اصلاح ديني

ثلاثية الفناء: الدعوى والدعوة والعدوان الأصول الاعتقادية للإقصاء الديني والاستمدادات الفقهية للاستقطاب الأيديولوجي

مدخل اصطلاحي

نقصد بالفناء هلاك الحضارة الإنسانية، وذهاب مصالح الناس بإزهاق الأرواح وإفساد المنافع المشتركة، لا الزوال الكلي للحياة على الأرض بمفهوميه الديني والعلمي.

وأما مصطلح الدعوى هنا، فيراد به إخراج الفكرة الدينية من إطارها الشعوري وحيزها الفردي إلى الفعل الجمعي فيما لا دور فيه للميتافيزيقيات إلا على سبيل الإيمان؛ وذلك مثل إكساب المعتقدات الدينية سلطة تفسير الظواهر الكونية، ومحاولة الحسم في التنافس الحضاري والقضايا المصيرية للبشرية.

وبمصطلح الدعوة، نريد تلك الحركة الدؤوبة المنتظمة في أنشطة دينية واجتماعية وسياسية وثقافية بقصد استقطاب الناس، من المسلمين وغير المسلمين، ليكونوا جزءا من المشروع الإسلامي، سواء بالإيمان والانضباط بجانب من الممارسات الشعائرية، أو بالمساهمة الفعلية في التمكين للمشروع في أحد جوانبه.

والعدوان في هذا السياق، هو عدم احترام الحقوق الشخصية والمجتمعية والفكرية بحجة إلزامية السلطة الدينية التي تحتكر الحقائق الكونية والمصداقية الحضارية في تعاليمها.

من الخلوة إلى الخليفة، تاريخ احتكار الحقيقة

أرجعت بعض الآراء أسباب الإرهاب إلى جماعات متطرفة منبثقة عن منظومة دينية، بينما نَمتْها جهات أخرى إلى الدين نفسه. وإن كان الأمر نسبيا من جهة واصطلاحيا من جهة أخرى، فإن الجميع متفق على أن فكرة الوحي كانت من أبرز المؤثرات في التشكلات الجيوسياسية والتقلبات الأمنية في تاريخ الإنسان.

لقد ألهمت تجربة الإنسان مع السماء حضارات متكاملة، كثير منها في الحقيقة في غاية الإبهار. تجلى ذلك في جمال بعض الفلسفات المتعالية وأبهة العمران ودقة التصميم الفني وسمو الخيال الأدبي؛ غير أن بعض تجليات التجربة الإنسانية مع الروحانية كان أُفقيا بشكل مفرط، وبدل أن تستمر رحلة الجسد والمادة مع الروح وما وراء المادة، نجد الإنسان في بعض التجارب الدينية عالقا في تفاصيل إدارة شؤون الحياة اليومية، ومن أبرز تلك التجارب، التجربة الإسلامية.

انتهت الحوارات والصراعات التي أعقبت ظاهرة النبوة المحمدية إلى نهضة عربية عمودية الاستلهام، أفقية الطموح؛ ذلك الطموح هو ما قاد القبيلة إلى الحضارات المجاورة، وفتق الفضول عند الأمة الجديدة. من هنا تظهر العبقرية السياسية للدين، في الجمع بين الإلهام الحضاري وهاجس الانتشار، المكوِن الرئيس في هيكل كثير من الرسالات الدينية.

الظاهرة الدينية … من المشاعر إلى الشعائر

يقول الفارابي: “أن معنى الفيلسوف والرئيس الأول والملك وواضع النواميس والإمام معنى كله واحد…”.

إن انحراف الخيال الإنساني أمر جائز، غير أن انزلاق تجربة الإنسان مع الوحي وتحولها من رغبة فردية إلى نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي مفروض [ولو نظريا]، ومن فضول تجريدي إلى قانون تفصيلي، ومن روحانية منطلقة إلى حركات منضبطة، عاد على مغامرة اكتشاف ما وراء الطبيعة بالنقض، وعلى قدرات العقل بالنقص، وأدى إلى تضخم قانوني (تشريعي)، وإغراق في استهلاك الأحكام وتعاطي المظاهر الدينية، أمام تراجع مخيف للقيمة الأخلاقية في بُعدها الإنساني البحت.

حتى نتمكن من دراسة أثر هذا التحول في صناعة التطرف والإرهاب، لابد أن تتفق أطراف كثيرة على تجريم الفكرة قبل أن تبلغ حيز التنفيذ. فمالم تُحاصر الفكرة وتجفف منابعها، فإنه من المستحيل التنبؤ بالضربة الإرهابية القادمة.

والفكرة محل البحث هنا ليست حق تصور الوجود من منظور وجداني، فرديا أو جماعيا، بشكل بدائي (نمط كلاسيكي) أو حداثي (عصراني)، بل هو الجزء من الفكرة الذي يدّعي، بحق عُلوية المصدر، وجود حقيقة غائبة عن عموم البشرية لها أثر مباشر في مسار حياتها، وهي الحقيقة التي أسست عليها الحركات الدينية استراتيجيات لا تكتفي بحق البقاء والبناء في الحياة، بل تتجاوز ذلك إلى الهيمنة وإقصاء المخالف.

النسْخ والتناسخ… ثنائية الفسق والزندقة

حصل بين المسلمين اختلاف طفيف في وقوع النسْخ بمفهومه الأصوليّ في القرآن، ورغم ردّ أبي مسلم الأصفهاني وجنوح الرازي في “مفاتيح الغيب” وجماعة من المعاصرين إلى إنكار وقوعَ هذا الأمر المشكل في النص المقدس، فإن المشكل الحقيقي الذي أمامنا هو نسخُ الشرائع جملة لا نسخُ جزئياتها، لما في ذلك من إلغاء لمصداقية أديان منافسة وتقاليد أخرى عتيقة، ولو بشكل جزئي، كنسبة تحريف النص وانحراف الممارسة، وقد كانت هذه الاتهامات شرارة لعدد ليس بالقليل من الحروب الدينية.

إن النسخ الكلّي مثلُ الجزئي، عبارة عن انتقال الحكم الإلهي في الزمان والمكان انتقالا يقتضي تنوعا وانسجاما مع حالة المجتمع البشري. وإنه من هذا الوجه، أي باعتبار الانتقال والتغير، شبيه بأصل البداء عند بعض الطوائف الشيعية، وإن حاول ابن حزم تفنيد ذلك بتكلف3، وهو كذلك شبيه بأصل تناسخ الأرواح في الأديان الشرقية الكبيرة، فالجميع انتقالُ حُكمٍ لحكمة (الروح وحي، والوحي روح، وكلامها من أمر الله).

وفق الخطاب الإسلامي السائد قديما وحديثا، فإن منكر نسخ الأحكام فاسقٌ، والمؤمن بتناسخ الأرواح زنديق، ومنكر نسخ الإسلام لبقية الأديان كافر. وهذه الأحكام الدينية المثقلة بالإقصاء، لا يمكن أن تكون قد وضعت لأجل معرفة حكم الله في شأن تلك الأفكار والتصرفات، انطلاقا من نصوص إلهية قطعية، وإنما لتعزيز رؤية اجتماعية وسياسية خطيرة، تضع حياة أفراد وجماعات بين مطرقة الاستعلاء الديني للمجتمع المحافظ، وسندان السلطة السياسية التي من دورها – وفق الخطاب الديني نفسه – المحافظة على إيمان الجماعة، وقد يكون ذلك بوضع سيف الشريعة على عنق المفكر بحجة الزندقة (Blasphemy Laws). وهذا عدوان صارخ على حرية المعتقد وحرية التعبير، مادام الخطاب الإسلامي نفسه يمارس تلك الحقوق تجاه الأفكار والمجتمعات الأخرى.

الحرب المقدسة تراجيديا الغربة ونهاية العالم

لقد حاول البروفيسور الكبير سيد حسين نصر في محاضرة حول الفلسفة الخالدة (Perennial Philosophy) بجامعة جورج واشنطن4 أن يبرئ القرآن من الخلط الواقع بين خاتمية الشريعة ونسخها للشرائع السابقة، مستندا إلى حجتيْ النص والتاريخ. فالقرآن – حسب الدكتور نصر – أقربُ نص سماوي إلى الفلسفة الخالدة، التي تعتبر حاجزا فلسفيا متينا أمام الإقصاء الديني، الأمر الذي يؤكده خلو النص القرآني من أي تعبير صريح يفيد نهاية صلاحية الديانات الأخرى، بعد تفسير الإسلام بالاستسلام المطلق عوض التشريع المحمدي. إضافة إلى هذا، فقد اعتبر الدكتور نصر أن إبقاء رسول الإسلام على اليهود والمسيحيين، وتسامحه المتمثل في العلاقات الاجتماعية والسياسية معهم دليلا على عدم إبطال معتقداتهم، مؤكدا أن الإقصاء الديني ظاهرة حداثية من مخلفات العصرنة.

لكن المشكل أمام هذا الطرح المُريح، هو تشريع دعوة أهل الأديان على سبيل الوجوب! فهل يقال إن الدعوة النبوية مختلفة عن الدعوة الإسلاموية؟ حيث كانت الأولى دعوة تعريف حضاري، والثانية دعوة استقطاب واعتناق؟ ماذا عن عقيدة الخلاص في هذه الحالة؟

إن الإقصاء الديني لا يقتصر على الاعتقاد الجازم بانحراف الآخر عن الجادة، بل يتجاوز ذلك ليختلق شعورا بالمظلومية يعبر عنه بتأثيم الآخر والاجتهاد في مقاطعته. ففكرة بسيطة مثل فكرة “الغُربة” لا تزال تُغذي سيكولوجية جماعات إسلامية تؤمن بأن التحديات التي تواجه مشروعها التوسعي على مختلف الأصعدة تجعل من أفرادها غرباء عن بقية المجتمع والعالم. يتطور هذا الهاجس بنمو الشعور بالتميّز والتفوّق (الهداية)، لكن النزعة الانفصالية قد تتغذى أيضا ببعض التمييز أو الاضطهاد المعمّم خطأ، حتى تعتبر نشاطها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي جهادا في سبيل الله. فهذه مفردة واحدة، تنبني عليها مؤسسات وتدور في فلكها جماعات، بل ومِن مِنظارها الضيق يَستشرِف مشروعٌ أيديولوجي كاملٌ نهايةَ العالم. فـ “لا يلعبنّ بك اختلاف العبارات فإنه ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾… وأُحضِر البشر في عرصة الله تعالى يوم القيامة، لعلّ مِن كل ألفٍ تسعمائة وتسعا وتسعين يُبعثون من أجداثهم وهُم قتلى العبارات، ذبائح بسيوف الإشارات…”.

حاكمية الدعوة على الفقه في مقاربة الإسلام السياسي

يختلف الباحثون في تحديد تاريخ نشأة علم الفقه، فبينما يؤرخ له البعض من مرحلة ظهور الفقهاء المتبوعين؛ أي من بداية القرن الثامن للميلاد، يعود به آخرون إلى عصر الصحابة، باعتبار آرائهم ومواقفهم اجتهادات فقهية. ولعل كلَ ذلك صواب، فالآراء الدينية المنقولة عن الجيل الأول من المسلمين، انطلقت منها أعمال الفقهاء في القرن الثامن، تزامنا مع الدَفعة المنطقية اليونانية التي أنعشت أصول الفقه. على أنه من المهم في هذه المرحلة الإشارة إلى دور النشاط الدعوي الذي صاحب الحركة التوسعية الإسلامية، فقد كان ذلك الحراك السياسي إطارا منهجيا للفقهاء والمحدثين والمفسرين، وبوصلة للخطاب الإسلامي.

عجينة الفقه الإسلامي في يد الإسلاميين

استطاع التشريع الإسلامي بين المخاض السياسي والصدمة العقلانية خلال قرن من الزمن أن ينتج موسوعات فقهية محترمة، باعتبار الظرف الزمني القصير والحالة الفكرية الناشئة. وكان من البدهي أن ينتهي الاجتهاد الفقهي إلى مناهج محدودة بسقف النقل، وأيضا، مختلفة بتفاوت إمكانيات العقل؛ غير أن ذلك الاختلاف الذي ضُبط بميزان الرحمة والتنوع والسعة، سرعان ما تحول بعد مرور قرن آخر من الزمن إلى خطر يهدد العقل الإسلامي بالجمود والمجتمع بالتصدع.

المهم هنا هو أن المشروع الإسلامي قد استفاد من أطوار الفقه تلك ببراغماتية لمّعت واجهته الدعوية. فباستقراء وتحليل الأعمال الفقهية المعاصرة من مجلات المجامع الفقهية وفتاوى الفضائيات والمواقع الحركية ذات الاهتمام الدعوي يمكن للباحث أن يلاحظ كيف تم تطويع المادة الفقهية لصالح الاستقطاب الديني؛ وذلك إجمالا بالتوسع في اعتبار الخلاف الفقهي، والاستنجاد بالمقاصد وعقلنة الأحكام ما أمكن، ويمكن إرجاع هذه الآليات إلى مقصد التيسير المراعى في الفقه الإسلامي غالبا. يمكننا أيضا ملاحظة ازدياد المحاولات الجريئة للتشنيع على آراء فقهية سائدة لا تُسعفها القيم الإنسانية ولا تستظرفها حالة التعددية.

من الواجب هنا التنبيه على أن تلك الوسائل المنهجية ليست اختراعا إسلامويا، فقد كانت تلك الآليات سليقة الفقيه الذكي وجزءا من طبيعة عمله، وإنما توظيف تلك الوسائل لإيهام التسامح الديني، وكسب تعاطف شعبوي يقوي الشرعية السياسية هو من الأجندة الإسلاموية.

الخِرْقة وإصلاح الخطاب الديني

لم يكن الفقه المطية الوحيدة لمشروع الإسلام السياسي، وبالرغم من توجس جماعاته من أسرار التصوف وعدوانهم القديم – الحديث على المتصوفة المتحررين، فإن التصالح مع بعض الطرق الصوفية بات ممكنا، إذ يخدم الأجندة، خاصة وأن ذلك التقارب يتقاطع مع إرادة سياسية في كثير من الدول العربية نحو إحياء التصوف.

إن التصوف اليوم في أحسن ظروفه لينفض خرقته ويُلين قسوة الاعتقادات ويكبح جماح الغرور فيها، ويهذب سطوة الفقه ويعيد طموحاته إلى تواضع الإيمان ونسبية النظر في الغيبيات.

إن التجريم النظري للإرهاب لن يساعد الإنسان بشكل فعال في صراعه لأجل البقاء، ولن يحمي النماذج الباقية من حضارته، إذا لم يُتعامل بشكل حازم مع الأفكار التي تهدد الاستقرار والأمن. وإذا كان الطلاق بين “أثينا” و”المدينة” يفسر كثيرا من أسباب تراجع العالم الإسلامي كما يقول الشيخ حمزة يوسف هانسون، فإننا اليوم بحاجة إلى عقد مدني جديد وتحالف قيمي وأمني يعالج التدين السائد من ثلاثية الفناء: الدعوى، الدعوة والعدوان.

لمحمد بدر الدين طشوش.

مؤسسة مؤمنون بلا حدود- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate