاريخ، فوجبت بذلك نجدته. وعلى هذا الأساس، فإن مواطن الإصلاح تتمدد داخل الإطار الديني بقدر أثر تلك المواطن على حياة الناس ولو استدعى ذلك نبش ثوابت دينية راسخة وإخراجها للفحص والمراجعة. لن يلزمنا ملاحقة كل عقيدة للناس ووزنها بميزان العقل ما لم تكن ذات أثر في المجتمع. من شاء أن يُؤْمِن أن يأجوج ومأجوج سيخرجون آخر الزمان فشأنه، ولكن إن قام ينبش الأرض بحثا عنهم وجب إرشاده. التحدي أمام هذا المنهج هو أن أشد آثار الدين على المجتمع تعود في كثير من الأحيان إلى أشد مقولات الدين ثبوتا. لذلك، فإن أمر الإصلاح الديني لن يبارح عجزه الحالي طالما مَنح حصانة لفكرة ما وإن عزّت.

سأسعى في هذا المقال، إلى بيان مواطن الإشكال فيما يخص قضية الإصلاح الديني. المقال عبارة عن تمهيد لكتاب سينشر قريبا إن شاء الله عن ذات الموضوع. لذلك، ولضيق المساحة هنا، سأثير أسئلة دون أن أقدم لها إجابات، كما سأذكر آراء على قضايا دون بيان تفصيلي للبراهين التي تقوم عليها هذه الآراء. باختصار، هدف المقال هو لفت الانتباه للمشكلة وليس علاجها.

1. الإقرار بالمشكلة

أ. كيف يثبت ما لا اتفاق عليه؟

إذا اختلفت فرقتان على قضية ما، فإن هذه القضية لا يمكن أن تشكّل ثابتا لمجموع الفرقتين بطبيعة الحال. وباعتبار أن الموقف من هذه القضية هو من الثوابت عند الفرقتين، فإن الانتماء إلى إحداهما يعني بالضرورة نفي الانتماء إلى الأخرى. ولكن ماذا عن الانتماء إلى الكل الجامع: الإسلام مثلا؟ سيسهل على الأشعري أن يحكم على المعتزلي بأنه ليس أشعريا، ولكن سيصعب عليه أن يحكم عليه بأنه ليس مسلما، رغم مخالفته لأحد ثوابت الدين عند الأشاعرة. فإما أن الشخص يميز بين ثوابت الفرقة وثوابت الدين، وهذا غير منطقي، وإما أنه يتخلى عن منهجه عندما يتعلق الأمر بالتكفير، وهذا إقرار بضعف العقيدة. أما الذي يلتزم بالمنهج والعقيدة، فهو الذي يحكم بالكفر على كل من خالفه في الثوابت، والدين عند هذا ينحصر في فرقة صغيرة، وما سواها حطب جهنم.

بناء على ما سبق، فإن الثوابت في الدين تنتفي إلا فيما فيه اتفاق تام، أو بلغة الأصوليين، إجماع (حفظا للوقت والمساحة، سأغض النظر هنا عن الرأي 

الذي يميز بين الاتفاق والإجماع)، ولعل هذا يتفق مع المفهوم العام أن الثوابت في الدين هي محل اتفاق، ولكن هل هذا صحيح؟ لعل من المفارقات الأبرز في الفكر الإسلامي أنه لا يوجد إجماع في قضايا الإجماع! وعليه، فإنه لا يمكن القطع بأن هناك قضية محل إجماع كون مفهوم الإجماع نفسه، وبالتالي انعقاده على أية قضية، محل خلاف. فعلى أي أساس ثُبِّتت ثوابت الدين؟ القول بنسبية الثوابت يضعف مكانتها العقائدية والقول بإطلاقها يعيدنا إلى مشكلة التكفير المتبادل بين الفِرَق. صحيح أن بعض المقولات الدينية عليها اتفاق كبير، حيث تنحصر المخالفة في جماعة صغيرة أو أفراد قليلين، هنا سيسهل على الجماعة الغالبة تكفير الشاذ، ولكن هذا يعزز من حقيقة أن الأساس الذي تنبني عليه صحة المقولة أو ثبوتها لا يعدو أن يكون الكثرة العددية ما يصرف عنها البعد الديني، ويحيلها إلى شأن اجتماعي.

لا يوجد في الإسلام ثابت لم يختلف المسلمون حوله بدرجة ما. ومسلم هنا صفة نطلقها على من وصف بها نفسه تجنبا لإشكال المرجعية. حتى المقولات العامة الجامعة كالقول بأن المسلمين ربهم الله ونبيهم محمد وكتابهم القرآن، ستبقى بلا معنى ما لم تتحدد مكونات كل مقولة: ما المقصود بـ (الله) أو مفهوم الألوهية؟ ما هو مفهوم النبوة؟ وما هو مفهوم الوحي؟ هذه المفاهيم هي التي تحدد ماهيات المقولات الجامعة في الدين، وهي مفاهيم فيها كثير من الاختلاف. فإذا كان المسلمون مختلفين حول ذات الله وصفاته وأسمائه وأفعاله ومكانه وغير ذلك، ويختلفون أكثر فيما يتعلق بالنبوة وكذلك في القرآن، فما معنى الكلام، حينئذ، عن ثوابت الدين أو مسلماته أو المعلوم منه بالضرورة؟ لا سبيل إلى إيجاد ثوابت مطلقة لأي فكر بشري، ولن تخرج المقولات الدينية عن نطاق الفكر البشري حتى لو طابقت حقيقة غيبية، فهذه المطابقة تظل أمرا ظنيا لنا كبشر. والثوابت المنسوبة للأكثرية تظل مقيدة بكثرتها، والكثرة غير ثابتة. ذات الأمر ينطبق على الثوابت المقيدة بقيود أخرى كنصرة السلطان أو غيرها من الظروف المتغيرة، فثباتها المقيَّد بمتغير يعني أنها في إطار أوسع تكون متغيرة أيضا.

ب. ضعف الحجج الساندة للثوابت

مفهوم الثبوت يقوم على فكرة جوهرية هي أن القضية ذات الشأن – أي الأمر الثابت – هي تعبير حقيقي عن الدين؛ بمعنى أنها تُعتبَر الدين “الصحيح” في الأمر المعني، لذلك لا يجوز الاختلاف عليها ولا تغييرها. هذا الثبوت يقوم على ركيزة أساسية هي اليقين المعرفي. والمقصود هو أننا إذا علمنا يقينا صحة قضية ما صارت القضية ثابتة. هذا اليقين وضع له الأصوليون وسائل متعددة منها الحس والتجريب والمنطق وغيرها، مما لا يسعنا تفصيله هنا، ولكن أهم وأشهر هذه الوسائل هما التواتر الذي تقوم عليه صحة النص القرآني والإجماع الذي تقوم عليه، عمليا، كل ثوابت الدين. وربما يعجب المسلم غير المختص إذا علم قلة الحجج المقدمة في موضوع التواتر إذا ما قورنت مثلا بموضوع الأسانيد الصحيحة والجرح والتعديل التي استخدمت في علم الحديث. بل إن الكلام عن التواتر في كتب الأصوليين نجده في فصول الأخبار، والتي تعنى بالحديث. لا وجود لموضوع صحة النص القرآني في علم الأصول. ولا هو كذلك في علم الكلام الذي يبحث في ماهية الوحي لا صحة النص. وحتى لو قلنا إن النص القرآني يقوم على الحفظ الكتابي لا النقلي، وهذا يخالف الرأي الغالب، فالمكتوب عن كتابة القرآن وجمعه محدود جدا بالنسبة إلى مكانة القرآن في الدين. فعلام صارت صحة النص القرآني بلفظه ورسمه وقراءاته من الثوابت في الإسلام؟ ولعل شدة استنكار السؤال عند القارى هي ذاتها ما دفع العلماء لتجاوز هذا الأمر. لعلهم رأوْا أن اليقين الناشئ عن إيمان المسلمين بصحة النص القرآني أقوى من أي علم يمكن كسبه بالخوض في وضع الحجج لإثبات القضية، شأنهم في ذلك شأنهم في قضية الإيمان بالله نفسها، حيث الإيمان المحض أقوى من العلم القائم على البرهان. ولكن المشكلة أن الإيمان هو حالة وجدانية خاصة لا تقوم عليها ديانة جماعية. الذي فعله علماء المسلمين هو أنهم، سواء بقصد أو دونه، نسبوا يقين الإيمان زورا إلى البرهان، وبهذا انتقل اليقين من الذات إلى الجماعة متجلّيا في هيئة قضايا ثابتة ومسلّمات. ومع دوام الالتزام الجماعي بهذه الثوابت يتعزز ثبوتها للأجيال اللاحقة في متوالية هندسية. عليه، وللمفارقة، فإن الثوابت تكون أشد رسوخًا كلما ابتعدت عن مصادرها الأولى: المسلمون الْيَوْمَ أشد ثقة في صحة مصحف عثمان من عثمان نفسه!

أما التواتر، والذي ليس بدعة إسلامية، فهو من مباحث فلسفة المعرفة، والتي تنظر إلى النقل أو الشهادة، باعتبارها أحد مصادر المعرفة الإنسانية. وصحيح أن التواتر بمعنى الشهادة متعددة المصادر المستقلة يعتبر من أقوى الشهادات، والتي تمنح علما موثوقا بصحة الخبر، لكن الوصول عبرها إلى اليقين عسير. وليس العسر حصرا على التواتر فقط، بل إن إمكان حصول اليقين عند الإنسان هو محل خلاف بين الفلاسفة من حيث المبدأ، والأصوليون من المسلمين يعلمون ذلك ولكنهم لما في ذلك من إشكال داروا حوله بحثا عن مخارج. ولو افترضنا جدلا يقينية الخبر المتواتر، فإثبات التواتر لأي خبر هو عمل أشد عسرا. وذات الإشكالات نجدها بزيادة في مفهوم الإجماع، والجدال في هذا مبسوط في مواضعه.

ما هي الغاية هنا؟ ليست الغاية الطعن في الدين في بعده الغيبي، فهذا طعن يضر ولا ينفع. ولكن ينبغي أن لا تختلط علينا الأمور، فنمنح قداسة غير مستحَقة لما هو عمل بشري في الدين مهما سُمّي بأسماء القداسة أو أُلبِس لَبوسها. ولكي يسهل علينا التمييز، فمتى اجتمع شخصان أو أكثر على أمر ما فهو اجتماع إنساني لا يحُوز قداسة دينية، وإن كان اجتماعا في أمر الدين. فالإيمان، الذي هو عماد القداسة، لا يتعدى الذات. والاتفاق على قضية إيمانية لا يعني جماعية الإيمان. لذلك، فكل مقولة دينية تهدف إلى الزام المؤمنين بأمر ما ليست مقدسة، وبالتالي ليس لها ثبات مطلق، وتظل عرضة للبحث والنقد مهما كثر اتفاق المؤمنين عليها أو طال زمانه. هل يخسر الدين شيئا بتعريضه للتغيير؟

السؤال الأجدى هو: ماذا كسب  بمنعه؟!

لعلي علي.

مؤسسة مؤمنون بلاحدود- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate