حداثة و ديمقراطية

واقع حقوق الإنسان في سورية ومعوّقات وكيفيات تفعيلها بعد التغيير2.

5 – اهتزاز ثقة السوريين بالمجتمع الدولي الذي أنكر عليهم الحق في الحماية الدولية للمدنيين
بعد أن اكتوى السوريون بإرهاب نظام دولته”م” وفصائل عسكرية تدّعي المعارضة، وعانوا من انتهاكات تصل إلى درجة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وصلت إلى حد كارثة إنسانية، حيث تجرعوا ما تقشعر له الأبدان من القهر والتنكيل بحيواتهم وممتلكاتهم وأبسط حقوقهم. بعد كل ذلك اهتزت ثقتهم بقرارات المجتمع الدولي “أي قيمة يمكن أن يمنحها السوريون لشرعة حقوق الإنسان عندما تهتز ثقتهم بصدقية المجتمع الدولي، الذي طغت لديه لعبة المصالح الأنانية والمطامع التنافسية الضيقة في التعاطي مع بلدهم، إذ تخلى عنهم في أشد محنة يتعرضون لها”.
6 – المعوّقات الذاتية والموضوعية لمنظمات حقوق الإنسان السورية
بسبب غياب الحريات العامة والفردية، وعدم توفر البيئة الدستورية والقانونية والتشريعية، منذ أكثر من خمسين سنة في سورية، وكذلك منع تشكيل منظمات حقوق الأنسان المستقلة، تأخر تشكيل هذه المنظمات إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بعد سقوط جدار برلين، حيث تم الإعلان عن تشكيل منظمة “لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان”، كما واكب مرحلة “ربيع دمشق”، بعيد توريث بشار الأسد السلطة، تشكيل “جمعية حقوق الإنسان في سورية”. وبسبب حداثة عمل هذه المنظمات فإنها كانت تفتقر إلى الكوادر المهنية الحقوقية، القادرة على مواجهة التحديات ووضع الخطط اللازمة، وغياب ثقافة المشاركة وبروز ظاهرة الفردانية في إدارة هذه المنظمات. إضافة إلى الإشكاليات الفكرية – السياسية، المتعلقة بالتداخل الكبير بين السياسي والحقوقي من جهة، والابتعاد عن المرجعية الدولية المتمثلة في الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، والتوجه إلى مسارات أيديولوجية أخرى (دينية، وقومية) من جهة أخرى، مما أثر سلبًا على حركة حقوق الإنسان السورية، بما فيها تلك التي تشكلت في دول الشتات السوري بعد عام 2011.
ويبدو أنّ إشكالية حقوق الإنسان والسياسة كانت إحدى المعوّقات الهامة، إذ من المعروف أنّ الدور الأساسي لمنظمة حقوق الإنسان “يتمثل برصد الانتهاكات ونشر ثقافة حقوق الإنسان، والعمل بكافة الطرق السلمية والقانونية إلى تحسين ممارسات السلطة، من أجل احترام أكثر لحقوق الإنسان. هذه المهام تبدو كأنها مهام سياسية، ولكن ما يميز منظمة حقوق الإنسان عن أي حزب سياسي هو أنها لا تطمح إلى تغيير النظام، وليس ذلك من مهامها” .
رابعًا: كيفيات ضمان حقوق الإنسان في سورية الجديدة
وضعت الاتفاقيات والمواثيق والإعلانات الدولية العديد من الضمانات، التي تشكل حماية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ومن أهمها الضمانات القانونية. ومن المؤكد أنّ العبرة ليست فقط بشمول الدساتير والمواثيق الوطنية للعديد من الأحكام ذات الصلة بحقوق الإنسان، وإنما هي بالأساس بمدى توفر الضمانات والقوانين المقررة لكفالة تنفيذ هذه الأحكام.
إنّ تجسيد حقوق الإنسان في سورية، بعد إنجاز عملية الانتقال السياسي، لن تظهر نتائجه إلا بضمان تقريرها في مقدمة الدستور القادم، باعتبارها مبادئ محصنة غير قابلة للإلغاء في أية دساتير لاحقة. مما يستوجب المعالجة الجدية لتفعيل الممارسة لحقوق الإنسان، من خلال التعاطي المجدي مع الإشكاليات التالية: إدراج أحكام الشرعة العالمية لحقوق الإنسان في النظام القانوني لسورية الجديدة، بحيث تكون ملزمة، وإمكانية إثارة أحكام الشرعة في النظام القانوني لسورية، بحيث تكون ملزمة، وإمكانية إثارة أحكامها أمام القضاء السوري.
وفي سورية الجديدة يقتضي ضمان حقوق الإنسان الولوج في مدخلين أساسيين : أولهما، عمودي للتأثير في صياغة التشريعات والقوانين والسياسات. وثانيهما، أفقي ينصب على ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع السوري.
(1) – التشريعات والقوانين والسياسات
تعتبر الصياغة الدستورية لحقوق المواطنين الأساس الذي تُبنى عليه مجمل القوانين التنفيذية، التي “تضمن تجاوز الحقوق الطبيعية إلى ضمان المساواة السياسية، التي تعتبر الأساس الرئيسي للديمقراطية، ومحاربة التمييز على أساس الجندر أو الانتماء المناطقي أو الطائفي والديني” . أي أنّ الحقوق والحريات تُعتبر من أبرز الموضوعات في الدستور، إذ إنّ الدستور “ليس مجرد وثيقة لبيان شكل الدولة، ونظام الحكم فيها، وتنظيم العلاقة بين سلطاتها، وإنما هو فوق ذلك وثيقة ضمان للحقوق والحريات”.
أي أنّ من أهم ضمانات تفعيل منظومة حقوق الإنسان في سورية الجديدة تكمن في تضمينها في الدستور القادم، وإصلاح عمل السلطة القضائية، وبالتالي جميع الجهات المعنية بتطبيق القانون: الشرطة والضابطة العدلية، وجهاز الأمن الداخلي.
أما القوانين الواجب إصدارها لضمان إنفاذ مبادئ الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، فهي عديدة: أولها، قانون أحزاب وجمعيات، يضمن حق تشكيلها وإعلانها وحرية نشاطها، وحق المواطنين في الانضمام إليها. وثانيها، قانون الانتخابات، بما يحررها من نظام الحصص ووصاية وزارة الداخلية، من خلال تشكيل هيئة مستقلة للانتخابات، بما يسمح بالتعبير الحر عن إرادة المواطنين. وثالثها، قانون لضمان إعلام يتوافق مع حرية الرأي والتعبير في كافة وسائل الإعلام. ورابعها، قوانين الأحوال الشخصية والجنسية والأسرة، بما يضمن المساواة بين المواطنين رجالًا ونساءً، وكذلك يضمن حقوق الأطفال.
ومن أجل تعزيز تحقيق المساواة “يجوز اتخاذ تدابير تشريعية وغيرها من التدابير لحماية أشخاص أو فئات معينة، مهمشين بسبب التمييز المجحف ضدهم، والنهوض بأوضاعهم” .
ولا شك أنّ الدستور والقوانين لا تكفي إذا لم تترافق – بداية – بحل الأجهزة الأمنية وإعادة هيكلتها، وتطبيق صارم لمبدأ تمفصل السلطات، وبشكل خاص الإعلاء من شأن واستقلال القضاء، وتشكيل هيئة مستقلة للعدالة الانتقالية وتمكينها من تقديم مجرمي الحرب، ممن تلطخت أياديهم بدماء الشعب السوري، خاصة رأس النظام وقيادات الأجهزة الأمنية، إلى العدالة، بحيث لا يتمكنون من تعطيل مسيرة التحوّل الديمقراطي. إضافة إلى معالجة ملف المعتقلين والمفقودين، على أساس جبر أضرار الضحايا.
ولعل الإجراءات السابقة تساعد السوريين على تفكيك البنى التقليدية للمجتمع السوري بالتدريج، مع وجود نظام وطني ديمقراطي، وتفعيل الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، التي تؤسس للشعور بالمواطنة المتساوية التي يكفلها الدستور.
(2)– ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع السوري
من المؤكد أنّ التشريعات والقوانين والسياسات ستواجه صعوبات أثناء التطبيق، بسبب تغلغل قيم الفردانية في نفوس أغلب السوريين، بعد سنين طويلة من الاستبداد، إذ إنّ السوري يرى أنّ قيم الحرية تتعلق بحريته وحقوقه الشخصية، ولا تتعلق بحرية وحقوق الآخرين. ولا شك أنّ إقبال السوريين على تفهّم أنّ الحريات والحقوق تعنيهم جميعًا، يفترض شروطًا متعددة، أهمها :
1 – الإيمان بهذه الحقوق إيمانًا قائمًا على العلم بمضامينها، وعلى التسليم بشرعيتها لدى مختلف مواطني المجتمع السوري.
2 – الاطمئنان إلى مصداقية سلطات دولتهم الجديدة في الإقرار بها والالتزام برعايتها، وفي تنظيم ممارستها بنزاهة.
3 – التعويل على آليات قانونية لتقويم الاختلال ولردع الانتهاك، والاطمئنان إلى فاعلية هذه الآليات ونزاهتها وحيادها، من قبل السلطة والأحزاب المتنافسة.
إنّ ثقافة حقوق الإنسان ليست معطىً قبْليًا وإنما تحتاج إلى جهود متنوعة، من قبل الدولة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام المختلفة. ويبدو أنّ المدخل الأساسي يكمن في التربية والتنشئة المواطنية، ولكن شريطة إخراج التربية من طابعها النظري إلى “قناعات وسلوكيات يومية للأفراد، من خلال تأكيد احترام الكرامة الإنسانية، وعدم التمييز، وتشجيع حريات الفكر والتعبير والتسامح والمساواة والاختلاف واحترام القانون وحماية البيئة، بعيدًا عن كل مظاهر الانغلاق والعنف” . وفي هذا السياق تستأثر المؤسسات التعليمية بدور كبير وأساسي، باعتبارها تمثل فضاءات للتربية والتنشئة وإعداد أجيال المستقبل، وكذلك التدرج إلى الكبار من المتعلمين، لتصبح حقًا طبيعيًا للمواطن السوري. ففي سورية الجديدة ستكون النظم والمؤسسات التربوية والتعليمية هي الأساس الذي سيقوم عليه المجتمع السوري الحديث، لذلك فإنّ إصلاحها وإدخال شرعة حقوق الإنسان ضمن برامجها، في كل مراحل التعليم، شرط أساسي لتجاوز آثار “العشرية الحمراء” والتعافي من آلامها، وبناء السلام واستدامته.
كما لا تخفى أهمية وسائل الإعلام المختلفة، فهي تلعب دورًا مهمًا في نشر ثقافة حقوق الإنسان، ومواكبة مستجداتها على المستويين الوطني والعالمي.
ولا شك أنّ ثمة مسؤوليات تتحملها شبكات التواصل الاجتماعي على مستوى التنوير بثقافة حقوق الإنسان، إذ “يبدو أنّ كسب رهان دعم وترسيخ حقوق الإنسان عبر هذه الشبكات، لا يتوقف فقط على تطوير المنظومة القانونية بصورة توازن بين حرية التعبير من جهة، ومتطلبات الأمن المعلوماتي من جهة أخرى، بقدر ما يتطلب انخراط رواد هذه الشبكات في ترسيخ ثقافة احترام الحقوق والحريات، وبلورة رسالة نبيلة تدعم هذا الخيار” .
كما أنّ لمنظمات المجتمع المدني دورًا هامًا في ترسيخ هذه الثقافة، باعتبارها منظمات عابرة للبنى التقليدية والانتماءات الفرعية، وهي ذات امتداد أفقي تعبر عن حقوق جميع المواطنين وتدافع عن مصالحهم، بغض النظر عن موقفهم السياسي أو انتماءاتهم. وقيام هذه المنظمات بأدوارها مرهون بمدى حريتها في العمل، بدون قيود زجرية أو بيروقراطية.
وفي الختام لا بدَّ من التأكيد على ضرورة توعية واضعي السياسات وعناصر الشرطة والأمن والجيش بقضايا حقوق الإنسان، مما يستوجب نشر هذه الثقافة بين هذه الفئات، ذات العلاقة المباشرة في التعامل مع المواطنين.
خامسًا: أهم الاستنتاجات
1 – إنّ كونية حقوق الإنسان لا تعني إلغاء الخصوصيات الثقافية‏ للأمم والشعوب، وفي الوقت نفسه‏ لا يعني احترام الخصوصية الثقافية‏‏ الاحتفاء بكل ما هو سلبي فيها‏،‏ بل أنّ الخصوصية التي ينبغي الاحتفاء بها هي تلك التي ترسخ شعور المواطن بالكرامة والمساواة وتثري ثقافته وحياته وتعزز مشاركته في إدارة شؤون بلاده‏.
2 – من دون إرساء مبادئ حقوق الإنسان، لا يمكن تخيّل المشهد السوري في رحلة تعافيه نحو الخلاص من “العشرية الحمراء”، وضمان عودة اللاجئين السوريين والمهجرين قسريًا إلى ديارهم، وفي معرفة مصير الضحايا والمعتقلين، ومحاصرة الشروخ والاندفاعات العرقية والطائفية والمذهبية، وفي إنقاذ وطن ودولة يهددهما التفكك والتهالك ومشاريع التنازع والتقسيم الإقليمية والدولية.
3 – حقوق المرأة لا تقتصر على إتاحة الفرص لها فحسب، وإنما يشمل تغيير طريقة التعامل معها، بما في ذلك اعتماد قوانين وسياسات جديدة تضمن لها حقوقها كاملة كمواطنة، والاهتمام بالمنظمات الخاصة بها، مما يساهم في ازدهار المجتمع وتقدمه.
4 – تكامل حقوق الإنسان وترابطها، وعدم قابليتها للانقسام أو التجزئة، أي أنّ من واجب الدولة السورية الجديدة العمل من أجل تعزيز كل حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحمايتها.
5 – إنّ مشكلة حقوق الإنسان في سورية هي مشكلة تشريعية وقانونية من جهة، ومشكلة ضمانات تفعيلها من جهة أخرى، عدا عن كونها مشكلة اجتماعية وثقافية.
6 – إنّ الاتفاقيات والمواثيق والعهود الدولية تشكل الأساس لضمان حقوق الإنسان، وإنّ هذا الأساس لا يثمر إلا مع وجود قواعد قانونية محلية، أي وجود نظام قانوني يكفل هذه الحقوق، وليس فقط أن تكون هناك تشريعات تنص صراحة على هذه الحقوق، وإنما الأهم هو توفر الأدوات الأساسية لتطبيق نصوص القانون في هذا المجال، ومن ثم يجب أن يقترن التشريع الأساسي لحقوق الإنسان بحماية دستورية، كي لا تستطيع السلطتان التنفيذية والتشريعية انتهاكها، من خلال ما نسميه “مواد محصّنة في الدستور” ووجود سلطة قضائية مستقلة، وكذلك وجود محكمة دستورية عليا تحمي الدستور.
7 – ثمة معوّقات كثيرة ستساهم في تأخر تفعيل منظومة الشرعة العالمية لحقوق الإنسان في سورية الجديدة، فيما إذا تحقق السيناريو الثالث الذي يقتضي عملية انتقال سياسي، أي بعد الانخراط في عملية التحوّل الديمقراطي.

لد – عبدالله تركماني .

ملتقى العروبيين- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate