اصلاح ديني

 قضيّة الإصلاح الديني ومعضلة الثوابت(١).

تمهيد:

في رواية “الإخوة كارمازوف” للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي كان أحد أبطال القصة، إيفان كارمازوف يعاني من الهذيان. جلس إيفان في إحدى نوباته يحاور الشيطان وقد تهيّأه إيفان في شكل رجل روسي متوسط العمر كثير الكلام. أخذ هذا الحوار فصلا كاملا من الرواية بث فيه دوستويفسكي الكثير من الأفكار حول الدين وفلسفة الوجود، كان لها أثر على عدد من الفلاسفة أشهرهم نتشه. من ضمن ما قال شيطان إيفان كان التنبؤ بأن البشرية بكاملها ستنكر وجود الله في المستقبل، حيث يتحول الإنسان إلى إله نفسه، وهي الأفكار التي صاغها نتشه فيما بعد في فكرة (موت الإله) و(الإنسان الخارق).

كثير من دعاة الإلحاد الآن “يبشرون” بذات نبوة الشيطان: الوعي الإنساني في ازدياد مستمر يلازمه انحسار في التدين، النتيجة الطبيعية هي سيادة الإلحاد وتحول الدين إلى تاريخ. والإله الإبراهيمي سيلقى ذات مصير آلهة الإغريق القدامى؛ أي إنه سيتحول إلى أسطورة. هذه الأفكار لم تكن قناعات عند دوستويفسكي الذي كان مسيحيا مخلصا، ولعله لهذا السبب وضعها على لسان الشيطان، وجعل إيفان يصرخ فيه بأنه غبي لا يُخرج منه إلا أفكاره الغبية التي تخلّى إيفان عنها منذ زمن، بل إن دوستويفسكي برّأ الشيطان نفسه من الإلحاد، حيث أقسم لإيفان أنه لا علم له إن كان هناك إله أم لا! وأنه إنما يتشيطن أداءً لواجبه فقط! (حتى الشيطان لم يخل من ظُرف!)

على كل حال، فإن المراقب الأمين لا يملك إلا الإقرار أن الحجج التي يسوقها الملحدون لها في الواقع أساس، وأن الإجابة الموضوعية عليها لا يمكن أن تكون من داخل إطار

المسلَّمات الدينية كونها موضع خلاف. فإذا استبعدنا الإيمان من تأسيس أية حجة دينية لكونه إحساسا ذاتيا وليس أمرا موضوعيا، ثم وضعنا المقولات الدينية على طاولة التشريح والنقد بأدوات المعرفة الإنسانية كمناهج البحث العلمي والتحليل والمنطق وحتى الحس السليم أحيانا، فإننا نجد أن الكثير من المقولات، بل والمسلّمات الدينية تقف بحجج واهية أو بلا حجج إطلاقا؛ بمعنى أنها كانت تعتمد على الإيمان فقط، والذي كثيرا ما يأخذ شكل اتباع العادة في المجتمع، والتي اكتسبت اسما شرعيا هو الإجماع. ولأن هذا النهج هو في حقيقة الأمر عماد الدين كله كما ذكر إمام الحرمين الجويني، منحه الأصوليون صفة العصمة والقداسة. هنا تكمن ثقة البعض في حتمية الإلحاد. فالمعرفة الإنسانية تقدمت بشكل مذهل في المعلومات كما في المناهج والأدوات. والمسلّمات الدينية التي تحصّنت في السابق بسذاجة العوام أو جهلهم بجدالات الفلاسفة لعسر التواصل، باتت الآن، وبعد ارتفاع معدل الوعي العام وسهولة نشر المعرفة، تحت امتحان عسير لم تشهده من قبل. وزاد الأمر عسرا كون التبشير الإلحادي صار عملا مجزيا يجلب المال والصيت، فاتجه إليه الحذّاق من العلماء والمثقفين الذين انكبوا على مقولات الدين، فدرسوها وعرفوا مواطن الضعف فيها ثم أخرجوها بعد أن فندوها، وبسّطوا مادتها وأحسنوا تأليفها للدرجة التي تجعل الإنسان الذي لا يهتم بأمور الفلسفة والدين يجد فيها مادة شيقة كما يجد في الرياضة أو السينما. هناك زلزال بات يضرب قواعد الدين السائدة الآن، والمؤسف أنه على هذا النحو سيهدم كل البناء دون تمييز لصالح من فاسد. وكل إصلاح يجريه أهل الدين عَلى سطوحه سيكون بلا جدوى كونه أخطأ موضع الخلل. والمعضلة هي أنهم كلما ازدادوا تمسكا بما جعلوه ثوابتا للدين كلما تخلخل الدين وشارف الانهيار. فلا سبيل إذن سوى فتح كل المغلقات فيما يخص أي عمل فكري أمام النقد والتمحيص، وهذا سيشمل الكثير مما وُضِع في مجال الثوابت لا تطاله يد التغيير.

هنالك أمران ينبغي بيانهما قبل الغوص في دقائق موضوع ثوابت الدين. الأمر الأول، وحيث إن هذا المقال معني ببحث إشكالات المسلّمات الدينية وكيفية التعامل معها في إطار الإصلاح الديني، سيبدو أن فساد فكرة الإلحاد أصبح فرضية مثبَتة، فعلى أي أساس قبِلناها؟ بتعبير آخر، لو صحّت فكرة الإلحاد، فقدنا المبرر لعلاج إشكالات فكرة الدين، فكيف استبعدنا هذا المسار؟ والجواب عن هذا هو أن المقال، وإضافة إلى أنه ليس فيه سعة لعلاج إشكال الدين والإلحاد، فهو يبحث الإشكالات المحيطة بالمسلمات الدينية، ليبين أن التسليم بهذه المقولات مشكل ابتداء. علاج هذه الإشكالات لا يعني بالضرورة صحة فكرة الدين، لأن البعد الغيبي يظل حاضرا في ذلك ومعزولا عن إشكالات المنطق والتاريخ في كثير من الأحيان، بينما وجود هذه الإشكالات يمنع القول بصحة الفكرة الدينية التي تتبناها. هذا يجعل علاج إشكالات الفكرة الدينية شرطا ضروريا لصحتها، ولكنه ليس كافيا.

الأمر الثاني هو أن قضية الإصلاح الديني التي نحن بصددها هنا، هدفها إصلاح أثر الدين في المجتمع، وليس إثبات صحة المقولات الدينية أو خطأ فكرة الإلحاد. السؤال المنطقي الذي سيواجه كل متدين يُؤْمِن بإله مطلق القدرة هو: لماذا يخاف من ضياع الدين بانتشار الإلحاد أو أديان أخرى يراها فاسدة؟ إن كان الإله نفسه لا يهتم فلم يهتم الناس؟ وإن كان يهمه أمر الدين، فمن سيغلبه عليه؟ الإشارة هنا ليست إلى الدعوة التي يرجو منها العبد ثوابا؛ أي العمل على نشر الدين رغبة في الثواب، باعتباره عملا صالحا، بل الإشارة إلى فَزعة المؤمنين إلى نجدة الدين وتلك الخشية الحقيقية عليه من الضياع، وهم يؤمنون أن الله غني عن العالمين. ما هي القيمة التي تدفع إلى الحشد والتكاثر الديني؟ ولماذا تجزع المجتمعات من تبدل الدين عند أفرادها، حتى باتوا يعاقبونهم بالموت، يفضلونه ميتا على كافر؟! هذه الفكرة لا يمكن تفسيرها تفسيرا معقولا داخل الإطار الديني، حيث الاعتقاد في إلهٍ مستغن عن العباد وقادر على كل شيء. التفسير المعقول يظهر في الإطار الثقافي الاجتماعي، حيث العصبية القبائلية تقسم العالم إلى “نحن” و”هم”. ترك الدين هو بمثابة التمرد على أعراف القبيلة، واعتناق دين آخر هو خيانة لتلك الأعراف تُلحِق بصاحبها العار والعزل الاجتماعي.

لعلي علي.

مؤسسة مؤمنون بلاحدود- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate