حداثة و ديمقراطية

اللانظام في الحداثة العربيّة.

تمهيد

تبلورت في الفكر العربي المعاصر المنشغل بقضايا المجتمعات العربيّة بغية تفهّم علاّتها التاريخيّة رؤى مُتنوّعة تُرجمت في الخطاب المعاصر إصلاحا ونهضة وتجديدا وتنويراوتحديثا في تقاطع وتداخل مفهوما واصطلاحا وتجربة وقد استندت الكثير من هذه المقاربات إلى الحداثة ثقافة وحضارة وجعلت منها ضمنيّا أو صراحة مرجعيّتها الفكريّة والفلسفيّة أو أنموذجها المعتمد، بل إنّ البعض منها وُسم بالمشروع الحداثي والبعض الآخر بالتنويري، وتبنّت نظمٌ سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة هذه المقارباتِ. وقد سرت بعض أوجه الحداثة في انتظام الجسم الاجتماعي وطرق عيشه وهيكلة مؤسّساته لكن دون أن  المجتمعات العربيّة مشروعا حداثيّا متكاملا يحقّق نقلة نوعيّة تشمل وعي العربي ومختلف أوجه واقعه. يقول علي حرب “لم يتمكّن مجتمع عربي حتّى الآن من تحقيق إنجاز في وجه من وجوه الحياة يُعدّ مثالا ناجحا يمكن اقتباسه والعمل عليه” رغم المتواتر من صفات الحداثة والتنوير والتجديد سواء ي مستوى المطارحات الفكريّة النظريّة أو في مستوى النظم السياسيّة وأجهزة حكمها.
 إنّ غياب التطابق والتماهي بين ما وُسمت به الرؤى الفكريّة والمقاربات النظريّة من نهضة وحداثة وتنوير  وحقيقة مجسّداتها في الواقع وترهّل التجارب  الحضاريّة العربيّة –  بل ضمور دورها حتّى مقارنة بما كانت عليه ماضيا وإعادة طرح إشكاليّات القرن التاسع عشر في العشريّة الثانية من القرن الواحد والعشرين من نحو سفور المرأة وحجابها وتعدّد الزوجات وتطبيق الشريعة الإسلاميّة – مؤشّرات دالّة على عمق الإشكاليّتيْن الفكريّة والحضاريّة في المجتمعات العربيّة التي لم تبن بعد حداثتها أو هي تعيش وهم حداثة ممّا جعل المفكّر المغربي محمّد بنيس يسمها بالحداثة المعطوبة ، مؤشّرات تدفع الباحث إلى الإقرار أنّ في حداثة العرب إشكالات جوهريّة  هيكليّة سكنت ماهيّتها لا عوارضها.

 إنّ  غياب النظام في الحداثة العربيّة من مراكز التبئير في ما سكنها من علل بدءا من المصطلح والمفهوم وصولا إلى المبادئ  والمرتكزات الفكريّة والفلسفيّة مرورا بالمعرفة والوعي إضافة إلى  المجسّدات، أنظمة وأجهزة ومؤسّسات وأنماط سلوك وطرق تعايش في الجسم الاجتماعي،  أمر يتطلّب في سياق ندوة النظام والحريّة تتبّع بعض مستويات اللانظام في الحداثة العربيّة ممّا يقتضي البحث في تجربة الحداثة العربيّة مفهوما وأسسا بغية استجلاء عوائق مسارها من خلال رصد علامات اللانظام في مستَوَيَيْ التنظير والممارسة ودراسة أسباب تعثّرها ومحاولة الإيماء إلى سبل اكتسابها مقوّمات النظام وشرائطه ولَبنات تأسيسه .إنّ ما يشقّ المجتمعات العربيّة من سمات حداثيّة تجلّت للعيان في أوجه مختلفة من الحياة لا يقوى أحد على إنكارها ولكنّها تعيش عبر الفاعلين الاجتماعيّين في صراع مرير فكريّا وسياسيّا وقد يبلغ  أحيانا التقاتل  مع سمات أخرى  نقيضة منشدّة إلى “تجربة المدينة” وزمن الكمال/ النموذج المرغوب إعادته من التاريخ لدى البعض، فلا الحداثة سلمت من العلل والمعوّقات وحققت المأمول ولا الماضي يمكنه العودة، فظلّت المجتمعات العربيّة تعيش هجنة حضاريّة لا مثيل لها بين الشعوب وما تشهده العلاقة بين السمتين من توتّر وصراع في المستويات الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة لا سيّما في فترة الثورات العربيّة وما بعدها إلا دليلا على عمق أزمة الحداثة العربيّة . تطرح إشكاليّة نظام الحداثة بما هو مفاهيم ومرتكزات فكريّة ومبادئ وقيم إنسانيّة متعالقة السؤال عن كيفيّة تفاعل الجسم الاجتماعي العربي معها فكرا وممارسة لإدراك بعض أسباب إخفاقات الحداثة العربيّة المتتالية فيما نجحت حداثات أخرى مثل الحداثة الصينيّة والحداثة اليابانية في تجربتيْن حافظتا على طابعهما الشرقي مع الاحتكام  في الوقت  نفسه إلى المعطيات الكونيّة.

1)  اللانظام في الحداثة العربيّة اصطلاحا ومفهومافي الخطاب العربي المعاصر كذلك استرسال في المفاهيم والمصطلحات المعتمدة في بحث قضايا الفكر والمجتمع ودراستها من مثل الإصلاح والنهضة والتحديث والتنوير والتجديد والابتداع وهي مفردات تمثّل عناوين مشاريع فكريّة لم تكن متتالية بل تزامن الكثير منها في نفي الفترة وضمن التوجّه الفكري ذاته أحيانا، من ذلك في سياق اهتمام الباحثين والمفكّرين المعاصرين بالفكر الديني مثلا ما كتبه محمد إقبال(1877- 1938م) تجديد التفكير الديني في الإسلام وما كتبه أبو الأعلى المودودي (1903– 1979م) موجز تجديد الدين وإحيائهوما كتبه حسن حنفي تجديد الفكر الإسلامي، سكن هذه التجارب المتنوّعة هاجسُ الإصلاح الذي تبنّته النخبة الأولى وعملت على تحقيقه في ضوء مقولات القرآن والسنّة وعلى نهج السلف. يقول جمال الدين الأفغاني مفسّرا سبب تخلّف المسلمين “كلّ هذه الرزايا التي حطّت بأقطارنا ووضعت من أقدارنا ما كان قاذفنا ببلائها ورامينا بسهامها إلاّ افتراقنا وتدابرنا والتقاطع الذي نهانا الله ونبيّه عنه”، ويتضمّن الإصلاح معنى ما أمكن توطينه من منتجات الفكر الحديث ومنجزاته ولكن بعد استخراج أشباه له ونظائر في الموروث كما ذهبت Alain Roussillon آلان روسّيون في هذا السياق إلى أنّ في أدبيّات النهضة العربيّة أطروحتين: ترى “الأولى إصلاح المجتمع بالعلم من خلال تحريك أنماط التفكير بأعمال أجنبيّة المنشأ مستوردة لتعجيل حركة التاريخ وتحديثها ودفع المجتمعات الإسلاميّة إلى السير بالقوّة، أمّا الثانية (فترى) إصلاح المجتمع بالعامل الدينيّ من خلال الإمساك بأصله وأسس الهويّة بحثا فيهما عن عوامل انطلاقة جديدة”، فيكون للإصلاح  الدينيّ عندئذ التمسّك بمنهج الأوائل والسير على منوالهم وهو رأي أكّده علي أومليل مبيّنا أنّ الإصلاحيّة الإسلاميّة ترى  “على الفرد المسلم والجماعة الإسلاميّة تقليد السنّة باستمرار فبذلك تتحقّق هويّة المسلم، أي مطابقته للإسلام الأصل”، كأنّ المجتمع  وفق هذه الرؤية محرّف ما لم يعد إلى مماثلة تجربة المدينة وهو تمثّل لا يختلف كثيرا عن معنى التجديد. إنّ التجديد هو مدار الاهتمام  في صنف من هذه المؤلّفات الآملة في تطوير العرب وإخراجهم من العجز التاريخي لكن “أصاب مفهومَ التجديد شيءٌ من الخلط واللّبس فهناك من يقصر مهمّة التجديد في التحذير من البدع … وهناك من يحصر التجديد في الجانب السياسيّ أو الاقتصاديّ لا غير …وهناك من (يعتبر) التجديد هو التفسير العلميّ للقرآن … بل هناك من يوسّع مفهوم التجديد الديني حتّى يكاد أن يشتّت ويبدّد تحت شعار الحداثة وما يستتبعها من كلام غليظ”،  في حين كانت الحداثة محور كتابات أخرى منها الإسلام وضرورة التحديث لفضل الرحمان( 1919- 1988م) وتجديد الخطاب الإسلامي وتحدّيات الحداثة المشترك بينعبدالجليل أبو المجد وعبد العالي حارث والإسلام والحداثة لعبد المجيد الشرفي وروح الحداثة: مدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية لطه عبد الرحمان.وقد غدا مصطلح الحداثة في الخطاب العربي المعاصر  نصّا مفتوحا على مضامين التقدّم والمعاصرة والتجديد والتحديث والنهضة رغم أنّ لكلّ مضمون مرجعيّة فكريّة، تحوّل محور الاهتمام ومرتكزه من التجديد إلى التحديث والغاية واحدة لا تبتعد عن الصنف الأوّل فقد ارتكزت مشاريع التحديث على المقولات العقليّة، خاصّيّة أكّدتها آلان روسّيونAlain Roussillon   معتبرة أنّ النظرة الأولى التي يمكن وسمها بالتحديثيّة تقوم على اعتبار “موروث  فلاسفة الأنوار العقلاني موروثا إنسانيّا مشتركا… يصبح العقل والحقيقة والحسن في ظلّ هذا الأفق مفاهيم كونيّة ويكفي المسلمين ربطها بالمعنى الأصلي للرسالة النبويّة حتّى تفعّل كونيّتها” فالرجوع إلى الماضي والأصل مشترك بين كلّ المفاهيم تقريبا رغم أنّ الانشغال في ظاهر الدلالة على الأقل بالحداثة لا بالتجديد في الإشكاليّة ذاتها ،فهل صاحب التحوّل الاصطلاحي تحوّل في الرؤية الفكريّة؟ وهل في طرح الحداثة والتحديث تجاوز طرح التجديد؟ أمّا التنوير فقد كان موضوع اهتمام مفكّرين منهم جابر عصفور في كتابه هوامش على دفتر التنوير وهاشم صالح في كتابه مخاضات الحداثة التنويريّة القطيعة الإبستمولوجيّة في الفكر والحياة الداعي إلىضرورة التنوير  فأضحى التنوير بمرجعيّاته الفلسفيّة العائدة هي أيضا إلى فلاسفة الأنوار مدار الانشغال بدل التجديد والحداثة. تنوّع اصطلاحي ومفهومي للإشكاليّة ذاتها والهدف نفسه في نماذج ممثّلة لمرحلة تاريخيّة هامّة من تاريخ العرب وثقافتهم غير أنّه من الجدير التنبيه إلى أنّ لكلّ مصطلح مرجعيّة فكريّة منها ينطلق. جليّ من خلال هذه النماذج من المؤّلفات لنجوم في الفكر العربي المعاصر المتقاربة في التوجّه زمنيّا أو المتباعدة  أنّها تعاني غياب نسق اصطلاحي يجمع المشترك بينها مبادئ وأهداف فيفضي إلى نظام مفاهيمي يؤسّس رؤية فكريّة للحداثة العربيّة فالتردّد بين الإصلاح والنهضة والتجديد والتحديث والتنوير يكشف ارتباكا لا في المصطلح فقط إنّما في الفكر والمنهج والرؤية وهو ما قد يفسّر ترهّل مشاريع النهضة و التحديث في المجتمعات العربيّة التي حاولت منذ أواسط القرن الماضي الخروج من مرحلة العجز التاريخي ولم توفّق إلى الآن. يقول كمال عبد اللطيف مبيّنا أهميّة التوقّف المفاهيمي في المسار المعرفي “إنّ من الثابت اليوم أنّ تداخل عناصر المناهج وأدواتها المفهوميّة والاصطلاحيّة وقوانينها في مجالات المعرفة المختلفة مسألة إيجابيّة ومخصبة، فإنّ الاستمرار في إنجاز عمليّة النقل المفاهيمي تقتضي أن نتوقّف بين الحين والآخر لمساءلة طريقة وكيفيّة الاستعارة المفاهيميّة”، في دعوة إلى الخروج من مرحلة الاتّباع المفاهيمي إلى مرحلة الإبداع لأنّ “المجتمع ما لم يهتد إلى إبداع مفاهيمه أو إعادة إبداع مفاهيم غيره حتّى كأنّها من إبداعه ابتداء فلا مطمع في أن يخرج من هذا التيه الفكري الذي أصاب العقول” لأنّ المفهوم  عصارة الفكر ورؤية إلى الكون وإلى منزلة الإنسان فيه وليس اختلافا في الحروف والمفردات.يخفي اللّانظام الاصطلاحي والمفاهيمي تيها فكريّا ناتجا عن رؤية لم تقو على محاصرة خصائص الواقع حاضرا وماضيا حتّى تدرك علله وطبيعة حركته فتحسن تمثّله مستقبلا في مشاريع ورؤى فكريّة ترسم أسس تغيّره لأنّ الواقع تمرّد على مفاهيم الذهنيّة الموروثة والسائدة وتاق إلى نظام مفاهيميّ ينسل من رؤية فكريّة متينة الصلة برحمه تترجم نسق تحرّكه إذ هو متغيّر في سيرورته التاريخيّة التصاعديّة تغيّرا غير قابل للتوقّف أو التراجع لا سيّما في سياق العولمة في حين أنّ الوعي الجمعي لا زال خاضعا لوصاية موروثه مرتدّا إلى ماضيه به يعزّز هويّته في رؤية فكريّة إلى الزمن تعتبر بدايته إيجابيّة الإيجاب المحض مع تجربة الأوائل ونهايته السلب المطلق مع الخلف رغم أنّ الحداثة  باعتبارها حركة فكريّة حاولت تبديل المرجعيّات القديمة (الكنيسة، الإقطاع، الفلسفات، النظم السياسيّة ) بمرجعيّات جديدة تعزّز قيمة الحاضر ودور الفرد في المجتمع .إنّ المرحلة تقتضي البحث في لانظام الحداثة العربيّة من خلال المفهوم أوّلا وهو “مفهوم رئيس تفرّقت بصدده الأمّة إلى فرق كثيرة بعضها يؤيّده إلى حدّ تقديسه وبعضها ينكره إلى حدّ تدنيسه وبين هذين الطرفين عدد غير قليل منها تتفاوت درجات تأييده أو إنكاره” لأنّ مدار الاهتمام كيفيّة تفاعل الجسم الاجتماعي العربي فكرا وواقعا مع الحداثة ثقافة وتجربة علّنا نقف على بعض من أسباب ترهّل “حداثة” المجتمعات العربيّة التي وُصفت في أكثر من مقام ب”الحداثة الرثّة” و”الحداثة المبتورة” و”الحداثة المعطوبة”.غير خفيّ عن الباحث أنّ التعاريف التي وضعت لمفهوم الحداثة متعدّدة ومتنوّعة كلّ ينشغل بخاصيّة من خاصيّاتها لأنّ الحداثة إمكانات متعدّدة ومتنوّعة ليست كما رُسّخ في الأذهان إمكانا واحدا أو نمطا واحدا فالحداثة حداثات يحكمها نظام. إنّ الحداثة وإن كانت مفهوما يستوعب مرحلة من تاريخ أوروبّا متميّزة بسلسلة من المتغيّرات الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة فهي من أقلّ المعاني دقّة وأكثرها تشعّبا “فإحدى أكبر إشكاليّات الحداثة تتعلّق بتعريفها ومفهومها… إنّ الحداثة مفهوم زئبقي عسير محاصرته” أرجع جان ماري دومنيك(1922 م-1997م) Jean – Marie Domenach عسر حدّ الحداثة إلى نسق التغيّر المتسارع حتّى في معناها “يتأتّى عسر تعريف كلمة حداثة من أنّ الزمن الذي ينقضي دائما يغيّر المعنى” فالحداثة نفسها ترفض التحديد لأنّها حركة متواصلة من التغيّرات لا يقف الباحث لها على قرار لذا اتّسع مفهوم الحداثة واكتفى جون ماري دومنيك بتحديد سمات الشخص الحديث أو الشيء الحديث باعتباره  “الذي يتأكّد انسجامه مع عصره… ويُعرّف الحديث بتعارضه مع القديم”.يعاني مفهوم الحداثة غموضا في الثقافة التي نشأ في رحابها – وهو مظهر من اللانظام المفهومي –  وصار أشدّ لمّا انتقل إلى الثقافة العربيّة حتّى غدا نصّا مفتوحا على مضامين التقدّم والمعاصرة والتجديد والتحديث والنهضة رغم أنّ لكلّ مضمون مرجعيّة فكريّا. يرجع محمّد سبيلا في الحداثة وما بعد الحداثة غموض مفهوم الحداثة إلى شموليّة المفهوم إذ يطال كلّ مستويات الوجود حتّى غدا أقرب ما يكون إلى مفهوم مجرّد أو مثال فكري . أمّا إذا سألنا المعاجم العربيّة عن معنى الحداثة فإنّ مادّة (ح د ث) تدور على جملة معان من أبرزها حدوث ما لا نظير له في الزمن السابق، ومنها سمّي الحديث حديثا لأنّه يحدث بعدما كان في العدم. فالحداثة إنجاز على غير منوال وبناء على غير مثال وهو جماع المعنى المتواتر في لسان العرب  فقد جاء في حَدَثَ و”حدث: الحديثُ: نقيض القدم، والحدوث نقيض القُدْمة … والحدوث كون شيء لم يكن … والحديث: الجديد من الأشياء” الحديث لغة ما كان جديدا والحدث هو الأمر الذي لم يكن معروفا. إنّ الجدّة والإبداع والتغيّر سمة الحداثة فلا توسم ثقافة أو مجتمع بالحداثة ما لم يكن تغيّرها المسترسل مفضيا إلى إبداع ما لم يكن معهودا لأنّ الحداثة مسار تغييرات متواصلة فيه “تُحوَّل الجواهر إلى علاقات والماهيّات إلى سيرورات والغايات إلى وسائل منتهكة كلّ ما هو مقدّس ومؤرخنة كلّ ماهو أبدي” وتشمل كلّ ميادين الحياة. إنّ الحداثة “متحرّكة دائما في أشكالها ومضامينها في الزمان والمكان، ما من شيء مستقرّ داخلها سوى نسق من القيم التي تناسلت منها” أفضى بنا هذا المفهوم إلى أنّ في الحداثة نظاما هو المستقرّ من نسق قيمها وفي الحداثة أيضا حريّة تظهر في تغيّر تشكّلات هذا النسق عبر التاريخ، فهل نسق قيم الإصلاح هو نسق قيم التجديد؟ وهل نسق قيم النهضة هو نسق قيم التنوير والتحديث؟ لا اختلاف أنّ أنساق قيم المفاهيم المذكورة والتي حكمت الخطاب العربي المعاصر متباينة وأنّ لا نظام يمكن أن يربطها إلى بعضها البعض لذلك ترهّلت الحداثة العربيّة بدءا من المستوى المفاهيمي لأنّها لم تُبن على قاعدة معرفيّة قيميّة مشتركة بين مفكّريها.

2) اللانظام في الحداثة العربيّة فكرا وتجربة إنّ تحديث الفكر وتطوير آليّاته ومفاهيمه هي قاعدة التطوّر الاجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ وتعني الحداثة الفكريّة “الرؤية والمنهج والمواقف الذهنيّة التي تهيّئ تعقّلا يزداد تطابقه بالتدرّج مع الواقع” حتّى يتعقّل الفكر الواقع، فالتطوّر مرتبط بتحديث الفكر وتحديث الفكر مرتبط بالسعي إلى “تحريك العقول بالتحدّي والدخول إلى المناطق المحرّمة وفتح النقاش حول القضايا التي تفتح إمكانات التفكير وتدخل النور إلى المناطق المعتّمة” من خلال اعتماد مبادئ  العقل ومنهجه في تفسير الظواهر تحليلا وتفسيرا والتخلّي عن الرؤية السحريّة والغيبيّة في تفهّم الظواهر الطبيعيّة والإنسانيّة لأنّ الحداثة عقلنة العالم، إذ يسبق كلَّ تجربة حداثيّة وعيٌ حداثيّ يخترق المتراكب والمتراكم عبر الزمن من المفاهيم والمتصوّرات والأفكار والرؤى يبدّد ثوابتها ويخلل سواكن يقينيّاتها ليبني قاعدة معرفيّة تثمر وعيا يكون منطلق التطوّر في مختلف المستويات وإن كان الفكر يتجاوز في طور لاحق رؤاه في نسق من التطوّر المتسارع وتلك من سمات الفكر الحديث، وإذا كان الوعي الحداثيّّ سابقا عن التحديث المادّي  فهل ارتكزت حداثة العالم على فكر حداثيّ؟إنّ الذهنيّة العربيّة ما فتئت تسيّج مكوّناتها لا سيّما الدينيّة منها وتحصّن قيمها المستمدّة منها ضدّ كلّ حركة أو تغيير من خلال “التمازج بين كلمة الله والكلمة البشريّة حتّى أصبح الإثنان يكوّنان أقنوما غير قابل للانشطار”، إضافة إلى تحويل أقوال السلف واجتهاداتهم إلى نصوص لا تقبل النقاش ولا المراجعة بل تمّ التوحيد بينها والدين دون فصل بين الدين والتديّن، كما لا يقوى المجتمع العربيّ المتلبّسة قيمه بالدين والمتّصفة معاييره بالثبات والبالغة نسبة أمّيّة الراشدين فيه 40% أي حوالي 70 مليونا على السير بعيدا عن منوال “تجربة المدينة”. فالعالم العربي منذ منطلق نهضته لم يعرف قطائع متجذّرة لا على صعيد الفكر ولا على صعيد البنية الاجتماعيّة، وظلّ الماضي بفكره الغيبيّ والباطنيّ ولا تاريخيّته يمارس فاعليّته على الحاضر. يقول محمّد بنيس”كلّما تأمّلت في القضايا الأساسيّة التي شغلت الثقافة العربيّة الحديثة، وجدت مسألة الماضي ضاغطة على الفكر كما هي ضاغطة على النفوس… موقف نظري لا يسمح للماضي أن يمضي”، إضافة إلى أهميّة دور الآخر في صلة بالهويّة والعولمة ممّا أفضى إلى النكوص نحو الماضي والتحصّن به، بل حلّ الآخر مفكّرا بدل العرب في أزماتهم وفرض حلول لإشكاليّاتهم حتّى تحكّم اللانظام في مسار الحداثة العربيّة. 

إنّ الذهنيّة العربيّة لا تزال محكومة بالمقولات الأساسيّة للفكر الإسلاميّ القروسطيّ،  يقول عبد المجيد الشرفي “إنّ محتوى الحداثة المعياري (قابليّة الخطأ وكونيّة القيم والحريّة الذاتيّة) ليس مدخلنا دخلنة كافية لدى أوسع الفئات الاجتماعيّة” ممّا عسّر انسجام قيم الذهنيّة العربيّة ومبادئها مع قيم العصر ومبادئه فاختلّ النظام والانسجام بين الطرفين وارتبكت حداثة العرب، ورغم أنّ الانسجام سمة الحداثة لكنّه ظلّ محدود الحضور في ثقافة العرب. تشقّ الفّكر العربي المعاصر اتّجاهات مختلفة منها الإصلاحيّ والتجديديّ والتحديثيّ التنويريّ والأصوليّ السلفيّ والتوفيقيّ التلفيقيّ إلاّ أنّ الأساسيّ فاعليّتها في الواقع وتوجيهها الذهنيّة الجماعيّة ومدى تفاعل الوعي الجمعي معها، يكشف الواقع المجتمعيّ خاصّة أنّ الاتّجاهات التراثيّة السلفيّة أكثر التحاما بالفئات الاجتماعيّة، فقاعدتها الشعبيّة أوسع بكثير من الاتّجاهات التنويريّة التحديثيّة وفي  انتشار التيّارات الدينيّة الأصوليّة في المجتمعات العربيّة وتوسّع دائرتها خاصّة بعد الثورات العربيّة دليل على ذلك، ومن تجليّات الاّنظام في الحداثة العربيّة مفهوما وتطبيقا حتّى باتت حداثة العالم العربي تطرح إشكاليّة فعلها وتأثيرها إبداعا وجدّة، فكرا وواقعا في مجتمعاتها على اختلافاتها الداخليّة. إنّ  تعسّر انتظام الفكر مع واقعه ولّد ضمور سمات الحداثة وعقم ثمارها في الجسم الاجتماعي، بل إنّ حداثة المجتمعات العربيّة لمّا كانت تشكو غياب النظام مفهوما وتطبيقا أنتجت نقيض المأمول، من ذلك استفحال الأصوليّة الفكريّة القائمة على الاستصفاء والاستقصاء فيما كناّ ننتظر الاختلاف والتعدّد، رغم أنّ مشروع نهضة العرب الفكريّة والسياسيّة قد بدأ مبكّرا نسبيّا قبل الأتراك والإيرانييّن والصينيّين وفي الوقت نفسه الذي انطلقت فيه النهضة اليابانية التي حقّقت انسجامها مع العصر وتطابق فكرها مع واقعه الحديث، أمّا حداثة العرب فقد أصابها العقم وشقّها اللانظام مبكّرا فلم تنجب إلاّ حداثة ماديّة استهلاكيّة وُصفت بالمعطوبة ممّا يطرح السؤال عن لغز الحداثة العربيّة التي ظلّت فريدة دهرها في العجز بين حداثات العالم؟إنّ الحداثة مفهوم فلسفي مركّب أساسه سعي عقلي لا ينضب إلى الكشف عن أسرار الكون وتحقيق منزلة فيه أرفع للإنسان ضمن رؤية إلى العالم مرتبطة بمنهجيّة عقليّة قائمة على الصيرورة الدائمة وسلاحها في ذلك السؤال، معنى أكّده ألكسيس نوس Alexis Nouss  بقوله “الحداثة قبل كلّ شيء تساؤل وإعادة طرح السؤال، إنّها سؤال دائم حتّى حول نفسها” لا حدود للسؤال في فكر الحداثة. يقول محمّد أركون(1928 – 2010 م) في سياق متطلّبات حداثة الفكر العربي “أوّلا ينبغي علينا أن نتساءل عن مفهوم الثابت والثبات، وثانيا ينبغي أن نطرح الأسئلة على الأنطولوجيا التقليديّة أي كلّ الخطاب المتمحور حول الكينوينة (L’Etre) أقصد خطاب التيولوجيا التقليديّة والميتافيزيقيا الكلاسكيّة … ينبغي طرح الأسئلة حول كليّة الخطاب الأنطلوجي” بما في ذلك الفكر الدينيّ الذي انبنى في ثقافتنا الموروثة على قاعدة التسليم والثبات وتحصّنت مقولات فقهائه على السؤال لمّا اتّخذت القداسة لحافا لها “إنّ الصعوبة الكبرى التي تواجهنا هنا تكمن في كيفيّة تحرير العقل النقديّ من القيود الإبستميّة والإبستمولوجيّة التي فرضها العقل الدغمائيّ على جميع الممارسات الفكريّة والثقافيّة التي قام بها الفكر البشريّ” من ذلك السنّة ومفهومها والفقه وأحكامه والقرآن وتفاسيره وهو أمر قطّع حبائل النظام مع الحداثة التي لا تسلّم “بقدسيّة أيّ شيء، ومن ثمّ فإنّ كلّ الموضوعات والأشياء والخطابات خاضعة للبحث والمحاكمة، وموضع استقصاء” حتّى تتآنسن الأفكار وتفارق إطلاقيّتها، ويصير الفكر أكثر مرونة  وتعدّدا في تفسير الظواهر ويتمكّن من “إدخال النسبيّة في الرؤية وقبول تعدّد المنظورات وذلك بإرجاع الأفكار إلى أصولها الاجتماعيّة أو إلى دوافعها النفسيّة أي النظر إلى الأفكار بدلالة الشروط الاجتماعيّة والنفسيّة والابستمولوجيّة التي أدّت إلى إنتاجها بدل اعتبارها حقائق مطلقة” عن طريق تفكيك الموروث كما يقول عبد المجيد الشرفي “وعن طريق التفكيك يتمكّن الباحث من معرفة الأجزاء المطموسة في الخطاب أو في أيّ عمل ثقافيّ أو حضاريّ، ثمّ يعرف كيف تمارس هذه الأجزاء دورها ضمن البنية الفكريّة العامّة” جليّ أنّ بين شروط الفكر الحداثيّ ومبادئه وخصائص الذهنيّة العربيّة وسمات وعيها تناقضا صارخا مزّق نظام الحداثة العربيّة.إنّ لا نظام الحداثة في المجتمعات العربيّة من هذه الزاوية إشكاليّة يتجلّى في تخلّيها عن طرح السؤال حول ما اعتُبِر قرونا من المسلّمات البديهيّات خاصّة فيما تعلّق بقضايا الفكر الدينيّ لأنّ السؤال مدخل الإبداع و”الحداثة هي أساسا إبداع وخلق وهذا ما يجعل تاريخ الإبداع عبر العصور هو بالذات تاريخ الحداثة والمطلوب من العالم العربيّ أن يبدع حتّى يكون حديثا” ولا إبداع دون سؤال لأنّه يجعل من كلّ قضيّة مسألة معرفيّة تقتضي بحثا وتدقيقا، وبقدر ما يختبر السؤالُ السائدَ يفتح أفقَ التجاوز فيكون التحديث سيرورة وصيرورة. يقول جابر عصفور مبيّنا معنى الحداثة “تعني الحداثة اجتماعيّا وسياقيّا الصياغة المتجدّدة للمبادئ والأنظمة وتنتقل بعلاقات المجتمع من مستوى الضرورة إلى الحريّة… الحداثة صياغة التساؤل الذي لا ينقطع واكتشاف الأفق الذي لا ينغلق” غير أنّ اللانظام في الذهنيّة العربيّة جعلها تنبني على الثابت أكثر من المتحوّل باعتبار مركزيّة العامل الدينيّ كما صيّره القائمون عليه مهيمنا على مختلف مكوّنات الثقافة ممّا جعل نسق التطوّر في المجتمعات العربيّة بنية ذهنيّة وروابط اجتماعيّة وعلاقات إنتاج اقتصاديّة ونظما سياسيّة ضامرة نظرا إلى غياب أسس الحداثة في صياغتها العربيّة  وانعدام انتظام مكوّناتها مع شروط الحداثة كظاهرة إنسانيّة  متّصفة بالحيويّة والحركيّة في التاريخ المُفضية إلى رفض استمراريّة فعل القديم كما أنجزه السابقون، وقد اعتبرها جان بودريار  Jean Baudrillard(1929 –  2007 م) “الأخلاق الشرعيّة للتغيّر في معارضة الأخلاق الشرعيّة للتقليد”، إذ هي تحوّلات عميقة في مختلف المستويات اجتماعيّا واقتصاديّا وسياسيّا وثقافيّا فلا توجّه لها إلاّ نحو المستقبل تجاوزا للسائد والمألوف و”هذه التحوّلات لا تجعل الحاضر مختلفا عن الماضي فحسب ولكنّها ترسّخ كذلك قابليّة التغيير فيسود الاعتقاد بأنّ المستقبل سيكون بالضرورة مختلفا عن الحاضر” وهو نقيض ما سعت إليه الذهنيّة العربيّة من نمذجة الماضي وأسطرته واعتباره أفضل من الحاضر والمستقبل وفق تصوّرها الدائريّ للزمن في خطّ ينحطّ دائما كلّما مضى صوب المستقيل تطبيقا لما ترسّخ في الأذهان من المأثور فيما نسب إلى الرسول “خير القرون قرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم” وما صاغه الشاطبي (ت790ه) من رأي ظلّ يحكم الذهنيّة العربيّة “المتأخّر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدّم وحسبك من ذلك أهل كلّ علم نظري أو عملي”.إنّ هيمنة الفهم الديني الموروث وتعاليه على ثقافة العالم العربي عطّل كلّ إمكانيّة للسؤال عن مكوّناتها فتراخت حركة التغيّر فيها وتصلّبت القيم والأفكار وتعالت عن الزمان والإنسان وركنت البنية الاجتماعيّة إلى السكون في ظلّ استمراريّة البنى الاقتصاديّة وعلاقات إنتاجها ماقبل الصناعيّة  مع سياسة استبداديّة خدم السكون المطبق على العالم العربي مصالحها فلم تقو خصائص الحداثة وآليّاتها الفكريّة أن تنفذ إلى وعي الفرد والجماعة فاختلّ بذلك نظام الحداثة العربيّة.تغطّي الحداثة  كما بيّن عبد المجيد الشرفي مجموع الخصائص المميّزة للمجتمعات الأكثر تقدّما تكنولوجيّا وسياسيّا واقتصاديّا واجتماعيّا وثقافيّا “ويمكن أن نصنّف هذه الخصائص إلى صنفيْن خصائص ماديّة متعلّقة بالمستوى الاقتصاديّ والتقنيّ وخصائص ثقافيّة أو فكريّة”، الحداثة معادلة تجمع بين جهد فكريّ غير مقتنع بالحاصل والموروث وقوامه التطوّرات الإبداعيّة في مستوى علاقة المعرفة بأدوات إنتاجها دون مرافئ آمنة، والمنتجات الماديّة والتقنيّة المتغيّرة المتجدّدة باستمرار، وتقتضي الصيرورة التاريخيّة انسجاما بين الطرفين وتفاعلا منتظما مستمرّا بينهما، غير أنّ حداثة العالم العربي انخرطت في الخصائص الماديّة التقنيّة من باب الاستهلاك، ولكنّ القيم الحداثيّة وبناها الفكريّة وآليّتها المعرفيّة ومرجعيّتها الفلسفيّة لم تُستسغ اجتماعيّا وثقافيّا فما زالت العلمنة والأنسنة والتاريخيّة وهي من أسس الحداثة تعتبر ابتداعا ورفضا للدين، يقول محمّد أركون “عندما نلفظ كلمة علمانيّة أو لائكيّة أمام جمهور المسلمين المنغمسين من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين في مناخ الأرثوذكسيّة يصرخون قائلين: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم”. إنّ حداثة العالم العربي حداثة تقنية وماديّة استهلاكيّة فاقدة أسسها الفكريّة وقيمها الإنسانيّة التي ابتكرتها باعتبار الحداثة نمطا في الحياة يشمل الفكر والقيم والبنية الاجتماعيّة والذهنيّة إضافة إلى المؤسّسات ونظم تسييرها في تقابل مع النمط  التقليديّ، فباتت حداثة العالم العربيّ مشلولة الطرف فاقدة النظام الرابط بين طرفيْ الحداثة كظاهرة إنسانيّة.يعتبر ما أنجزه روّاد الإصلاح منطلق حداثة العالم العربي ، ولئن كان جهدهم لا يُنكر فضله إلاّ أنّ فيه من اختلال النظام الكثير فالإصلاحيّون وقفوا عند حدود البعد المادّيّ الظاهريّ للحداثة الغربيّة منبهرين ولم ينفذوا إلى استلهام أسسها الفلسفيّة ومسارها المعرفيّ والتاريخيّ ومرجعيّاتها  الفكريّة وما أنتجته من رؤية للإنسان والكون والله  رأي أكّده أكّد عبد الوهاب المؤدّب(2015م) معتبرا أنّ أساس الرؤية الإصلاحيّة “أن تبقى حيث أنت فكرّيا وعقائديّا وتتمتّع بالإمكانيّات التي تتيحها لك التكنولوجيّة” لأنّ العقل البياني بلغة محمّد عابد الجابري( 2010م) ذهنيّة لا تستطيع ممارسة نشاطها وإنتاج المعرفة إلاّ انطلاقا من أصل (نصّ) أو مستفاد من أصل “فسلطة الأصل على العقل البيانيّ لا تقتصر على المنطلق… بل إنّها تؤسس عمليّة إنتاج المعرفة ذاتها”.غلب على جهودالإصلاحييّن مؤسّسي قاعدة الحداثة العربيّة محاولة الملاءمة بين منتجات الحداثة والتراث الإسلاميّ في ظلّ رؤية تبجيليّة مدحيّة للطرفيْن تغيّب الوعي النقديّ، فلم تُبن قاعدة الحداثة العربيّة منذ نشأتها على أسس معرفيّة متينة بل كانت انتقائيّة  تنقصها الجرأة ويغلب عليها التوفيق بين منتجات الحداثة وموروث الأوائل خاضعة لرهانات سياسيّة ومصالح فئويّة واجتماعيّة. إنّ الوجه الذي عرفه الجسم الاجتماعي من الحداثة هو الوجه السياسيّ المتمثّل في ظاهر المؤسّسات والتنظيمات وفي الحداثة التقنيّة والماديّة في بعض أبعادها، أمّا أبعاد الحداثة الفكريّة والفلسفيّة بما هي نزع الطابع اللّغزيّ عن العالم  والتفكيك التدريجيّ للتصوّرات غير العقلانيّة عنه فهي مازالت غائبة أو مُغيَّبة في الأفق العربيّ بل إنّ الفلسفة مادّة دراسيّة مازالت إلى الآن مُحرَّمة في بعض مؤسّسات التعليم في بعض دول المشرق العربيّ ممّا أدّى إلى محدوديّة انتشار الخطاب التحديثيّ فلم يتجاوز نخبة بعض المدن الكبرى والحواضر أمّا غالبيّة الشعب العربيّ في المدن والقرى والأرياف فإنّ قيم الحداثة ومبادئها ظلّت منعدمة الحضور لديها أو تكاد وما زالت العقليّة التراثيّة بغيبيّتها وعجائبيّتها متحكّمة في الفرد والمجموعة فكرا وسلوكا فاختلّ نظام الحداثة في المستوييْن الفكريّ والاجتماعيّ. إنّ الحداثة كلّ لا يقبل القسمة أو التجزئة فلا يمكن أن تُقبل الحداثة التقنية والاقتصاديّة وتُهمل الحداثة الفكريّة والسياسيّة والثقافيّة لكنّ واقع المجتمعات العربيّة يكشف النقيض فحتّى ما أنجزته الدولة الوطنيّة من تحديث في النصف الثاني من القرن العشرين جاء مبتورا لأنّها تجاهلت الوجه الآخر للحداثة وجه المؤسّسات القائمة على الحريّة والعدل السياسيّ والاجتماعيّ رأي أكّده عبد الرزاق عيد في قوله “الوعي العربي منذ محمّد علي إلى اليوم يطمح إلى قطف ثمار الحداثة دون  امتلاك شجرة معرفتها لأنّه يجهل حقيقة أنّ التكنولوجيا ليست إلاّ مجرّد فرع تطبيقي من شجرة المعرفة الغربيّة” وهذا بعد من لا نظام حداثة العالم العربي تجزّئ ما لا يتجزّأ في الحداثة لذلك زحف الفكر الأصوليّ من جديد معتمدا التقنيات الحديثة. فلئن استطاعت المجتمعات العربيّة التمكّن نسبيّا من الجانب المادّيّ والتقنيّ للحداثة فإنّ عمق الإشكاليّة في الجانب الثاني الفكريّ، فالمجتمعات العربيّة لم تقو على تفكيك بنيتها الفكريّة السائدة وإعادة ترتيب علاقتها مع موروثها نظرا إلى صلته بالمسألة الدينيّة باعتبارها أسّا مركزيّا في بنية الثقافة العربيّة الإسلاميّة لأنّ التديّن  في المجتمعات العربيّة نمطُ عيش ومدار سلوك وجوهر عقيدة ورؤية إلى الكون وفهم منزلة الإنسان في الوجود “فليس الدين عمليّة إغناء علاقة الفرد بذاته وربّه فقط ولكنّه أيضا شأن علاقة بالعالم الخارجي والمجتمع”  للدين أبعاده الاجتماعيّة والثقافيّة  فليس الدين “مسألة ضمير فردي فحسب بل واجب اجتماعي أيضا” وإذا كانت الحداثة تمرّدا دائما على المعرفة السائدة وأدوات إنتاجها فتحا لأفق جديد وبحث عن أدوات جديدة لتأسيس معرفة مغايرة فإنّ المسألة الدينيّة تظلّ مرفآ فكريّا لا يطاله تمرّد أسئلة الحداثة إلاّ لماما وتلك من سمات اللانظام في الحداثة في العالم العربي.  إنّ الخصائص الفكريّة للحداثة ذات خطر لا سيّما في ثقافة العالم الثالث ودوائرها ذات التراث عريق الدلالة وقد لا يكون للحداثة وقع في الدوائر الثقافيّة لمجتمع لا ماضِيَ له كالمجتمع الأمريكي كما بيّن ذلك بودريار  لكنّها تعاني صدّا في الدوائر ذات الموروث الثقافي المرتكز على أرضية دينيّة كما هو وضع الثقافة العربيّة الإسلاميّة. ففي فعل الحداثة العربيّة إرباك مسلّمات ظلّت قرونا مقدّسات وقد لا تكون حقيقتها كذلك لأنّ “الحداثة في تعاريف المعاجم الغربيّة ارتبطت بظهور الحركات الثائرة على فهم الكنيسة ورجالها للنصّ الديني والموروث الإغريقي الروماني … فالحداثة نزوع نحو التغيير لا يقاس بزمان”، في حين ما زالت المجتمعات العربيّة تخشى الاقتراب من المتصوّرات الدينيّة الموروثة بل زادت في تعظيمها وربطتها بالهويّة صمودا في وجه الآخر غير معتبرة الهويّة صيرورة تاريخيّة في زمن أصبحت فيه الحداثة ضرورة فرضها العصر. يقول محمّد حسين فضل الله “إنّ الحداثة خيار ينطلق من إحساسنا بوجودنا في هذا الزمن” فالحداثة مسار تحوّلات معرفيّة في فهم الإنسان والطبيعة والتاريخ يشكّل بنية فكريّة كليّة إلاّ أنّ هذه البنية عندما تلامس بنية اجتماعيّة وثقافيّة تقليديّة فإنّها تصدمها وتكتسحها بالتدرّج وتمارس عليها ضربا من التفكيك العميق ورفع القداسة مولّدة تمزّقات ذهنيّة وقيميّة وتشوّهات مؤسساتيّة وتشظّي في البنى الاجتماعيّة.يضمر النظام بين الحداثة مبادئ وقيم من جهة وواقع المجتمعات العربيّة وعيا وممارسة من جهة ثانية، ولكن وتبقى الحداثة رغم ذلك حتميّة تاريخيّة لا مناص للشعوب العربيّة من خوض معركتها وإن كانت الحداثة قد انبجست في الثقافة الغربيّة فإنّ جذورها إنسانيّة وفي هذا السياق يرى طه عبد الرحمان أنّ الحداثة إنتاج الإنسانيّة جمعاء ولها روح واحدة وتطبيقات مختلفة وأنّ التجربة العربيّة ساهمت في إنتاجها ولها أن تستفيد منها، يقول “ليست روح الحداثة كما غلب على الأذهان من صنع المجتمع الغربي الخاصّ حتّى كأنّه أنشأها من عدم وإنّما هي من صنع المجتمع الإنسانيّ في مختلف أطواره … ليست روح الحداثة ملكا لأمّة بعينها غربيّة كنت أو شرقيّة وإنّما هي ملك لكلّ أمّة متحضّرة”. ولئن انزاحت الحداثة عن مسارها الأصلي التنويرى في تطبيقاتها الغربيّة وانقلبت ضديدة لمبادئها فإنّ ذلك لا يفضي إلى  الكفر بها والتخلّي عنها بل إلى نقد كلّ الانغلاقات الفكريّة وتفكيكها بما في ذلك الانغلاق الحداثوي والعلمانوي كما دعا إلى ذلك محمد أركون لأنّ الحداثة مشروع لم يكتمل بعد وفق رأي هابرماسJurgen Habermas في كتابه القول الفلسفي للحداثة. يقول محمد الطالبي معرّفا الحداثة “هي أساسا أسلوب في التفكير يعتمد تحكيم العقل في كلّ شيء… وقبول الحركيّة في المجتمعات والتغيير والتواصل والتجديد في كلّ شيء والإيمان بأنّ الحياة رقيّ وتقدّم لا ثبوت وجمود في حال من الأحوال”. إنّ التغيّر أسّ الحداثة التي اعتبرها محمّد سبيلا العمليّة التي تؤدّي إلى تغيير في البناء الاجتماعيّ من خلال تغيير الأنظمة الاجتماعيّة بالعلم والتكنولوجيا إلاّ أنّ عدم تفكيك البنية الذهنيّة السائدة من خلال إعادة قراءة الموروث قراءة نقديّة تتجاوز الثناء والمدح وتميّز فيه بين الأسطوريّ والتاريخيّ والأيدلوجيّ والدينيّ والرهانات السياسيّة والاجتماعيّة التي تحكّمت في مسار الموروث والاستيعاب النقدي لفكر الآخر تحقيقا للاستقلاليّة الفكريّة والإبداع  انعكس سلبا على البنية الاجتماعيّة العربيّة وقد كشفت الثورات التي شهدتها بعض المجتمعات أنّ الروابط القبليّة والطائفيّة والمذهبيّة ما زالت عاملا أساسيّا متحكّما في البناء الاجتماعي الذي ظلّ عصيّا عن العلم والتكنولوجيا. ولنا أن نسأل إذا كانت الحداثة الفكريّة مختلّة في نظام قاعدتها الفكريّة والمعرفيّة والحداثة الاجتماعيّة مكبّلة بروابط تعود جذورها إلى ما قبل الحدث القرآنيّ، فكيف هي حداثة الفرد؟

 تأخذ الحداثة طابع الإبداع والتجديد ممّا يقتضي إعطاء أهمّيّة للوعي الفرديّ المستقلّ مقابل الإجماع السحري الرمزي في المجتمع التقليدي ووعيه الديني. إنّ الدارسين يربطون نشأة الحداثة بمبدأ الذاتيّة وهو مفهوم متعدّد الدلالات يشكّل مضمون النزعة الإنسانيّة ويحيل على مرجعيّة الذات الإنسانيّة وفاعليّتها وحرّيتها حتّى غدا مبدأ الذاتيّة محدّدا في كلّ مجالات الفعل وأشكال الثقافة لارتباطه وفق هيقل Hegel ( 1770 – 1831 م) بالحقّ في النقد واستقلاليّة الفعل. إنّ العصر الحديث موسوم ببروز الفرد بنظام وعيه الأساسيّ المستقلّ بنفسيّته ونوازعه الشخصيّة ومنافعه، وأصبحت الذاتيّة أسّا فكريّا وأداة عمليّة في ثقافة الحداثة المؤمنة بقدرة الفرد على التحكّم في الطبيعة والتاريخ والاختيار بين ممكناته وتُغلّب مفهوم الفرد واعتباراته الفرديّة على الاعتبارات الجماعيّة وتُمكّن الإنسان من استقلاليّته عن المجموعة. فالفرد عنصر مركزيّ في المجتمع الحديث إذ هو مكوّنه ومؤسّسه، والغاية من الجماعة هي المحافظة على حقوق الفرد والدفاع عن حريّته ولم يبق خادم الجماعة سيّدهم بل الجماعة خادمة الفرد، “أصبح الإنسان مركز الجسم الاجتماعي”، وتمّ المرور في ثقافة الحداثة من مفهوم الكائن الذي ليس له وجود ذاتي خارج المجموعة إلى الشخص المقدّس في ذاته حتّى صار قيمة في حدّ ذاته، صانعا التاريخ فاعلا في الكون متحكّما في الطبيعة متفوّقا عليها أحيانا ممتلكا سلطته المستمدّة من”مركزيّته الفرديّة باعتباره شخصا حرّا مسؤولا وأنّ سلطة الحقيقة لا يصنعها سوى الإنسان”. إنّ السّمة الكبرى في فكر الحداثة جعل الإنسان مركزا مرجعيّا للنّظر والعمل، وإليه يُنسب العقل الشفاف والإرادة الحرّة والفاعليّة في المعرفة وفي التاريخ، يقول برهان غليون في هذا السياق “إنّ مبدأ الذاتيّة قائم على مطلب الاستقلال والسيادة الذي ترفعه كلّ الجماعات الإنسانيّة التي لم تفقد بعد شعورها بقيمتها ورسالتها وإنسانيّتها ورغبتها في المساهمة الإيجابيّة… فالذاتيّة تعني تطوير الذات”. إنّ ثقافة الحداثة أعطت الفرد – وقد أصبح عاقلا مفكّرا – الشعور بأنّه مركز الكون ومحوره ومنه تنبع الفضائل والأفكار والمبادئ والسلطات “وإليه تتّجه الأنظار الاجتماعيّة وتصبّ فيه المكاسب والتجديدات فهو محرّك النظام ومقصده في الوقت ذاته وكلّ تقدّم لا بد أن يبدأ منه ويرجع من جديد إليه”. فإلى أيّ حدّ استطاع الفرد في المجتمعات العربيّة أن يتّخذ موقعه المتميّز في المجتمع ويتمتّع بحريّته حتّى يصبح المجتمع حديثا؟ إنّ البنية الذهنيّة العربيّة التي ما زالت الرؤية الفكريّة الموروثة للإنسان ولله والكون متحكّمة فيها لم تحرّر بعد الفرد من هيمنة الجماعة، قوامها ما جمعه الفخر الرازي(ت 606 ه) في المحصول في علم أصول الفقه لمّا فسّر قوله (النساء 2- 115) “وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْر سَبيلِ المُؤْمِنين نُولِّهِ مَا تَـَولَّى وَنَصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرَا”, بقوله “جمع الله تعالى بين مشاقّة الرسول واتّباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتّباع غير سبيل المؤمنين مباحا لما جمع بينه وبين المحظور… فثبت أنّ متابعة غير سبيل المؤمنين محظورة” رؤية للفرد دعّمتها أقوال مأثورة من نحو “الشيطان مع من يخالف الجماعة” “ومن فارق الجماعة مات ميتة جاهليّة” رؤية لا مكانة للفرد فيها خارج الجماعة ولا زالت فاعلة في الوعي الجمعي وهي رؤية تكشف بعض أوجه اللانظام في الحداثة العربيّة التى بُنيت على غير مقوّماتها ففيما ترتكز مختلف الحداثات على الفرد محور الكون لا زالت الحداثة العربيّة تعتبره خادم الجماعة. إنّ مبدأ الذاتيّة الذي شكّل المبدأ العامّ في الحداثة مازال في العالم العربيّ ضامر الحضور بل يُعتبر من نقائص القيم الأخلاقيّة العربيّة ممّا حدّ من الإبداع العربيّ في مختلف الميادين. يقول طه عبد الرحمان في هذا السياق” لئن جاز أنّ المسلمين لا يفكّرون بأنفسهم فلأَن يجوز بأنّهم لا يبدعون أولى حقّا لقد تعطّلت قدرة الإبداع لديهم بما لا يُحسدون عليه حتّى أصبح التقليد طبيعة ثانية لهم” على أنّ العربيّ في سياق ثقافيّ واجتماعيّ مغاير أثبت في أكثر من مناسبة قدرته على الإبداع لمّا تحرّر فعله العقليّ من الوصاية الداخليّة والخارجيّة، فمن إشكاليّات الحداثة في العالم العربي بناء رؤية فكريّة تتغيّر فيها منزلة الفرد من تابع إلى متبوع ومن خادم إلى سيّد على نفسه وعلى الطبيعة، فقد أصبح بطبيعته العاقلة ووفقا لما أثبتته التجربة التاريخيّة قادرا على معرفة الحقيقة والتمييز بين الواجب وغير الواجب. تُفضي الذاتيّة إلى مبدأ استقلاليّة الفعل وما يتبع ذلك من مبدأ الحريّة قاعدة للإبداع ولا ضرر في ذلك حتّى على الدين والدولة بل الحريّة شرط بقائهما كما بيّن سبينوزا Spinoza (1632 – 1677 م) قائلا:” إنّ هذه الحريّة لا تمثّل خطرا على التقوى أو على سلامة الدولة بل إن القضاء عليهما يؤدّي إلى ضياعهما معا”[66]، حتّى الاعتقاد فعل أساسه الحريّة، فقد ذهب حسن حنفي في تقديم ترجمة كتاب سبينوزا Spinoza رسالة في اللاهوت والسياسة إلى أنّ حريّة الرأي ضرورة للإيمان الصحيح باعتبارها حقّا طبيعيّا للفرد، وفي السياق نفسه ذهب محمّد الشرفي ( 1936 – 2008 م) “أنّ قضيّتنا الكبرى والقيد الشديد الذي يمنع تحرّرنا ويعوق نموّنا ويعطّل مسيرتنا إنّما هو السجن الجماعيّ الذي أودعنا فيه أنفسنا بأنفسنا وإذن لا نموّ ولا تطوّر لنا نحن المسلمين دون حريّة ولا حريّة دون الإفلات من هذا السجن التاريخيّ. إنّ المعركة المحكمة هي حريّة المسلم أي أن يجتهد في فهم الإسلام ويؤوّله كما يدركه” لا أن يتديّن وفق ما حدّدته كتب الفقه وأصوله ورسالة الشافعي (ت 204) خير مثال وحتّى لا يكون للحريّة دور سلبيّ “فلابد أن تقترن بمبدأ آخر لا يقلّ عنها أهميّة ونعني به مبدأ العقل الذي يحوّل الحريّة من حالة اللامبالاة والقدرة المطلقة إلى حالة المحدود بحيث يصبح الإنسان قادرا على السيطرة على حريّته وإرادته اللامحدودة بالعقل والإدراك المحدودين” حتّى يستردّ الفرد منزلته “فليس المطلوب في هذا العصر أن يتوه الإنسان تحت هذا الخواء وأن يضيع في هذه المتاهة وأن يشعر بضآلته تحت هذا الشمول، بل المطلوب تأكيد ذاته وإعمال عقله وإحساسه بالمسؤوليّة وتحقيقه الرسالة ووعيه بالجماهير وإدراكه حركة التاريخ”، رأي أكده المستشرق إريك جيفري Éric Geoffroy فقال “قد أصبحت الحريّة والفردانيّة البداية والنهاية للمطالبين بالحياة الحديثة”، لكنّهما في العالم العربيّ لا زالا في مرحلة جنينيّة لعوامل مختلفة منها السياسي ومنها أيضا الفكريّ/ الذهنيّ. الحداثة تحوّلات جذريّة في بنية المجتمعات وخصائص الثقافات والرّؤى قامت على جملة من الأسس الفكريّة والقيم المشتركة بين مختلف الحداثات ومن أبرزها فيما قدّمه إبراهيم بدران “إزالة الغموض والسحر والطلسميّة والغيبيّة عن الوجود وإقامة المنظومة الأخلاقيّة على أسس عقلانيّة إنسانيّة داخليّة ووحدة الإنسانيّة واشتراكها في جوهر عقليّ أخلاقيّ واحد مع التأكيد على قيمة العلم واعتباره الشكل الأعلى للمعرفة والتأكيد على قيمة الفرد وحريّته الجوهريّة وتقدميّة التاريخ والعقلانيّة العلميّة” لكنّ الباحث في الحداثة العربيّة لا يظفر فيها بأثر ذي أهميّة فاعلة ومؤثّرة لهذه المبادئ أو ما يمكن أن يتولّد عن استيعابها استيعابا نقديّا في خصائص الوعي الجمعي ولا في نظم المجتمع وأجهزته رغم ما وصفت به بعض مجتمعات العرب من حداثة فيتجلّى في هذا المستوى غياب النظام والانتظام في الحداثة العربيّة فيجتمع التفسير الغيبي للظواهر الطبيعيّة والإنسانيّة وأرقى المخترعات التقنية في المجتمعات العربيّة.تشترك هذه القيم والأسس في اعتماد العقلنة جوهر الحداثة، يقول آلان تورين Alain Touraine “هي عنصر لا غنى عنه للحداثة” بمعنى إخضاع كلّ شيء لقدرة العقل التي هي بحث مستمرّ عن الأسباب والعلل في انتقال تدريجيّ من المعرفة التأمليّة إلى المعرفة القائمة على إعمال العقل بمعناه الحسابيّ التقنيّ. إنّ المعرفة المرتكزة على العقل دون أن يستبدّ فيصير أداتيّا من أوكد حاجيّات الذهنيّة العربيّة تجاوزا لما في حداثتها من ترهّل رأي دعّمه محمد عابد الجابري( 1936 – 2010 م) الذي اعتبر أنّ جوهر التخلّف العربي مرتبط بسيادة اللاعقلانيّة “إنّ التخلّف الذي نعاني منه فكريّا هو التخلّف المرتبط باللاعقلانيّة بالنظرة السحريّة إلى العالم والأشياء بالنظرة اللاسببيّة”. إنّ الإشكاليّة الأساسيّة في حداثة العالم العربي في هذا المستوى ضمورفاعليّة العقلنة لا في تفسير الظواهر وتحليلها فقط بل في القيم والسلوك وفي الرؤية إلى الإنسان والكون والله أيضا، لأنّ العقلانيّة نظام فكر ومنهج بحث تحتكم إليه الأفكار كما الأفعال ويتشكّل الوعي وفق مبادئه متمسّكا بالموضعيّة والواقعيّة دون السقوط في الأداتيّة متجاوزا الإيمانيّة التسليميّة القائمة على الخضوع متّخذا العقل مرجعا “تعني العقلنة استنباط تفسير عقلاني مقبول للفكر أو الرأي أو النصّ أو السلوك الذي يكون أصله غامضا أو خافيا أو في اللاشعور لتبرير وجوده وغموضه أو لإزالة ما يبدو غير عقلانيّ من عناصره أو لتفسيره أو تأويله بصورة عقلانيّة”. إنّ مبدأ العلّيّة وربط السبب بالنتيجة هو العنصر المميّز للعقلانيّة عبر تطوّرها التاريخي، وتتيح العلّيّة للعقل أن يتعقّل العالم وتتيح للعالم أن يتعقلن فتنتقل نظرة الإنسان إلى الكون من السماء إلى الأرض فلا يهبط الأمر من الأعلى فيصدح به الأسفل حتّى يتغيّر المجتمع “من مجتمع تنشأ فيه السلطة والمعتقدات من التقاليد والانفعالات إلى مجتمع يحكمه استخدام العقل والممارسات العلميّة وتقدير الكفاءة والقدرة على تفسير العالم بشكل علمي” إنّ مبدأ العليّة يزيل السحريّة والغيبيّة عن الظواهر لكنّه يصطدم بالوعي الديني الموروث . حداثة العالم العربي في حاجة إلى تفعيل العقلانيّة باعتبارها نظام معرفة يتأسّس على قيام العقل بإعمال وسائله وأدواته في مجموعة التصوّرات والأفكار والنظريّات في الواقع من أجل تحويله إلى منتوج معرفي تصدّيّا لمطلق سلطة النقل والتقليد والاعتقاد السحري والديني والحكم الفردي لأنّ “جوهر العقلانيّة الشكّ في كلّ المسبّقات والنظم الفكريّة التقليديّة أي النقد الدائم للوضع القائم … من أجل تأكيد حريّة الإنسان وحريّة الفرد والجماعة القوميّة وهذا هو العقل” الذي عرّفه لا لاند بقوله “إنّ العقل هو تسلسل الحقائق لكن بنحو خاصّ عندما يُقارن مع الإيمان هو تسلسل الحقائق التي يمكن أن يبلغها الفكر البشريّ بلوغا طبيعيّا دون عون من أنوار الإيمان” لأنّ من ثوابت العقلانيّة الاعتقاد أنّ “الأفعال الإنسانيّة والمجتمعات الإنسانيّة يمكن أن تكون عقلانيّة ويجب أن تكون كذلك في مبدئها وسلوكها وغاياتها”، إزالة للرؤية السحريّة والغيبيّة العجائبيّة من خلال العقلانيّة الموضوعيّة التي تُطابق بين الفكر والواقع “إذ هي تغرس فينا عادة التفكير الموضوعي المجافي للأهواء والعواطف والرغبات والخرافات أي أنّها تعوّدنا على التفكير علميّا … والعقلانيّة النقديّة مطلوبة أيضا لأنّها تكشف لنا في وضوح عن طرائقنا في التفكير وعن الشروط المشخّصة التي تحيط بهذه الطرائق” فينشأ النظام في الفكر والواقع. يعرّف محمد عابد الجابري العقلانيّة النقديّة بقوله “والعقلانيّة النقديّة في معناها الواسع هي التعامل النقديّ مع جميع الموضوعات ماديّة كانت أو معنويّة”. تُفضي العقلنة المنشودة إلى “هدم أجهزة تقديس المصادر الدينيّة وتفاسيرها وهي التي ظلّت صلبة صامدة منذ قرون من قبل أجيال متعاقبة من رجال الدين”. بات جليّا أنّ حداثة المجتمعات العربيّة في حاجة إلى نظام قوامه “وبوجه أخص نجوم مفاهيم (العقلانيّة ) و(العقلانيّة النقديّة) في هذا الفكر… وسواء تعلّق الأمر بالدفاع عن ضرورة العقل بإطلاق (برهان غليون) أو بتحليل العقل العربي وآليّاته (الجابري) أو بنقد العالم الإسلامي (محمد أركون) فكلّها مرتبطة بالتحديث” إنّ الحداثة نظام معرفة يؤثّثه العقل بمفاهيمه وآليّاته ومقولاته. إنّ الحداثة نظام يرسّخ فاعليّة الإنسان في التاريخ بدل غلبة المفعوليّة في الموروث وأهمّيّة ذاتيّة الفرد مقارنة بهيمنة الجماعة ويقوم على الحريّة لا سيّما الفكريّة بدل الخضوع إلى الإجماع وعلى أنسنة المعرفة بدل تعاليها وعلى الوعي بحركة الزمن باعتبارها سيرورة إلى الأمام وصيرورة تنبني على العقل النقدي بدل حركة الزمن الدائريّة الحالمة بعودة زمن الأوائل. يتأسّس مفهوم الحداثة على أسس بات الكثير منها قيما إنسانيّة كونيّة من أبرزها “على المستوى الأخلاقي: التركيز على الإنسان وشخصيّته والإعلاء من قيمته وكرامته(النزعة الإنسانيّة) وعلى المستوى المعرفي: إعطاء الأولويّة للمعرفة العلميّة والتقنية وللعقل التجريبي العلمي، وعلى المستوى الاقتصادي: توسّع دائرة العمل وسوق الإنتاج وحريّة الاقتصاد (الرأسماليّة والليبرالية)، وعلى المستوى السياسي: خلق الدولة / الأمّة ومفهوم المواطن وبتحويل الفرد من رعيّة إلى مواطن حرّ مسؤول ومشارك وعلى المستوى الديني: فصل السياسي عن الديني وخلق حيّز سياسي مستقل (العلمنة)” إلاّ أنّ الوعي الجمعي العربي لا زال يعتبرها مناقضة موروثه ويدّعي الحداثة .

 إنّ الحداثة منظومة كونيّة من القيم والمبادئ تعمل في تعالق مع بعضها البعض، تقتضي الديمقراطيّة نظاما في الحياة والسلوك قبل تكون نظاما سياسيّا وتتطلّب العلمانيّة “وعندما يُحكى عن العلمنة كمعيار للحداثة  laïcisation   فإنّ هذا الحكي لا يعني أبدا أنّ كلّ اعتقاد مذهبي وبالأخصّ كلّ اعتقاد ديني قد تلاشى في المجتمع… الإيمان بالله المُثِيب والمُعاقِب لا يزال واسع الانتشار في المجتمعات الحديثة وغير الحديثة” ومن متطلّباتها بنية اجتماعيّة متجاوزة العصبيّة والقبليّة والطائفيّة قائمة على مفهوم المواطنة لا الرعيّة، غير أنّ راهن المجتمع العربي كما ماضيه يعاني تمزّقا في العلائق بين قيم الحداثة ومبادئهاإضافة إلى محدوديّة تمثّلها فما زالت هذه القيم والمبادئ لم تنتظم في نسق فكريّ وثقافي متكامل مترابط بل تهفو الحداثة العربيّة إلى بعضها وتتخلّى عن البعض الآخر فلا تصمد أمام حركة التاريخ  لذلك تحتاج إلى إعادة بنية الوعي على قاعدة فكريّة معاصرة لا قاعدة تجاوزها الزمن تُغيّر الرؤية إلى الإنسان والله والطبيعة، إضافة إلى تحديث مختلف أوجه الحياة الاجتماعيّة في نظمها السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.إنّ من أبرز إشكاليّات حداثة العالم العربي إضافة إلى المحدوديّة الفكريّة، المحدوديّة الاجتماعيّة لأنّ ما عرفه المجتمع العربي من تحوّلات نسبيّة سياسيّا وثقافيّا واقتصاديّا خلخلت بُنَى اجتماعيّة وغيّرت معادلات قوى الفاعلين الاجتماعيين، ولكنّها وسّعت الهوّة الثقافيّة خاصّة بين فئات المجتمعات العربيّة ولم يكن التوسّع لصالح الحداثة إذ ظلّت القاعدة الكبرى من المجتمع غير ممتلكة مداخل السياق الحداثي بل ارتدّ الكثير منها ضديد النمط الحداثيّ وتجلّياته في الحضارة الغربيّة والعربيّة لاقتران الحداثة  في نظر البعض من جهة بالغزو الاستعماري وقوّة الغرب الصمّاء وسيطرته على العالم في سياسة لم تكترث بمصالح المجتمعات العربيّة إن لم تُعاديها، وارتباط الحداثة من جهة أخرى بتهميش هذه الفئات وفقدانها المكانة الاجتماعيّة والماديّة والمعرفيّة المعهودة لها سابقا، عاملان فسّر بهما مثلا François Burgat الموجة الأخيرة للظاهرة الإسلاميّة التي لا تعدو أن تكون من علاّت “الحداثة المعطوبة”. إنّ مسار الحداثة مسار أسئلة ونظم تبحث دائما عن الانسجام ، وللحداثة العربيّة إشكاليّاتها فهل من أفق لتجاوز بعض من عوائقها؟

3)   في نظام الحداثة العربيّة إنّ انتقال منظومة ثقافيّة وبنية اجتماعيّة من القدامة إلى الحداثة مسار عسير ومؤلم في آن واحد إذ لا يخلو من الصدمات والهزّات ولكن ما لم تتجشّم المنظومتان الثقافيّة والاجتماعيّة مرارة المعاناة – لأنّ تحديث العالم العربي يصيب ماضيهما النرجسي إصابة موجعة –  فإنّهما يظلاّن يراوحان مكانهما على عتبة الحداثة أو على هامشها،  لكنّ لعلاقة الحداثة بالماضي أكثر من قراءة في الخطاب الفلسفي فرغم أهميّة سمة التغيير في الحداثة وقيمة مقولة التخلّص من الماضي وحملة بودلارBaudlaire  الشهيرة على الرسّامين ودعوتهم إلى التحرّر من معايير الماضي وقيمه إلاّ أنّ ذلك لا يفضي حتما إلى معاداة الماضي ” فلا يدخل العتيق والقديم حتما في علاقة عدائيّة مع الحداثة… (بل) يمكن أن يكون الماضي أيضا عامل تجديد، رغم أنّ معطى التجديد مقترن عادة بالحداثة إذ “يمكن أن تتخفّى الحداثة أو تتشكّل بألوان من الماضي”. إنّ فعل الحداثة تحويل العلاقة بين الموروث والحديث من التعارض والتقابل إلى التقارب والتفاعل فيصير الموروث حديثا والحديث موروثا أي خلق نظام يحوّل العلاقة بين الموروث والحديث من المعارف والعلوم من التصادم إلى الانسجام. يقول محمد الطالبي “ليست الحداثة قطيعة وليست أيضا استمراريّة خطيّة إنّها… قوّة الخلق الدائمة إنّها طاقة الدفع نحو الأمام”.اتّسع مفهوم الحداثة في الخطاب الفلسفي المعاصر إلى اتّجاهات دلاليّة من أبرزها التفاعل مع الماضي بدل التقابل معه، فالحداثة كما ذهب إلى ذلك ألكسيس نوس Alexis Nouss “ليست دائما في تعارض جذريّ مع الموروث بل تدخل معه أحيانا في محاورة”. إنّ تجاوز الحداثة شرط القطع مع الماضي والانفتاح على التحاور معه والقبول بمبدأيْ التعدّد والاختلاف، يمكّن ثقافة الحداثة العربيّة من الخروج من مأزق الصراع الحادّ مع الموروث، وضّح علي حرب ذلك بقوله “بحيث تبدو الحداثة لا كانقطاع بل كاستمرار وكقوّة تكامل بين الماضي والمستقبل بين القديم والجديد” ولذلك دعا هشام جعيّط إلى “مواجهة مسلّمة الانقطاع التاريخي بمسلّمة الاستمراريّة ومواجهة معنى التجديد المطلق للحداثة بمعنى الإعادة غير المحدّدة لإطار الماضي” ولكن “الماضي ينبغي أن لا ينظر إليه كميتاتاريخ”. أكّد ميشونيك Meschonnic أنّ الحداثة ليست الجديد وليست هي القطيعة إنّما هي إبطال التعارض بين القديم والجديد لأنّ ما هو حديث اليوم سيكون قديما في الغد، وذهب الفيلسوف أدرنو Adorno إلى أنّ حبّ الجديد ومن ورائه فكرة الحداثة في الحقيقة ثورة ضدّ المُنجز ممّا يفضي في الأخير إلى أنّه لا وجود لجديد بهذا الفهم للحداثة. ليست حداثة العالم العربي في حاجة إلى القطع مع المورث بل إلى تقليص المسافة الفاصلة بين الوعي السائد والذهنيّة الحداثيّة المعاصرة حتّى يكون الموروث حاضرا وفاعلا في زمن الحداثة وليس مقولات تُردّد وطقوسا شكليّة تُؤدّى، معنى أكّده محمد عابد الجابري في قوله ” فالحداثة في نظرنا لا تعني رفض التراث ولا القطيعة مع الماضي بقدر ما تعني الارتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى ما نسمّيه  بالمعاصرة أعني مواكبة التقدّم الحاصل على الصعيد العالمي”،  لتكون “الحداثة فعلا اجتماعيّا وإديولوجيّا”، وفي التجربتيْن اليابانيّة والصينيّة دليل على قدرة الحداثة على التفاعل مع الماضي.إنّ “الحداثة العربيّة مازالت في مرحلة تربويّة بيداغوجيّة، إنّها لا تزال في مرحلة لفت انتباه الناس الذين نشؤوا وتربّوْا في مناخ المعجم اليقيني ولكنّها ليست في حاجة إلى تلقين الأفكار والإيديولوجيات الحداثيّة إنّما في حاجة إلى التمسّك بقيم عصر الأنوار باعتبارها قيما إنسانيّة وفي مقدّمتها العقلانيّة متخلّصة من أداتيّتها متشبّثة بأنسنتها وتبيئتها في الثقافة العربيّة لأنّ “الثقافات ليست جامدة ولاهي نتاج عنصر وحيد بل تكتسب تناميا تراكميّا وشخصيّة مركّبة تنجم عن اندماج عوامل جوهريّة وأخرى عرضيّة”. إنّ الحداثة وفق رأي هابرماسJurgen Habermas مشروع لم يكتمل مشروع واعد طافح بالآمال رغم الأخطاء والانتقادات ولكن قد تجد الحداثة العربيّة في بعض من عقلانيّة الأنوار ما يمكّن من نشوء ثقافة دنيويّة تفكّك تدريجيّا العقل الجوهراني وترسي أسس العقلانيّة التواصليّة خلقا لثقافة حاضنة للاختلاف والتعدّد جامعة بين الخصوصيّ والكونيّ مؤسّسة نواة مجتمعات حديثة منفتحة على الآخر إضافة إلى حتميّة تجاوز المرحلة ما قبل الصناعيّة في الإنتاج ووسائله تدعيما لما قد تفضي إليه مخاضات السياسة بعد الثورات العربيّة من هدم الأحاديّة والاستبداد واستحداث الديمقراطيّة التشاركيّة في استئناس بما أوضحه هابرماس. لئن كانت الحداثة العربيّة تعيش أزمة نظام في بنية مكوّناتها الداخليّة قيما ومبادئ، وعيا وممارسة، وفي بناء علائقها بموروثها معرفة وثقافة، وفي حاضرها تقنية وعلما وحضارة فإنّ في الحداثة الإنسانيّة مفاهيم وآليّات تمكّنها من خلق نظامها الخاصّ القادر على تحويل المتنافر متناغما والمتباعد متقاربا عبر توليد نسق حداثيّ يقرّب المسافة بين الوعي والواقع.

لد. محمد الصادق علاق.

بوابة علم الإجتماع- موقع حزب لحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate