حداثة و ديمقراطية

تعظيم القيم المشتركة للبشرية وتعزيز دمقرطة الحوكمة العالمية

في السنوات الأخيرة، شهدت دول غربية عديدة، كانت مشهورة في السابق بأنها “مثال للديمقراطية”، تراجعا مؤسسيا واضحا. في “قمة الديمقراطية”، التي عقدت يومي التاسع والعاشر من ديسمبر 2021، أقر الرئيس الأمريكي جو بايدن بأن عددا كبيرا من الدول الديمقراطية، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، شهدت تراجعا ديمقراطيا خلال السنوات العشر الفائتة. من المؤكد أن طريق تطوير الديمقراطية، باعتبارها قيمة مشتركة وسعيا مشتركا للبشرية جمعاء، ليس سلسلا أو خاليا من العوائق. ليس ثمة قالب جاهز للديمقراطية يمكن محاكاته أو استنساخه، فلابد لكافة الدول أن تستكشف وتتقدم في هذا الطريق الذي يحتاج إلى حشد الحكمة المشتركة للحضارتين الشرقية والغربية. في الخامس عشر من شهر ديسمبر عام 2021، اختُتم المنتدى الدولي الذي حمل عنوان “الديمقراطية.. القيم المشتركة للبشرية جمعاء” في بكين. لقد جذبت مناقشة الديمقراطية في العالم انتباه وسائل الإعلام العالمية، غير أن خلفية ودوافع ما دار من نقاشات كانت متباينة جدا.

في “قمة الديمقراطية” التي دعا إليها الرئيس بايدن، كان معظم المدعوين شخصيات سياسية، والداعي للقمة له هدف سياسي واضح، وهو محاولة تقسيم العالم إلى معسكرين، هو في الحقيقة يخرّب الديمقراطية ويحدث الانقسامات. بينما قمتنا “الصينية” للديمقراطية، قد دعت ممثلين من أكثر من مائة وعشرين دولة ومنطقة وأكثر من عشرين منظمة دولية، وهم شخصيات حكيمة بعيدة النظر في المجالات السياسية والتجارية والأكاديمية والإعلامية وغيرها. كانت الثمار إيجابية، فقد تحققت الاستفادة من الحكمة الجماعية لأكثر من خمسمائة ضيف، لتطوير الديمقراطية. التوافق الذي أجمع عليه الحاضرون هو أن الديمقراطية متنوعة ومتغيرة، وليس لها نمط أحادي قابل للتطبيق في كل مكان وزمان.

خلال المائة السنة الماضية، حققت مسيرة الديمقراطية الصينية تقدما جبارا، ويعزى ذلك أساسا إلى الجمع الوثيق بين الممارسات الديمقراطية الصينية والحضارة الصينية وظروف الصين، والاستكشاف والتقدم باستمرار. قبل أكثر من ألفي سنة، أكد كونفوشيوس ومنشيوس وغيرهما من حكماء الصين القدماء، على “أن الشعب هو أساس الدولة، ولا يمكن للبلد أن ينعم بالسلام إلا إذا كان أساسه مستقرا.” وغير ذلك من الأفكار التي تختلف كثيرا عن تقاليد الحكم الذاتي في اليونان القديمة. ويمكن القول إنه لو لم تكن هناك خمسة آلاف سنة من الحضارة الصينية، لما كانت هناك خصائص صينية؛ ومن دون الخصائص الصينية، فلما كان هناك طريق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية الناجح. بعد دخول القرن العشرين، كانت السمة البارزة للديمقراطية الشعبية محفورة في الحزب الشيوعي الصيني منذ بداية تأسيسه، حيث أدخل القادة الأوائل “الديمقراطية” و”العلم” إلى الصين. في عشية تأسس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، نص ((المنهج المشترك)) للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني بوضوح على أن جمهورية الصين الشعبية هي دولة ديمقراطية شعبية. الديمقراطية الشعبية هي نظام للديمقراطية بعملياتها الكاملة، بما في ذلك الانتخابات الديمقراطية وصنع القرارات بالطرق الديمقراطية والإدارة الديمقراطية والمراقبة الديمقراطية وغيرها. منذ انعقاد المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني، أُدرجت “الديمقراطية” في دستور الدولة ودستور الحزب باعتبارها موضوعا هاما لمفهوم القيم الجوهرية الاشتراكية. ويعمق الحزب الشيوعي الصيني معرفته بقانون تطور الديمقراطية باستمرار، ويلتزم دائمًا بمفهوم الحكم المتمحور حول الشعب، وطرح بشكل خلاق مفهومًا رئيسيًا للديمقراطية الشعبية في جميع مراحل العملية مع الخصائص الصينية والقيم العالمية، مما حقق منجزات ملحوظة في العالم في مجال تحديث منظومة الحوكمة وقدرة الحوكمة للدولة.

وقد قال المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي: “إذا قدم الصينيون هدية إلى العالم تحقق امتزاج الحضارتين الصينية والغربية وتدفع تقدم التاريخ، فينبغي ألا نشعر بمفاجأة.” اليوم، أعتقد أن الديمقراطية الشعبية بعملياتها الكاملة هي الهدية المهمة التي تقدمها الصين إلى العالم. الصين ساع مخلص ومدافع نشيط ومنفذ نموذجي للديمقراطية، وهي لا تطور الديمقراطية الشعبية بنشاط في داخلها فحسب، وإنما أيضا تجتهد في دفع دمقرطة العلاقات الدولية بقوة. أود أن أتحدث عن بعض أفكاري عن إقامة منظومة حوكمة عالمية ديمقراطية، لمشاطرتها معكم.

أولا، يجب أن تكون منظومة الحوكمة العالمية الديمقراطية منفتحة ومتسامحة. الديمقراطية ليست براءة اختراع خاصة لعدد قليل من الدول، وإنما هي سعي مشترك لشعوب العالم. في عالم اليوم، لا يقتصر الاعتماد المتبادل الناتج عن العولمة على المجال الاقتصادي، بل يشتمل على التعايش بين مختلف المفاهيم السياسية والأنظمة السياسية. لقد أوضح ((تقرير الاستطلاع العالمي للممارسات الديمقراطية وفعالية الحوكمة للصين)) الصادر مؤخرا عن أكاديمية دراسات الصين المعاصرة والعالم، أن 7ر96% ممن شملهم الاستطلاع من ثلاث وعشرين دولة بما فيها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يوافقون على القيم المشتركة للبشرية جمعاء والمتمثلة في “السلام والتنمية والعدالة والإنصاف والديمقراطية والحرية”، مما يبين أن هذا المفهوم يحظى بتوافق واسع في العالم. في عام 2021، أعلنت الصين الانتصار الشامل في معركتها الحاسمة ضد الفقر، وقدمت مساهمات تاريخية للقضاء على الفقر في العالم. ومن خلال ذلك، استوعبت الصين واستفادت من التجارب المفيدة للمجتمع الدولي، بينما بادرت إلى مشاركة الدول الأخرى في تجارب وتقنيات تخفيف حدة الفقر. على سبيل المثال، يتم تطبيق وتطوير تقنية “جيويجيون”، وهي تقنية لزراعة الفطر الصالح للأكل، في أكثر من مائة بلد في العالم حتى الآن، وبفضلها تم خلق مئات الآلاف من فرص العمل. وكما نرى، فإن قلة من الدول تنتهج الأحادية والهيمنة بكل ما في وسعها، وتحاول تصدير “ديمقراطيتها” بالقوة. أوضح أحد الاستطلاعات في أوروبا أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست فقط مدرجة في قائمة الدول التي تشهد “تراجع ديمقراطي”، وإنما أيضا سرعة “التدهور الديمقراطي” للدول الحليفة لها تعادل ضعفي السرعة للدول غير الحليفة لها. يثبت ذلك أن الديمقراطية تتراجع في وضع الإغلاق، ولا يمكن تطوير الديمقراطية إلا من خلال الانفتاح والتبادل.

ثانيا، يجب أن تكون منظومة الحوكمة العالمية الديمقراطية مفيدة للتنمية المشتركة للعالم. في التحليل الأخير، يتوقف نجاح منظومة الحوكمة العالمية على مدى إفادتها للرفاه المشترك للبشرية ولتقدم الحضارة للبشرية. في الوقت الحالي، ما زالت حقيقة التنمية غير المتوازنة وغير الكافية في العالم قائمة، وما زالت الهوة بين الجنوب والشمال وعدم العدالة في المجتمع والجوع والفقر وتغير المناخ وغيرها من المشكلات تتطلب حلولا سريعة. وأوضحت دراسة لمؤسسات أمريكية عديدة أن الولايات المتحدة الأمريكية خسرت أكثر من مائتي ألف وظيفة داخلها بسبب شن الحروب التجارية؛ وفي عام 2020، توسع العجز التجاري العالمي للولايات المتحدة الأمريكية من 9ر79 مليار دولار أمريكي إلى 6ر91 مليار دولار أمريكي، بينما أحدثت تأثيرات سلبية شديدة على التنمية المنتظمة للاقتصاد العالمي. تتمسك الصين بالروح الديمقراطية المتمثلة في التشاور المشترك والبناء المشترك والمنفعة المشتركة، وقد أصبحت مبادرة “الحزام والطريق” التي طرحتها منتجا عاما عالميا يشهد إقبالا واسعا ومنصة تعاون هائلة. حتى نوفمبر عام 2021، وقّعت الصين أكثر من مائتي اتفاقية تعاون بشأن البناء المشترك لـ”الحزام والطريق” مع مائة وأربعين دولة واثنتين وثلاثين منظمة دولية، وأقامت أكثر من تسعين آلية للتعاون الثنائي، هذه الاتفاقيات التعاونية والآليات التعاونية ستزيد تجارة الدول المشاركة بنسبة تتراوح بين 8ر2% و7ر9%، وتساعد 6ر7 ملايين فرد على التخلص من الفقر المدقع ويساعد 32 مليون فرد على التخلص من الفقر المتوسط.

ثالثا، يجب أن يسود الأمن الشامل منظومة الحوكمة العالمية الديمقراطية. السلام والأمن تطلع مشترك لشعوب العالم. قد مضت أكثر من سبعين سنة على انتهاء الحرب العالمية الثانية، وما زال العالم يتعرض للفوضى والنزاعات. أصبحت “المنارات الديمقراطية” القليلة التي تتباهي بأنها “العالم الحر”، من أكثر مصادر تخريب سلام العالم. أوضحت البيانات أن الحروب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية والعمليات العسكرية التي قامت بها منذ حادثة “11 سبتمبر” غطت “40% من الدول على الكرة الأرضية”، وأن حربي العراق وأفغانستان وغيرهما من الحروب التي شنتها باسم “مكافحة الإرهاب” قد حرمت أكثر من ثمانمائة ألف فرد من الحياة وأدّت إلى تشرّد أكثر من 38 مليون فرد. زعمت بعض الدول في “القمة الديمقراطية” الأمريكية أنها ستمنع إساءة استخدام تقنيات المراقبة والتحكم، غير أن حادثة “بريزم غيت” (Prism Gate) أصبحت أكبر فضيحة للتنصت. يعي الصينيون جيدا أن السلام ثمين، ولا يدخرون جهدهم في المساهمة في سلام العالم منذ وقت طويل. وتشارك الصين بنشاط في إقامة آليات الأمن دوليا وإقليميا، وهي الأكثر مساهمة في قوات حفظ السلام من بين الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث تجاوز العدد التراكمي لمن أرسلتهم الصين للمشاركة في عمليات حفظ السلام خمسين ألف فرد، وشاركوا تباعا في 25 عملية لحفظ السلام للأمم المتحدة، وأطلق المجتمع الدولي عليهم “العامل الحاسم والقوة المهمة” للمحافظة على الأمن الإقليمي.

رابعا، يجب أن تكون منظومة الحوكمة العالمية الديمقراطية منصفة وعادلة. الحوكمة العالمية الديمقراطية هي القيام بالشؤون الدولية من خلال تشاور مختلف الدول وتطبيق التعددية الحقيقية. إن قلة من الدول تزعم أنها المحافظة على “النظام الدولي القائم على القانون”، ولكن ذلك القانون هو القانون الذي وضعته تلك الدول، وتحاول دون جدوى فرض إرادة قلة من الدول على الأغلبية، وإثارة المناهضة والمجابهة، وذلك لن يحظى بتأييد شعبي. الولايات المتحدة الأمريكية إذا توافقت معها الدول الحليفة لها فإنها تستغلّها؛ وإذا عارضتها تتخلى عنها، هذا النوع من “التعددية الزائفة” بكل ما في الكلمة من معنى، يتعارض مع روح العصر، وتتعارض مع التوافق الدولي. لدينا القول الصيني القديم “العدل يحظى بتأييد واسع والظلم لا يلقى إلا الدعم الضئيل”. رأى كثير من أصحاب الحكمة والبصيرة في المجتمع الدولي أن هدف تلك “القمة الديمقراطية” الأمريكية، هو تنظيم زمرة موالية لتلك الدول القليلة، وتقسيم العالم إلى معسكرين وإقامة “دائرة صغيرة”، وتخريب مسيرة دمقرطة الحوكمة العالمية تحت ستار الديمقراطية. تتمسك الصين بالقيم المشتركة للبشرية جمعاء، وتحافظ بثبات على المنظومة الدولية التي تمثل الأمم المتحدة نواتها والنظام الدولي الذي يمثل القانون الدولي أساسا له، وتعمل على دفع دمقرطة العلاقات الدولية. إن الصين انضمت تقريبا إلى كافة المنظمات الدولية العامة بين الحكومات، خلال خمسين عاما منذ استعادتها مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة، ووقّعت أكثر من ستمائة معاهدة دولية، وتؤدي واجباتها الدولية بإخلاص، وتنفذ التعددية فعليا.

في هذا العصر الذي يشهد تغيرات غير مسبوقة منذ مائة سنة، ازدادت عوامل عدم الاستقرار وعدم اليقين، ومازالت الديمقراطية والمساواة والعدالة والإنصافبعيدة كل البعد عن تحقيقها. إن لم تعمل دول العالم معا، فستواجه مسيرة دمقرطة الحوكمة العالمية مخاطر التراجع والانحدار، ومن الممكن أن تفسد الشعبوية والهيمنة القيم الحقيقية للديمقراطية. ينبغي لحكومات مختلف الدول وأصحاب البصيرة أن يبذلوا معا جهودهم لتعظيم الروح الديمقراطية، وإثراء وتطوير الحضارة السياسية للبشرية، ودفع بناء رابطة المصير المشترك للبشرية. إن المجموعة الصينية للإعلام الدولي، باعتبارها مؤسسة شاملة للنشر الدولي، تتخذ دائما تعزيز تبادل تجارب الحكم والإدارة كمسؤوليتها. ونحن على استعداد لمواصلة تعميق التبادل والتعاون مع كافة دول العالم، والمشاركة بنشاط في بناء شبكة مراكز الفكر العالمية للأبحاث الديمقراطية، وإطلاق المزيد من المنصات المؤسسية والمنتجات العلمية العامة، لنقدم مساهمات جديدة في إبراز بهاء الحضارة السياسية المتنوعة وتعظيم القيم المشتركة للبشرية جمعاء ودفع تقدم البشرية إلى مستقبل أفضل.

الصين ا اليوم- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate