حداثة و ديمقراطية

النخبة وتأثيرها في تكوين واستقرار المجتمعات3.

واقع النخب الثقافية في العالم العربي :

من الاراء من يري أن النخبة الثقافية في العالم العربي مسخره لخدمة السياسة ولاانظمة الحاكمة وتفتقد القدرة علي التنوير والتثوير ولا أمل منها إلا بظهور نخبة جديدة تؤسس لمستقبل أفضل يتمكن من خلالة المثقفون من إنتاج القيم الثقافية الحرة المتحررة من قبضة الحكام وتحارب كل صنوف الخضوع ومظاهر الاستبداد ثم تعمل علي نشر هذه القيم أعتماداً علي وسائل التأثير الملائمة التي تمكن من التأثير في العقول والقيم والسلوكيات بهدف إحداث تغيير في كل بني المجتمع العربي

هناك من المثقفين من يرى أن القرب من السلطة يمثل حماية لهم من القمع والاضطهاد والإقصاء إلا أن هناك منهم الراغب في مجتمع أفضل تسوده العدالة والمساواة والحق فى الحصول على نصيب عادل من الثروة … والحق فى الاختيار وتوسيع دائرة المشاركة السياسية وهذه الفئة فى حالة تنافر مع السلطة المستبدة وتتسع الهوة بينهما وهذا بالطبع يعود الي التناقض بين رؤية المثقف التقدمي وبين رؤية السلطة فالمثقف ينظر ويفكر فيما يؤدي لتحرير الانسان من قبضة الاستبداد والفهر والظلم الاجتماعي مقابل دفاع السلطة المستميت في الابقاء علي ما هو كائن من المثقفين من يهادن السلطة ويتكيف مع الواقع ويعقد من النظام الحاكم صفقات يتنازل من خلالها عن دوره التنويري بل يتحول إلى داعية للنظام ومدافع عن أطروحاته ويبشر بأفكار الحاكم ويروج لها كما أن هناك نمط أخر وهو المثقف المحايد الذي ينأى بنفسه عن الاصطدام بالسلطة وعندما يخاطب الناس يكون خطابه مجرد أفكار مبتسرة لا تحرك في العقل ساكنا وكما يقال ان المثقف المحايد اخطر واشد أثرا من مثقف السلطة – لان مثقف السلطة مكشوف لدى الناس ومكروه منهم دائما ولا يثقون فيما يكتب أو يطرح من أفكار …. في حين أن المثقف المحايد دوره كالمخدر الذي لا يشفى من داء .

في معظم البلدان العربية كثيرا من تكون علاقة المثقفين بالسلطة متنافرة أكثر منها متقاربة فالمثقف الملتزم بقضايا وطنه والذي ينطلق فكره وقناعاته بالدفاع عن مصلحة المواطن ومقاومته والتصدي للفساد ولا يوافق على الوضع السائد بما يثير حفيظة السلطة فبقدر ما يعتبره مواطنوه أداة للتغيير ترى فيه السلطة عنصرا من عناصر عدم الاستقرار …. وترى فيه مثيرا للشغب وتظل السلطة متوجسة منه وتكيد له وتناصبه العداء بل وتتربص به .. وقد شهد العالم العربى على مدى تاريخه كيف تعاملت السلطة المستبدة مع المثقفين الذين رأت من جانبها إنهم يهددون بقاءها – كم من المثقفين قتل وكم سجن … وكم تم إقصائه الخ …… شرق ومازال عالمنا العربي يشهد كل يوم ضحايا جدد للاستبداد السلطوي ومعاملة المثقفين المعارضين باعتبارهم أعداءو ليس لكونهم يدافعون عن حق المواطن فى حياه حرة أو لأنهم ينادون بالحكم الديمقراطي بل لأنهم ايضا يرفضون ممارسات السلطة وخياراتها وسياساتها وإدارتها للمجتمع التي لا تصب عادة فى مصلحة الوطن ولا شك ان ما يمارس من قمع ومنع من قبل السلطة للمثقفين له تداعيات سلبية علي تطور المجتمعات العربية أذكر منها علي سبيل المثال ما يلي /

– التخلف الاجتماعي الناتج عن تكبيح الفكر وقتل روح المبادرة والمبادأة والابداع – فان الاختلال الناتج عن قمع حرية التفكير والرأي يعمل على أحداث خلل هيكلي في الأداء على كافة الصعد ( سياسية / اقتصادية ) وهو مثل حي لما نشاهده الآن في مجتمعاتنا العربية من استبداد وتسلط وضعف البنية الاقتصادية وانخفاض جودة التعليم واتساع الهوة بين طبقات المجتمع … الخ .

– ظهور تيارات معادية للتقدم نظرا لخلو الساحة أمامها من القوى الراغبة في إحداث تغيير فى المجتمع والمجتمعات العربية تشهد تناميا ملحوظا فى ظهور بعض التيارات السلفية التي مازالت تعيش على الماضي والأفكار الجامدة التي تتناقض جذريا مع مفهوم الإسلام الصحيح .

– غياب أدوات الحراك السياسي حيث لا يبقى في الساحة سوى النخبة الثقافية المرتبطة بالسلطة النظم السلطوية الفاسدة – ومن هنا يصبح المثقف احد أركان النظام و تنقلب على أفكاره وقناعاته ومقاومته ويتم تجنيده والملاحظ أن هذه الظاهرة تتضح بشدة خلال الأحوال التي يتصاعد فيها دور رأس المال السياسي أو في النظم الشمولية حيث يكون الهدف إخراج المثقفين من دائرة الداعيين للعدل الاجتماعي والرافضين لحالة التزاوج بين السلطة والثروة .

– انحدار الوعي الثقافي وتسود ثقافة منحطة فاسدة عديمة المنطق ويتضح هذا فى صورة انحدار مستوى الأعمال الفنية والتركيز على قيم الفهلوة والتربح وتمجيد الحاكم وتغذية النشء بقيم ومأثورات بالية تضمن الولاء والسير في الركب وقبول الواقع وتبريره ومن ثم لا يجد هذا الإنسان المقهور المكبوت من مكانه له في ظل الاستبداد والتسلط سوى الرضوخ والتبعية والوقوع في الدونية كقدر مفروض ومن ثم شيوع ظاهرة التزلف والاستلزام والمبالغة في تعظيم السيد ( أيا كان موقفه ) اتقاء لشره أو طمعا في رضاه .

– غياب المساءلة حيث تكون الساحة الثقافية خالية ألا من إتباع السلطة ولا خلاف على أن الطغيان السلطوي يعمل دوما على احتواء كافة القوى الفاعلة اجتماعيا سواء كانوا من المثقفين أو منظمات المجتمع المدني حتى لا تتمكن السلطة التشريعية من الاضطلاع بمهامها ويمتد ذلك إلى دور السلطة القضائية التي تفشل في ظل الاستبداد والطغيان من فرض هيبة القانون .

– تفشى ظاهرة انتشار الفساد السياسي والادارى فمع تعسف السلطة من المثقفين الملتزمين وإقصائهم يخسر المجتمع تيارا وطنيا يعمل لصالحه من خلال الكشف عن سوءات المجتمع ويعرى الفاسدين وعند هذه الحالة تفوض رغبة المجتمع في الاستقرار والتنمية .

– ظهور فئة مثقفة مستقطبة تكون بمثابة وسائل مسوقة لأفكار المستبدين والفاسدين ويستخدمون أقلامهم لتضليل المواطنين وتخدير عقولهم وتزييف وعيهم والترويج لانجازات من صنع الخيال ..

ويشير بعض الدارسين إلى التداخل بين النخب خاصة النخبة السياسية والنخبة الثقافية حيث يرى أ. سعد محمد رحيم في دراسته “نخب سياسية ـ نخب ثقافية ) إجرائياً يغدو من الصعب فك ارتباط بين السياسي والمثقف ولا سيما في بلدان العالم الثالث فالسياسة والثقافة تخترق أحداهما الأخرى بقوة وعمق ولأجل التمييز بين السياسي والمثقف في إطار هذا المقال نلجأ إلى العنصر الوظيفي فالسياسي هو من يكون شاغله السياسة والموقع السياسي أما المثقف فهو من ينشغل بالمعضلة الثقافية بإنتاج القيم الثقافية ونشرها معتمداً وسائل التأثير في العقليات والقيم والسلوك .

يدخل المثقف منطقة السياسي حين ينتج خطاباً موجهاً للآخرين فهو بدءاً من هذه اللحظة يرمي إلى التأثير والتغيير وهو يقرأ ويحلل ويفسر الحدث والظاهرة ويؤولهما من أجل أن يؤثر ويغير فالتأثير والتغيير ممارستان سياسيتان وهدفان سياسيان وبدءً من هذه اللحظة أيضاً تأخذ العلاقة بين المثقف والسياسي منحى إشكالياً يحاول السياسي أحياناً استعارة أو حتى سرقة دور المثقف وعمل مؤسسات السياسة من أجل تحقيق مشروعها السياسي في مجتمع ما سيؤول في النهاية بلا أدنى ريب إلى تبدلات في النسيج الثقافي لذلك المجتمع كما يحاول المثقف في أغلب الأحيان ولا سيما في مناطق الاضطراب السياسي او الحراك السياسي العنيف الدخول إلى منطقة السياسي ومزاحمته في التأثير على مسار الحدث وعلى قناعات المجتمع وفي هذه الأثناء تشرع السلطة أية سلطة ومنها السلطة السياسية باللعب في علاقتها بالمثقفين بآليتي الإقصاء والإدماج كي تفرز العصى على الاحتواء من ذلك الذي من الممكن أن يتمثل رغبة أو رهبة .

النخبة الدينية :- والملاحظ أنه باستثناء قليل من رجال الدين في العالم العربي أو من يسمون بالمؤسسة الدينية (على الرغم من أن الإسلام لم يقر مطلقاً بوجود مساحة بين العبد وربه والمصطلح عليه حالياً بالمؤسسة الدينية ) … نرى أن النخبة الدينية ليست سوى ديكور يتم في بلاط الحكام ويقتصر دورها على تجميل الحكام أكثر من اى شيء آخر فضلا عن كونها مؤسسة قاصر لا سلطان ولا حرية لها وليس لها ان تلقى بدلوها حتى فى خصوصياتها إلا بعد موافقة السلطة وهى نخبة مقيدة – مسلسلة – محصورة .

….. ان أداء النخبة الدينية فى العالم العربي يمكن التسليم بأنه اداء مخز وقد تكون الأسباب مرتبطة بطبيعة وجود هذه النخبةالتي يتم اسناد الوظائف اليها من خلال السلطة التنفيذية ( رئيس / ملك ) ولدينا الأمثلة العديدة فمثلا يتم تعيين شيخ الأزهر فى مصر وشيخ وإمام المسجد الاموى فى سوريا وإمام مسجد الزيتونة بتونس وإمام جامع القرويين فى المغرب من خلال حكام هذه البلدان …. كما يتم أيضا تعيين القائمين على الافتاء بقرارات جمهورية او مراسيم ملكية …. ومن ثم فان شق عصى الطاعة يعنى الخروج من جنة المنصب .. وهذا من اكبر الأسباب التي ادت الى انحياز رجالات المؤسسة الدينية إلى صف السلطة حتى ولو كانت جائرة – وأصبحت هذه النخب الدينية إحدى إدارات الدولة تقف داعمة للحكام غير قادرة على إبداء النصح طالما فى غير رغبتهم وعلى الرغم من أن الدين احد أهم الوسائل المناهضة للظلم من حيث كونه فاعلا يمكن استثمار قيمه وثوابته فى تغيير البنى الاجتماعية فان النخب الدينية لم تستخدم هذه الميزة المشروعة قط – ولم يثبت في تاريخ العرب ومنذ الرسالة المحمدية وبعد ظهور المؤسسات الدينية أن استخدمت هذه النخب الدين لتوحيد الكل المختلف وإيجاد رؤية وسطية تقضى على الفردانية وتدعو إلى التكافل والتضامن – ولم تستخدم النخب الدينية الدين مطلقا في احداث تعبئة جماهيرية نشكل مجموعة قيم تسهم فى تطوير المجتمعات يستثنى من هذا ما قام به الإمام الخومينى قائد الثورة الإسلامية عندما استخدم الدين في تحريض الجماهير ضد استبداد الشاه حتى نجحت الثورة ووطدت أركانها وقضت على نظام الشاه الفاسد .

ولم يثبت كذلك أن قامت النخب الدينية باستخدام مفاهيم الدين حول حقوق الإنسان ومواجهة الاستبداد في اى خطاب سياسي …. بل أنها وسيلة وأداة لإضفاء الشرعية علي الحكم وسياساته فهي تدافع عن الاتجاهات السياسية حتى ولو كانت رجعية جامدة وتمالئ الحكومات وهى تعلم بأنها مستبدة وتستخدم الدين استخداما نفعيا لتحقيق مصالح خاصة …. ولم تحاول المؤسسات الدينية في العالم العربي تعميق حق المواطن في التعبير عن أرائه والدفاع عن حقه في الاختلاف في إطار سلمى يقوم على لغة الحوار لا الصدام .

وهناك في عالمنا العربي والاسلامى من النخب الدينية التي تعادى التحول الديمقراطي تحت دعوى مزعومة بان هذا ضد توحيد الإجماع ومخالف للشرع ذلك ان هذه النخب تقوم بدور الوصي على المجتمعات وهى تدعى احتكارها للحقيقة … وهى من ضمن النخب المسئولة ولو جزئيا عن حالة الغيبوبة التي أصابت شعوبنا حيث مازالت وستظل هذه النخب تطرح قضايا لا تستحق مجرد التفكير فيها فهي تهتم بالجزئيات على حساب الأصول مثل موضوع النقاب الذي شغل الرأي العام في مصر على الرغم من ان مصر تعانى من مشكلات اقتصادية واجتماعية ( الغلاء والتضخم والاحتكار وغسيل الأموال واستغلال النفوذ وتردى الخدمات الصحية والتعليمية والخدمية ) .

والأخطر على مدى التاريخ أن بعض النخب الدينية تبدل قناعاتها وفقا لرغبة واتجاهات الحكام وكانت خلال التوجه الاشتراكي في مصر أول من ايد وافتى بان الاشتراكية هى نمط اسلامى ووصفوا بعض الصحابة بأنهم اشتراكيون صالحون …. ومع بداية سياسة الانفتاح الاقتصادي والتوجه نحو الأخذ بالنظام الرأسمالي أصبحت الاشتراكية مذمومة وحوصر رجالها بل وشرد منظروها وفقد البعض مناصبهم وأصبحت النخب الدينية تنادى وتبشر بالرأسمالية التي ستحرر الإنسان من عبودية الاشتراكية ولعلنا ونعدد مثالب النخب الدينية المرتبطة بالسلطة فان ذلك لا يعنى مطلقا المطالبة بإقصاء المضامين الدينية وليس من المنطقي اعتبارها احد معوقات التحول الديمقراطي وحرية الرأي والتعبير والمشاركة السياسية طالما كان دور هذه النخب دورا فاعلا يأخذ بيد عملية التطوير الاجتماعي في اطار حق الانسان فى مكافحة الظلم والتهميش والاستعلاء وليس مطلوبا تحييد الدين وحصره فقط بين عدد من الدعاة محدودي الثقافة المملوئين بالخوف والهلع من السلطة التي تملك مفاتيح حياتهم

ولعلني لا أبالغ … على أن النخبة الدينية تتسم بالتقليدية في التفكير وتتسم بعدم القدرة على مواجهة المستجدات وتغير الظروف وما زال الفكر الديني مقيداً بآراء مقيدة لا تتواءم مع ضرورات العصر ولا تناسبه وهي عادة عبارة عن آراء موروثة ليست وليدة رؤى متجددة تتسق وأحكام الدين ومتغيرات العصر .

النخب في العالم العربي … في مأزق … وإن كنا للحقيقة نؤكد على أن هذا المأزق الذي تعيشه النخب العربية يعزي للدور القمعي والترغيبي الذي تمارسة الاجهزة الامنية في عالمنا العربي فدورها لا ينكر في استسلام النخب للخوف من البطش في ظل غياب الديمقراطية ووجود نظم قمعية مستبدة تزيد يوماً بعد يوم من ظاهرة الانسداد الديموقراطي ومن ثم حالة الاحتقان الذي تعيشه الشعوب العربية وبالتأكيد النخب العربية تعاني من أزمة وتعيش حالة ضعف وفاقدة لثقة الجماهير ضعيفة الحيلة أمام النظم الحاكمة ومنها المتواطئ ومنها ما تم تسجله .

لمحمد نبيل الشيمى .

المركز الديمقراطي العربي- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate