حداثة و ديمقراطية

النخبة وتأثيرها في تكوين واستقرار المجتمعات 2

وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم أفلاطون للروح الارستقراطية مفهوم قيمي أكثر من كونه مفهوماً طبقياً فالارستقراطية حكم الأقلية الفضلى لأنها تضم المتفوقين أخلاقياً وعقلياً ويحكمون لخير الشعب .

إلا أن كلمة الارستقراطية استعملت بعد ذلك بتوسع واتخذت دلاله جمعية على قيادة أشخاص (شرفاء أو نبلاء أو كهنة) لدولة أو على مجموعة من أصحاب المنزلة متميزين في المولد أو الموهبة أو الذهن أو الغنى ويمكن الإشارة إلى مدلولات ثلاث للكلمة في استخدامها الشائع يدل الأول على حكومة سياسية تمارس فيها السلطة العليا طبقة اجتماعية ذات امتيازات وهي وراثية في معظم الأحيان ويدل الثاني على طبقة من النبلاء أو الإشراف أصحاب الامتيازات أما الثالث فأدبي وعام فلكل ميدان ارستقراطية وهم نفر قليل من الأشخاص يتمتعون بتفوق يميزهم في مجالهم (ارستقراطية الأدب أو الفن الارستقراطية الصناعية أرستقراطية المال الارستقراطية العمالية وهي الشريحة العمالية العليا التي تتكون من أكثر الفئات مهارة وأعلاها من مجموعة الطبقة العاملة والمنفصلة عنها من حيث التكوين الأيديولوجي والنفسي) .

والمبدأ الديموقراطي نقيض للمبدأ الارستقراطي والواقع أن كلمة ارستقراطية أصبحت تستعمل بصورة عامة بالمعنى الاجتماعي أكثر مما تستعمل بالمعنى السياسي ومنذ الثورة الفرنسية أسبغ المصطلح الثوري على كلمة ارستقراطية صفة انتفاضية تشير إلى زمرة من أصحاب الامتيازات بسبب مولدهم أو أملاكهم أو نقودهم وهم بسبب ذلك “جائرون وقمعيون وأعداء للشعب والأمة .

ومن ثم نرى اقتراب مفهومي النخبة والصفوة بل يكاد أن يمثلان مفهوماً واحداً فإن الارستقراطية تختلف عنهما تماماً فهي تنحصر في حكم أقلية تفتقر بأنها الأفضل بين الناس دون أن يكون لهذه الفئة تأثراتها على حركة المجتمع فضلاً عن أنها تنحصر فقط في صنف واحد هم الحكام … دون أن يكون هناك فضائل أخرى سياسية أو مكانية … إلخ

ربما يتساءل البعض عن العلاقة بين مفهومي النخبة والطبقة … فماذا عن مفهوم الطبقة ؟

بداية فإن المقصود بالطبقة في هذه الدراسة الطبقة الاجتماعية ووفقاً للموسوعة العربية ) يرى الأستاذ أديب عقيل أن استخدام مفهوم الطبقة الاجتماعية هو للدلالة على مجموعة من الناس تتشابه في جملة من الخصائص الاجتماعية والثقافية التي تميزها من غيرها من الجماعات المكونة للمجتمع ولغوياً كما جاء في الوجيز فإن الطبقه هي الجيل بعد الجيل أو القوم المتشابهون في سن أو عهد والمرتبه والدرجه وتطابقا بمعني توافقا وتساويا ( الوجيز ص 386 ) وعلى الرغم من ان استخدام المفهوم يعود إلى فترات زمنية بعيدة غير أن الدلالات العلمية التي ينطوي عليها تختلف باختلاف الرؤى الفلسفية للمجتمع وللعلاقات السائدة بين الأفراد المكونين له ويشير ثامر عباس في جريدة الصباح العراقية في دراستها ” الطبقات الاجتماعية من حراكها الوظيفي إلى دلالاتها السياسية ” أنه غالباً ما اقترن مفهوم الطبقة الاجتماعية بظاهرة الصراع الطبقي التي شهدها المجتمع الأوروبي عشية انطلاق الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر على خليفة الانشطار الاجتماعي والاستقطاب السياسي والتخندق الأيديولوجي الحاصل في بيئة المجتمع الغربي آنذاك .

وتؤكد الموسوعة العربية على أنه وفي الوقت الذي كان يستخدم فيه مفهوم الطبقات الاجتماعية بمعنى شمولي ليدل على التمييز بين الأثرياء والفقراء في المجتمع الواحد فيقال الطبقات الثرية أو الغنية والطبقات الفقيرة يأخذ التحليل الماركسي بالتمييز بين الطبقات الاجتماعية على أساس الموقع الاجتمعي الذي تشغله الشريحة السكانية في العملية الإنتاجية والطبقة بتعريف لينين “عبارة عن جماعة من الناس كبيرة العدد ، تتميز عن بعضها تبعا لموقعها في أحد أنساقالإنتاج الاجتاعي التاريخي وتبعاً لعلاقة كل منهما بوسائل الإنتاج وهي علاقة يمكن التعبير عنها وصياغتها في قوانين محددة واضحة وتبعاً لدورها في التنظيم الاجتماعي للعمل ومن ثم تبعاً لنوع حصولها على نصيبها من الثروة وحجم هذا النصيب .

ولما كانت الطبقات الاجتماعية تتباين في مواقعها بالنسبة إلى العملية الإنتاجية وبالنسبة إلى علاقاتها بوسائل الإنتاج فإن الطبقات التي تحظى بالمواقع الأقوى بالنسبة إلى الإنتاج هي المؤهلة لأن تكون المسيطرة اقتصادياً وغالباً ما تكون هي الطبقات المالكة لوسائل الإنتاج أيضاً والطبقات الاجتماعية ـ وفق هذا التصور ـ هي في حقيقة الأمر جماعات اقتصادية لا تخضع لتحديد قانوني أو ديني كما أنها مفتوحة نسبياً إذ تنتقل مجموعات من الأفراد من الطبقات العليا إلى الطبقات العليا إلى الطبقات الدنيا أو عكس ذلك تبعا لمجموعة واسعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها .

يحدد ماركس الطبقة الاجتماعية بأنها جماعة من الأشخاص يؤدون العمل نفسه في إطار عملية الإنتاج ويعتقد أن وضع الإنسان داخل عملية الإنتاج يمثل بالنسبة له أخطر تجارب حياته التي تحدد معتقداته وأفعاله والطبقة عنده ليست جماعة كبيرة من الناس وحسب تشغل الموقع نفسه داخل البناء الاقتصادي للمجتمع إنما تتميز بوجود الوعي الذاتي شرطاً ضرورياً لدخولها في أي نضال سياسي اقتصادي ناجح ولهذا فإن من أهم سمات نظرية ماركس في الطبقة تحليله للتفاعل بين الظروف الموضوعية المشتركة للأفراد المحيطة بعملية الإنتاج من ناحية والمشاعر والأحاسيس التي يكونونها عن مواقفهم وعن اتجاهات الحركة الاجتماعية والسياسية بالنسبة إليهم من ناحية أخرى .

… وفقاً لرؤية جريدة الصباح العراقية السابقة الإشارة إليها فإنها ترى أن جميع الطبقات الاجتماعية ذات المنزع السياسي تميل بالفطرة ـ أن صح التميز ـ صوب غواية السلطة التي يستلزم الإمساك بناصيتها والاحتفاظ بانتهاء انتهاج مختلف ضروب الممارسات والفعاليات التي تبتدىء بلغة الخطاب الإيديولوجي الهادىء وتنتهي بأسلوب الصراع السياسي العنيف الأمر الذي يضفى على مواقف تلك الطبقات ويسم أهدافها بطابع البرغماتية / النفعية تعبيراً عن تقاطع الإيرادات وتناقض الغايات وتعارض المصالح ، ويأخذ عدد كبير من علماء الاجتماع المعاصرين بدراسة الطبقات الاجتماعية بطريقة مختلفة ذلك أنهم يتناولون موضوع الطبقة بما تنطوي عليه من أبعاد نفسية واجتماعية بالنسبة إلى الأفراد وبما تنطوي عليه من وظائف بالنسبة إلى المجتمع بصورة عامة وبالنسبة إلى الطبقات نفسها خاصة (الموسوعة العربية ) .

وتضيف الموسوعة إلى أن أميل دوركهايم ذهب إلى أن المجتمع الصناعي الحديث يتميز بالتعقيد الشديد ويعتمد على مجموعة من الأدوار الاجتماعية المتعددة والمتباينة التي يتعين على الأفراد اداؤها إذ يستمدون منها مكانتهم الاجتماعية التي تعطيهم الهيبة والاحترام وعليها تبني أشكال التدرج الاجتماعي وذلك لن الكائنات الإنسانية تسعى دائماً إلى إشباع ذواتها بما تناله من تقدير من الآخرين واعتراف متبادل بينهم ذلك أن المكافآت الاقتصادية بعد حد معين لا تكسب أهميتها في نظر الناس لذاتها بل بوصفها مؤشراً يرمز إلى المكانة الاجتماعية التي يتمتع بها الفرد .

وعليه فإن التدرج الاجتماعي ـ وفق هذا التصور يعد مظهراً أساسي من مظاهر المجتمع الحديث والتفاوت الطبقي وسيلة تؤكد أن أكثر الأوضاع الاجتماعية أهمية هي تلك التي يشغلها أكثر الأشخاص كفاءة وهناك عوامل عديدة تظهر أهمية التدرج الطبقي من وجهة النظر الوظيفية فالأوضاع الاجتماعية العليا تتطلب مؤهلات وكفاءات خاصة وتدريبات معمقة لا تتاح إلا لقلة من الأفراد وتصبح الندرة النسبية سبباً من أسباب التباين الطبقي . وتتمثل المعايير التي تقوم عليها تصنيفات الطبقات الاجتماعية في ثلاثة معايير أساسية تصنيف يأخذ بمعيار الدخل ونمط الاستهلاك وأسلوب الحياة عموماً ويقسم الطبقات في المجتمع إلى ثلاث عليا ومتوسطة وكادحة وتصنيف يقوم على معايير سياسية ومؤسسية ويقسم الطبقات في المجتمع إلى ثلاث حاكمة أو متنفذة ومتوسطة وكادحة وتصنيف ماركسي يقوم على العلاقة بوسائل الإنتاج ويقسم الطبقات في المجتمع إلى ثلاث برجوازية وبرجوازية صغيرة ومتوسطة كادحة .

إن مفهوم الطبقة يختلف جذرياً مع مفهوم النخبة أو الصفوة … ووفق هذا التحليل فقد لا يكون بين طبقة ما نخبة أو صفوة يكون لها أي دور مجتمعي أو ذات تأثير في مجمل الحياة .

النخبة في العالم العربي :- ( الفترة السابقة لظهور الإسلام)

يرى الأستاذ / سامح المحاريق في دراسته (النخب العربية) الحوار المتمدن (31/8/2004) أن فترة الجاهلية خاصة المتأخرة والسابقة لظهور الإسلام بحوالي مائة وخمسين عاماً لم تشهد نخباً عدا تلك التي استطاعت أن تمسك بزمام الزخم التجاري في طريق رحلة الشتاء والصيف بين الشام واليمن في المدينة ومكة وثقيف وكان طبيعياً أن تتعالى هذه النخب حتى على أكثر القبائل العربية شوكة وبالتالي فقد حملت القبائل الضغينة لأهل الحجاز وعبرت عنها حروب الردة وثورة الخوارج وأصبحت هذه القبائل تتصيد الغصاصات التاريخية لإثارة الشقاق وتهييج الناس ضد قريش على اختلاف بطونها بل وضد مضر بأكملها التي تشرفت باتتماء النبي (ص) لها واعتزازه بهذا الانتماء وفي فترة حياة الرسول يمكن القول أن النخبة كانت تتمثل في الصحابة ووجهاء الأنصار الذين بايعوا الرسول وكانت هذه النخبة تستند على علاقاتها المتميزة مع الرسول وتعمل وفقاً لرؤيته التي كانت تستند إلى ما ينزل عليه بعد الوحي وكانت سلطة الرسول وتعاليمه بمثابة دستور لهذا النخبة ولم يكن لها أية امتيازات على جمهور المسلمين …وبعد وفاة الرسول وفقاً لما يذكره الأستاذ سامح المحاريق في دراسته المشار إليها أن سقيفة بني ساعدة أتت بسلطة قريش التي لا تقبل النقض أو النقاش لدى العديد من الفقهاء على مؤسسة الخلافة وأتت كذلك بنخبها الطفيلية التي سارعت إلى التحلق حول مؤسسة الخلافة والاعتداء عليها وأدت إلى تدمير مؤسسة الخلافة الراشدة في النهاية بنقلها لخلافاتها التي سبقت الإسلام إلى الواجهة وشهدت الفترة التي تبعت رحيل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابتعاداً للنخبة الحقيقية من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم لأسباب تراوحت بين الزهد والصراع المرير على السلطة والذي أدى في النهاية إلى استشهاد عثمان وعلي وانتهاء عصر تداول السلطة في الإسلام بعد وصول الأمويين ومن بعدهم بني الياس إلى سده الحكم .

ويشهد تاريخ الدولة الأموية ومن بعدها الدولة العباسية ظهور النخبة المستندة على رعاية النص الديني والأسبقية للإسلام والتي سببت هزة في المجتمع العربي الذي تعود الأذعان لسلطة القبيلة وشيوخها ومنحهم على أصفائيهم ولم يستطع أن يهضم فكرة الدولة التي ترعى التوزيع العادل لمكاسبها على كافة أفرادها المتمثلين في جمهور المسلمين ولكن ذلك لم يمنع حفنة من الانتهازيين والتجار وأصحاب السلطان القدامي من الصعود بالتحايل على روح الإسلام وتكوين نخبة طفيلية هذه النخبة لم تكن طارئة بل كانت نخبة مراوغة وقديمة لم يتمكن الإسلام في صعوده من تقويضها والقضاء عليها وعلى قيمها والمفارقة أنها كانت الأكثر استفادة من الإسلام بعد أن كانت الأكثر ضراوة في حربها ضده إذ رأته تهديدا لامتيازاتها في مجتمع قريش القديم فالنبي (ص) لم يكن ينتمي إلى نخبة قريش وفق المعيار الجاهلي الذي حصر امتياز الانتماء إلى السادة أو النخبة التقليدية للثراء والقدرة على الاتفاق ببذخ فرأوا أن الدعوة إذ ما هي موجهة للعبيد وأرقاء الحال والفقراء لمزاحمتهم على الامتيازات والمغانم القبلية ولقد أدى فساد النخب خلال حكم الأمويين إلى قيام حركات الممانعه التي قادها الإمام الحسين بن علي زمن قبله ثورة الخوارج علي الاسلوب الذي كان سائداً في أختيار الخليفة ومن تصرفات الأمويين خاصة عقب وصول معاوية إلي الحكم بعد الخدعة الكبري …ثم من بعد ذلك ما قام به القرامطة من حركات أحتجاجية ضج العباسيين في نهاية القرن التاسع الميلادي بما يعني فساد النخبة السياسية العربية خلال هذه المرحلة .

النخب العربية في العصور الحديثة :

يقدم السيد / رياض الصبراوي في دراسة له تحت عنوان “ما الذي أفشل النخب السياسية العربية وجعلها عاجزة ” (مع ملاحظة أن الكاتب قصر رؤيته على النخبة السياسية دون غيرها من النخب ) رؤيته المتمثلة في مرور النخب العربية عبر حقبات ثلاث .

الحقبة الأولى : النخبة الإصلاحية

هي مرحلة بداية الوعي وبروز مفهوم الإصلاح مع مصلحين من أمثال رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده في مصر وخير الدين التونسي وأحمد بن ابي الضياف في تونس ويلاحظ الكاتب أن مصر كانت في كل الحقب المنبع الأول لحراك المخب السياسية ولنشأة الفكر السياسي وتطوره هذه النخبة كان لها مشروع إصلاحي يعتمد على الإجابة على سؤالين لماذا تقدم الآخر الغرب مثلاً في البلدان الأوروبية وتخلف الآنا ممثلاً في البلدان العربية والإسلامية ؟ وكيف يمكننا أن نتقدم نحن أيضاً ونستدرك التفاوت الهائل العلمي والسياسي بين الغرب والشرق ؟

وحدثت لهذه النخب تجربة إنسانية خاصة حيث سافر أغلبها إلى فرنسا للدراسة ضمن مشروع محمد علي باشا ومن بعده ورثته في إيفاد طلبة مصريين إلى باريس للتعلم وتوصلت إلى ضرورة التوفيق بين الإسلام وما حققه الغرب من تقدم أي ضرورة إحداث تركيب بين تراثنا الحضاري وديننا والحداثة التي أنجزها الآخر والتي لا يمكن التعامي عن تفوقها العلمي والسياسي فكانت نخباً إصلاحية توفيقية لعالمين مختلفين وكانت مواقفها السياسية مشرفة حيث اتسمت بالوطنية وشاركت الحاكم في السلطة حينا بهدف الإصلاح واختلفت معه أيضاً أحياناً لنفس الغاية .

ومع اكتمال احتلال فرنسا وبريطانيا للبلدان العربية وترسخه فيها برزت نخب جديدة هدفها هو الاستقلال وتحرير البلاد من الاستعمار من جهة ومن ثمة بناء الدولة الوطنية الحديثة .

الحقبة الثانية : النخبة الثورية :

وهي المرحلة الممتدة من الحرب العالمية الأولى سنة 1914 وحتى وفاة الزعيم جمال عبد الناصر وهي التي شهدت اندلاع ثورة 19 في مصر وثورة رشيد على الكيلاني في العراق والهيات الثورية ضد الحكم الفرنسي في الشام والثورة المصرية التي فجرت لدى العرب كل معاني العزة والكرامة وتصدت بقوة وعزم لقوى الاستعمار العالمي والرجعية العربية (رأي الكاتب) إلى غاية إبرام الرئيس أنور السادات لاتفاقية كامب دافيد سنة 1979 وسنة لسياسة الانفتاح الاقتصادي تميزت هذه الحقبة بظهور الأفكار الثورية بدل الإصلاح بدعوى أنه يتطلب الكثير من الوقت بينما الثورة سريعة ويمكنها أن تنجز بسرعة .

وركزت أغلب جهدها على عملية التحرر الوطني من الاستعمار من جهة ثم بناء الدولة الوطنية من جهة أخرى واختار أغلبها النموذج الاشتراكي لسبب أن المعسكر الاشتراكي كان صديقاً لحركة التحرر العربي ودعمها بالمال والسلاح حيث استفادت الثورة الجزائرية (1954-1962)من هذا الدعم وكذلك مصر الناصرية وسوريا والعراق واليمن وليبيا … وبخاصة الثورة الفلسطينية المسلحة .

تميزت هذه النخب رغم صراعاتها الداخلية وأخطائها الفادحة في كثير من الأحيان بالصدق والإخلاص الوطنيين … حيث لم ينخر الفساد النخب إلا في المرحلة الثالثة .

الحقبة الثالثة : النخب وفسادها

النكسة الأولى التي منيت بها النخب العربية الحالمة بالتحرر وبناء الاشتراكية كانت في هزيمة يونيو 1967 حيث أصيب الحلم العربي السياسي في التحرر والوحدة بأضرار كبيرة لكنه حاول الصمود ومراجعة الذات ونقدها من أجل التدارك ورفعت حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل من سنة 67 إلى 1970 من معنويات هذه النخب وكذلك قمة الخرطوم التي رفعت الشعارات الثلاث (لا صلح لا اعتراف لا مفاضات) كما أعطى الانتصار النسبي للعرب في حرب أكتوبر / تشرين الأول 1973 آمالا كبيرة لكن حدثت تطورات دراماتيكية في جبهة الحكم في مصر غيرت من المشهد كلية فالرئيس الراحل انور السادات قرر أن 99% من أوراق الحل هي بيد الولايات المتحدة الأمريكية وأجرى صلحاً منفرداً إسرائيل توج باتفاقية كامب دافيد والأهم من ذلك انتهاجه لسياسة الانفتاح العشوائي الواسع وقيامه بضرب القيم القديمة لدى النخب والسعي لغرس قيم جديدة طفيلية .

فأحدثت بسبب ما يتمتع به من صلاحيات هائلة وبسبب الدعم القوي الذي تلقاه من الولايات المتحدة الأمريكية تحولا هائلاً لدى النخب السياسية المصرية أولا ثم انتقل النموذج المصري لأغلب البلدان العربية .

وفي دراسة لمنتديات روسيا اليوم تحت عنوان النخب السياسية العربية .. أزمة مشروع أو هوية ترى الدراسة أن النخبة العربية مرت بعدة مسارات قبل وخلال وبعد حقبة الاستعمار وهي /

  1. مرحلة النزوع للاستعمار / حين وجدت نفسها تعيش واقعاً عربياً مأساوياً ومتخلفاً على المستويين المدني والحضاري ووجدت أن الفرق صار شاسعاً بين الواقع العربي والطموح الغربي فانطلقت من التخلف والجهل والمرض لدرجة طالب البعض باتباع الغرب شبراً بشبر وذراعاً بذراع إذا أردنا النهوض والتقدم .
  2. مرحلة الاستقلال والدولة الوطنية / حيث التفت هذه النخبة حول منظومة الحكم ودوائر صنع القرار وهي في رأيي مرحلة المد الثوري الذي تبنته ثورة يوليو الخالدة بقيادة زعيمها الوطني جمال عبد الناصر أملاً في تنفيذ المشروع الحلم والذي يهدف إلى :

– تكوين قوميات مستقلة وفقاً للمفاهيم والقيم العربية بعيداً عن المفاهيم والقيم العربية والإسلامية بدعوى أنهما سبب التخلف والتراجع .

– إحداث تنمية اقتصادية وفقاً للنموذج الرأسمالي لتوفير واقع معيشي متميز (أخالف هذه الرؤية حيث تبنت ثورة يوليو النموذج الاشتراكي في التنمية الاقتصادية من خلال منهج الاعتماد على الذات وتأميم المشروعات الكبري وتمصير التجارة الخارجية والبنوك وبدء حركة تصنيع رائدة التوسع في الخدمات الاجتماعية كمجانية التعليم والعلاج وإعادة حقوق العمال والفلاحين .

– توفير مناخ ديموقراطي على غرار النموذج الغربي .

– إعداد قوى عسكرية قادرة وفاعلة تحمي البلاد وتحجز دور إقليمي فاعل ومؤثر .

لكن لاعتبارات كثيرة ورغم إتاحة كافة الفرص من الوقت كل الوقت والإمكانات كل الإمكانات إلا أن الواقع أثبت فشل التجارب وسقوط الشعارات لسبب حيوي هو عدم اعتبار هوية شعوب هذه المنطقة من العالم ومحاولة استنساخ نموذج أو مولود لن تكتب له الحياة في هذه البيئة .

  1. مرحلة ظهور النخبة العربية ذات التوجه الإسلامي / وهي مرحلة الصحوة الإسلامية منذ عشرينات القرن الماضي بقيادة الحركة الإسلامية بجناحيها الإحيائي والإصلاحي وفي القلب منها حركة الإخوان المسلمين والتي استهدفت إقامة مشروعها التغييري على المرجعية الإسلامية ومن هنا انتقل التيار الليبرالي إلى مربع الخصومة معها متمثلاً في /

– الانحياز للمشروع الصهيو أمريكي الذي يدير المنطقة ويدعم شرعية أنظمة الحكم العربي الذي تفتقد الشرعية الشعبية بسبب فشلها في تحقيق طموحات الشعة بل والشرعية القانونية لاعتمادها التزوير في كافة الانتخابات الرئاسية والتشريعية .

– الانحياز لأنظمة حكم مستبدة تشرعن الاستبداد وتفنن الفساد لدرجة غير مسبوقة تجلت في التعديلات الدستورية التي تمت بكثير من البلدان العربية بهدف تأبيد السلطة بل وثوريتها (مصر واليمن وليبيا والجزائر) وإقصاء المعارضة الإسلامية .

– الانحياز لطبقة رجال الأعمال قفزوا إلى دوائر الحكم وصنع القرار في مرحلة تزاوج السلطة بالثروة مما بات يهدد واقع ومستقبل الشعوب العربية .

وفي رأيي أن هناك لبس في مرحلية النخب وفقاً للدراسة فإن مرحلة الاستقلال والدول الوطنية التي يمكن تأريخها مع المد الثوري الذي قادته ثورة يوليو هذه المرحلة يمكن القول أنه أصيبت في مقتل بعد هزيمة 67 ثم وفاة عبد الناصر في حين أن اعتبار ظهور النخبة العربية ذات التوجه الإسلامي في أحد مراحل الحقبات قد لا يكون تحليلاً سليماً فقد وجدت هذه النخبة منذ العشرينات مع بداية ظهور حركة الإخوان المسلمين وغيرها من الحركات السلفيه الإسلامية في العالم العربي أي أن هذه الحركات ولدت في ظل الاحتلال (والملكية في مصر) واستمرت في السر حتى سمح لها السادات بالظهور لضرب القوى السارية والناصرية والقومية

ويرى الباحثون أن هناك ثمة اختلاف جوهري بين النخبة العربية وغيرها من البحث فالبحث العربية كما يرى أ. سامح المحاريق في دراسته المشار إليها تمثل حالة منفردة جعلتها تحمل بذور الهشاشة والقابلية للفناء من الداخل لأنها ببساطة لم تكن معنية على امتدادها التاريخي بقيادة المجتمع بقدر اهتمامها بسوق المجتمع إلى ما يحقق مصالحها الخاصة ، واستغلال ارتباطها الوثيق بالسلطة لتحقيق هذا الهدف ، فالنخب العربية نمت ككيانات طفيلية تترسب وتتعايش عضوياً مع السلطة السياسية وككافة الطفيليات فهي لا تسعى إلى التأثير بقدر ما تسعى لتأمين استمرارية تزودها بعناصر البقاء والنمو من فضلات السلطة .

وبالتالي فقد اعتادت هذه النخب على أن تظل بعيدة عن الناس / العامة ومنكفئة على ذاتها وفق المقولة التهكمية الخاصة بالأبراج العاجية مغتربة وعدوانية تجاه وسطها الاجتماعي الطبيعي وفي موقع وسط بين السلطة الحاكمة التي لا تحترمها ولا تعبأ بها وبين الجمهور الذي غالباً ما يكرهها ويحملها مسئولية التراجع والتردي ويرى الكاتب أن خصوصة النخب العربية أذابت الفوارق بين المجموعات التي تكون النخب وخلافاتها الفكرية فجعلت النخبة حزمة واحدة تتحالف ضمنيا ضد العوام الذي يرفضون بالتالي وجود النخب لاعتراضهم على الطريقة التي تبدو لكثير منهم لا أخلاقية في تشكل جزء كبير من النخب السياسية والاقتصادية إلى جان شعور الجمهور بالضغينة تجاه العزلة التي ذهبت إليها النخب مشيراً إلى إصرار ابن رشد الدائم على التذكير بما هو للخواص وما هو للعوام من الشأن المعرفي فضلاً عن تجربة أخزان الصفا صورتها الاجتماعية التي كانت أقرب إلى محفل ماسوني منها إلى حركة فكرية تسعى للتغيير والإضافة فالانفصام بين العوام والخواص أخذ يتصاعد إلى حد القطيعة التامة منذ البدايات المبكرة للإسلام وبعد وفاة الرسول مباشرة وحتى الآن .. وينتهي سامح المحاريق إلي أن أن القدرة على التلون بألوان السلطة والتبديل الهين والظاهري للقناعات للتعايش مع السلطة وبقاء الرغبة في الانقضاض عليها صفة ثانية تضاف إلى بقاء النخب ضمن دوائر السلطة متواطئة ومدجنة في الحالة العربية على الدوام.

يرى أ. سعيد شبار في دراسته في مفهوم النخبة ودور الوسيط أو المصدر الثقافي أن هناك اختلاف في مناهج وطرق مزاولة النخب في الفكر بين العربي والغربي بقول الكاتب ” قد لا نجد فروقاً مهمة النخبة في المفكرين العربي والغربي من حيث دلالته على فئة أو طبقة تتعدد بتعدد المجالات التي ترتبط بها والأنشطة التي تزاولها لكن يوجد الاختلاف دون شك في مناهج وطرق مزاولة هذه النخب لأعمالها وفي انتماءاتها وولاءاتها وفي رواءها ومنطلقاتها وهذه المبادىء التصورية أو حتى بعض مناهج العمل المتفرعة عنها التي تحاول بعض النخب العربية استعارتها وتوظيفها . تصطدم في الغالب بالقناعات المحلية فترفض وتقاوم وتنحي إلى الظل يساهم هذا أيضاً في عزل النخبة أو على الأصح تساهم النخبة بهذا في عزل ذاتها وإبعاد نفسها عن تلك القناعات المحلية المعبرة عن هوية وانتماء حضاري ـ وعلى الرغم من وضوح هذا الأمر وظهور أخطائه في تجارب عديدة تصر النخب على مواقفها وتعمد إلى تبريرها فتجدها تنحو باللائمة دئماً على الوعي الشعبي التقليدي والمتخلف فتصبح بهذا مهام وأشغال النخبة شيئاً وهموم ومشاكل المجتمع شيئاً آخر ويتم الابتعاد كلياً عن الواجب الحقيقي للنخبة المتمثل في الالتحام بالجمهور وتوعيته ونشر القيم الثقافية الإيجابية فيه ليساهم بدوره في عملية البناء والتغيير ومواجهة ثقافة الاستهلاك والانحلال لتحقيق ذاته واستقلاله .

وعموماً فإن النخب العربية خاصة النخب السياسية تتسم بعدد من الخصائص المشتركة فهي بلا شك قليلة الخبرة فيما يتعلق بآليات العمل السياسي وهي في ذلك قد تكون مظلومة مقارنة بمثيلاتها في الغرب فالغرب بعد الإصلاح الديني وتقليص دور الكنيسة وظهور جيل من المفكرين والكتاب أمثال فولتير ومونتسيكو وجان جاك روسو وجون لوك وماركس … الخ نجح تماماً في تحديد دور النخبة في الحياة السياسية من خلال منح النخب القدرة على التحرك بين الجماهير والتحدث باسمها والمشاركة في صياغة نظم الحكم وترسيخ مفهوم المشاركة السياسية وتداول السلطة … إلى غير ذلك في حين ظلت النخب العربية أسيرة القمع والاستبداد والملاءمة بين المنافع والمضار (بين ذهب المعز وسيفه ) وعزلت نفسها طواعية وجبراً عن الجماهير فضلا عن سيادة بعض الأفكار التي تضفي القدسية على الحكام وممارساتهم حتى ولو كانت ممارسات تقوم على إقصاء الآخر واستبعاده واستعباده … وينصح هذا جلباً من أداء النخب الدينية والثقافية في العالم العربي … وقد لا نذهب بعيداً عن أسلوب أد طريقة نشأة بعض النخب العربية خاصة تلك التي تمكنت من الوصول إلى الحكم من خلال الانقلابات العسكرية أو تلك النخب التي تعتمد في بقائها على ارتباطاتها بدوائر أجنبية أو من خلال تلاحمهما مع نخب أخرى تضمن لها البقاء والدليل على ذلك ما يحدث في مصر الآن من التزاوج بين النخبة الاقتصادية النخبة السياسية (التزاوج بين الثروة والسلطة) .

يقول جواد السعيد في دراسته “نظرية النخبة في المفهوم السياسي ”

ولا يقتصر تكوين النخبة على أهل الثراء وأصحاب المصالح الاقتصادية بل قد تكون النخبة من رجالات العلم وحملة الشهادات العليا ورجال الدين وقد تكون النخبة مزيجاً من كل هذه الشرائح وإذا كانت النخبة تحتل المناصب الهامة في الحكومة فإنها تعتمد بالمناصب الثانوية الشكلية إلى أفراد من عامة الشعب تختارهم وفق مواصفات خاصة أما بأغرائهم أو استيعابهم وضمان سكوتهم وامتصاص حالة غضبهم لتقليل المشاكل الداخلية أو لإضفاء مزيدا من الشرعية عليهم لغرض السيطرة على الشعب وغالباً ما تنتهي مهمة هذه العناصر المختارة وبهذا تكون النخبة قد حققت غرضها بالخلاص من هذه العناصر الطامحة للمناصب الحكومية ولكسب تأيد الشعب ولو لفترة مؤقتة كما أن هذه العملية كلها تمكن النخبة من تفكيك القوى الشعبية التي قد تعكر عليها الأمن والاستقرار إذا بقيت منظمة بشكل جيد ومن هنا نستطيع القول أن استقطاب بعض الأفراد من عامة الشعب هي إحدى وسائل النخبة للسيطرة على الشعب إضافة إلى اتباعها وسائل أخرى منها /

أولا : السيطرة على الموارد الاقتصادية وضبط مصادر الإنتاج لأنها تشكل وسيلة إغراء جيدة وكأداة ضغط على أفراد الشعب .

ثانياً : استغلال وسائل التعليم والإعلام إلى أقصى حد ممكن لغرض نشر وترويج المبادىء والقيم التي تؤمن بها النخبة ومن أجل إضفاء الشرعية عليها ولتسخير الرأي العام لخدمة أهدافها .

ثالثاً : قابلية النخبة على الاستجابة المؤقتة لمتطلبات المرحلة بسبب بعض الضغوط من قبل الشعب وقد تتخذ إجراءات مؤقتة لتغير مواقفها وتضع حلول تناسب الأوضاع الراهنة كي لا تفسح المجال لاستمرار النزاعات وتطورها التي تؤدي بالنتيجة إلى أضعاف جماعة النخبة .

سلبيات النخب العربية (سياسية / ثقافية / دينية )

– النخبة السياسية /

من أكثر أخطاء النخب العربية تجاة المواطن العربي النظرة الدونية والمتمثلة في الاعتقاد بعدم الوعي وأنه لا يمتلك القدرة على تقدير الأمور ومن هنا نشأت وترسخت لدى النخبة ضرورة أن يكون هناك وصاية من جانبها على الجماهير ويبقى فقط أن نبارك ونؤيد كل ما تقرره النخبة من إرادات ويشهد الواقع السياسي في العالم العربي أنه لا مجال للحوار وتغلبت لغة المنولوج على الديالوج وهناك تمفصل بين القواعد (المواطنين ) والنخب حتى على مستوى الأحزاب السياسية فالحزب عادة في العالم العربي مقسم بين فئة مسيطرة مستمرة جاثمة على الحزب تضيق بالآخر (الأعضاء) وهي وحدها التي تملك الرؤى والبصيرة وهي التي تقرر … والأعضاء مجردون من حق المشاركة الواعية الفاعلة … أي العلاقة بين الطرفين تفتقر إلى التكاملية .

الواقع أن النخب السياسية في العالم العربي تختلف في تكوينها عن مثيلاتها في الغرب وذلك نظراً لأختلاف مراحل التطور والانتاج الديمقراطي فالغرب شهد حلقات متواصلة من التطور ساههم في خلقه مفكرون كبار في مختلف المجالات والتي يأتي علي رأسها المجال السياسي من خلال كتاب مرموقين أمثال جون لوك وهوبز ورسو وفولنتير ومونتسكيو وتوماس مور وماركس إلخ كما ساهمت أفكار بعض المصلحين أمثال مارتن لوثر وغيره من الفلاسفة كنخته وهيجل ونيتشه وكالفن وبنتام وستيورات مل في وضع لبنات علي البناء النخبوي السياسي … حتي أصبحت النخب السياسية في الغرب قادرة علي التفاعل مع غيرها من النخب خاصة الثقافية في تجسيد مطالب المواطنين والحفاظ علي الديمقراطية والمواءمة بين حقوق المواطن ودور السلطة – أما في العالم العربي … فإن الوضع مختلف تماماً حيث كان للحكم المستبد والطغيان وما يمارسه الحكام من إقصاء وتهميش الاخر ولعل ما حدث مع الوليد بن رشد من سجن ونفي وإقصاء وما تعرض له ابن المقفع والكندي والحلاج من قتل وتشريد لهو دليل قاطع علي الفرق بين ظروف نشأة النخبة في الغرب والشرق إجمالاً ومن ثم فإن العالم العربي لم ينجح في خلق نخب سياسية تتمتع مثيراً بالقبول الشعبي ونلاحظ أن النخب السياسية في العالم العربي عبارة عن /

– النخب المتحولة من العمل العسكري والمنخرطة في السياسة وذلك بعد لاقيام بالانقلابات العسكرية أو الثورات كما حدث في مصر حيث تحول العسكريون إلي سياسيين واصبحوا بعد ذلك أعضاء التنظيمات السياسية حيث أن بعضهم مازال حتي الان يمسك بزمام بعض الاحزاب العاملة أو المجالس النيابية .

– أعضاء الاحزاب التاريخية كحزب البعث العربي الاشتراكي وحزب الوفد في مصر وحزب الامة في السودان … والمعلوم أن كوادر هذه الاحزاب تعرضت خلال فترات سابقة ومازالت حتي الان تلاحق من قبل الجهات الامنية مما تسبب في العزوف عن الانضمام إليها تاركة المجال لقوي أخري مرتبطة بالسلطة كي تتبوأ موقعها كنخبة سياسية متحكمة .

– القيادات النخبوية الحزبية التي ولدت من رحم السلطة كالحزب الوطني في مصر وحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان أو جماعة ما يسني باللجان الشعبية في ليبيا .

– نخب سياسية تعمل في السر أو غير مسموح لها بالعمل السياسي المنظم ويندرج تحت هذه الفصيلة أعضاء الاحزاب الشيوعية في البلدان التي لا تسمح بنشأة هذه الاحزاب وأعضاء المنظمات والجماعات الدينية والسلفية كما هو الحال مع جماعة الاخوان المسلمين .

– نخب نشأت مرتبطة بالمستعمر الاجنبي ومن منطلق طائفي كحالة حزب الكتائب اللبناني .

– نخب نشأت كرده فعل مقاوم للتدخل الاجنبي والتهميش الداخلي كحالة حركة أمل وحزب الله في لبنان .

– نخب نشأت أعتماداً علي شخصية زعيم ما ودوره فأصبح هو محور ارتكازها ومبرر وجودها وتبقي هذه النخب في حالة علاقة التابع وتنتهي هذه النخب بمجرد غياب منشئها أو تحوله مثال ما حدث مع حزب مصر العربي الاشتراكي الذي فقد أغلب أعضائه بمجرد إعلان السادات قيامه بإنشاء الحزب الوطني الديمقراطي ( هذه التصورات عي رؤية الكاتب )

أن من أهم ظواهر العلاقة بين النخبة والمواطنين في عالمنا الغربي أن هذه العلاقة ظلت سلبية منذ وقت طويل والشاهد على ذلك أن المجتمع العربي ما زال من أكبر المجتمعات التي تعاني من الأمية ومن أقلها وعياً بالثقافة … وتكاد تندر فيه قوى الحراك الاجتماعي المنظم القادرة على بعث ونهضة المجتمع وهذه المجتمعات ما زالت معدلات النمو الاقتصادي فيها أقل من إمكانياتها البشرية والطبيعية من ثروات وزراعة … وهي أكثر المجتمعات إسرافا وتبذيراً واستنزافاً للموارد … ثم أن النخب العربية فشلت فشلاً ذريعاً في إيجاد ولو مجرد نقطة التقاء واحدة بين الشعوب .

– هناك حالة من الريبة والارتياب بين النخب والجماهير فالجماهير ترى في النخب السياسية الحزبية مستفيدة من موقعها فهي أقرب إلى النظم منها إليها … خلق هذا حالة من عدم الثقة بين الطرفين قد تنتهي بعض الأحيان في محاولات الجماهير الاعتداء على بعض الرموز النخوبية .

– أن من أشد سلبيات النخبة السياسية في العالم العربي أنها تساعد على شخصنة السلطة حتى ولو كانت في غير صالح المجتمع فمن النخب العربية من يعمل على إشاعة قيم الموافقة والتبشير بأهمية الإبقاء على النسق السياسي القائم وأصبحت النخبة موظفة داخل كل القضاءات الفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية .

– ترتبط عضوياً بالنظم القائمة فهي كما سبق تساعد على شخصة وشرعته السلطة مقابل حماية السلطة لها ورعايتها ويتعدى هذا إلى تقديم منافع لها … وهي بذلك أي النخبة تقوم بدور المحلل كما هو الحال في الزواج .

– تعمل النظم الحاكمة (بمنهج العصا والجزرة أو الترويض والاستيعاب ) على الإبقاء على شعره معاوية مع النخب وتعارض أي محاولات للقضاء عليها … وعادة تكتفي بتقليم أظافرها وخلع أنيابها حتى لا تتحول إلى قوة معارضة يطلق البعض على هذا تدجين النخبة

– الاعتقاد الجازم لدى هذه النخبة في أن الانخراط في العمل السياسي هو العنصر أو العامل الأساسي في عملية التغيير الاجتماعي ومن اتجهت إلى العمل السياسي لتحقيق طموحات وأهداف شخصية .

– الفشل في تطوير الأداء الحزبي وحرمان القواعد الشعبية من التطوير الديموقراطي في المحضر من ظاهرة العزل السياسي حتى لأعضاء الحزب الواحد ـ والواقع أن الظاهرة هي رؤية كل النخب الحزبية في العالم العربي فهي أول من يرفض الديموقراطية بمجرد الوصول إلى السلطة وها هي بعض رجالات النخبة السياسية في مصر والتي كان بعض أفرادها ممن يدعون في مؤلفاتهم إلي ضرورة الديموقراطية وتوسيع المشاركة السياسية وتداول السلطة أصبحوا أول من تنكر لهذا التوجه بل أن منهم من يصر على عدم تغيير الدستور وإزالة ما يتضمنه من تشوة يحول والتداول السلمي لسلطة أو خلق منافسة شريفة في الانتخابات الرئاسية بل أن أحد أساتذة علم السياسة المحسوبين على النخبة السياسية انهم من يطالبون بتعديل الدستور بقلة الأدب .

… وأود أن أشير إلى رؤية الأستاذ نبيل عبد الفتاح حول طبيعة النظام السياسي في مصر والذي من وجهة نظره يحكم بواسطة حزب يتسلط يرفض فكرة تداول السلطة ويمارس الأقصاء القسري على المعارضين … وهو للأسف يمثل الجزء الأكبر من النخبة السياسية في مصر .

يتساءل نبيل عبد الفتاح : هل يمكن أن يتم الإصلاح السياسي دون تغيير شامل للدستور المصري الذي يراه معبرا عن مرحلة تسلطية في السياسة والحكم المصري ؟ ويضيف إلى التساؤل بتساؤل آخر هو لماذا الخوف من الإصلاح الشامل ؟ ويجيب عبد الفتاح بأن سياسة الخوف هدفها استمرار الأوضاع القائمة من اختلالات وانهيارات في انتظار يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون وتذهب زينة الحياة وسلطانها وزخرفها السياسي ويضيف الكاتب أن سياسة الخوف هي التردد من إجراء تغييرات تؤدي إلى فتح ملفات وجوه بارزة في الحياة السياسية وفي عالم رجال المال والأعمال والصحافة والإعلام والثقافة وفي وسط رجال وسيدات أعمال المجتمع المدني وفي عالم بعض الجمعيات الوهمية الممولة من الخارج إنها الخوف من المساءلة والشفافية والوضوح والاستقامة والمسئولية ويؤكد د. عبد الفتاح أن هذه السياسة ما هي إلا محاولة لمد عمر السياسة الإكلينيكية لمملكة الديناصورات السياسية التي تحاول أن تستمر فوق إرادة الطبيعة والحياة وقوانين البشر .

ويرى عبد الفتاح أن خطاب الإصلاح الذي تروج له الدولة لا يهدف إلا إلى إرسال إشارات للإعلام الغربي بأن هناك استجابات بطرح مبادرات إصلاحية وكسر حدة الغليان والغضب الداخلي من استمرارية الجمود السياسي وشيخوخة النظام وصفوته الحاكمة وإعطاء الانطباع بأن السلطة السياسية المصرية لا تخضع لضغوط خارجية .

النخبة الاقتصادية /

يقول السيد / محمد علاونة في دراسته “من هم النخبة الاقتصادية” نخبة الاقتصاد الذين تستفتي آراؤهم في مشاريع قوانين اقتصادية جوهرية لا يستطيعون أخد الجياد ولا يقدرون أن يكونو معتدلين في طرحهم خوفاً على مصالحهم الشخصية كون غالبيهم من رجال الأعمال أو مسئولين يملكون شركات ومساهمات أن من الحكومات من يضم هذه النخبة .. وهي بالطبع السبب الرئيسي فيما يحدث من أزمات اقتصادية وبطالة وفقر … إلخ

وفي دراسة لي على الحوار المتمدن تحت عنوان “جماعات المصالح الاقتصادية خصوصية الأهداف وقصور الرؤى بتاريخ 4/3/2010 (33) طرحت رؤيتي في هذه الجماعات ورأيت أفكار تمثل النخبة الاقتصادية في مصر وذكرت أنها تعمل على تحقيق مصالحها الاقتصادية بكل السبل والوسائل بغض النظر عن المصلحة العليا للمجتمع المصري … وأشرت إلى دور النخبة الاقتصادية في وضع وتعديل السياسات النقدية . والسياسة المالية في مصر بالقدر الذي يخدم مصالحها في توجيه السياسيين لمصالحها فما لا شك فيه أن هذه الجماعة حاولت ونجحت في العديد من المطالب التي تمثل مصالح خاصة بهم من أبرزها /

– تعديل الهيكل الضريبي بما يخدم أهدافها مثل التركيز على تخفيض فئة الربط الضريبي المباشر على حساب الضرائب غير المباشرة (الإنفاق) بحيث يجنون الأرباح ويسدد المستهلك الضريبة .

– تخفيض الرسوم الجمركية على العديد من السلع والمنتجات تامة الصنع لصالح فئة المستوردين المنضوين تحت جماعة المصلحة .

– التأثير على حجم الاتفاق الحكومي بما يخل بالمبادىء الأساسية كالعدالة في التوزيع حيث تم ترتيب أولويات الإنفاق العام بما يخدم مصالح جماعات الضغط .

– العمل المستمر على تخفيض سعر صرف اجنيه المصري بدعوى أن ذلك سوف يؤدي إلى زيادة الصادرات على الرغم من ظروف الاقتصاد المصري والمتمثل في ضعف مرونة عرض الإنتاج وارتفاع تكلفة الإنتاج بالمقارنة بالمنتجات الأجنبية المثيلة فضلا عن أن مصر تستورد أكثر من 80% من الوسائط والمدخلات والسلع الغذائية وأذكر في هذا السياق بقرار رئيس وزراء مصر الأسبق في عام 2003 والذي تضمن تخفيضاً إدارياً لسعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية استجابة لطلب جماعة رجال الأعمال (النخبة الاقتصادية) وقد أدى هذا إلى زيادة أعباء المواطنين وارتفاع تكاليف المعيشة ولم يجن الفوائد في هذا سوى عدد قليل من جماعة المصالح الاقتصادية وبعض المصدرين .

– الحث الدائم على استكمال برامج الخصخصة وغلق المصانع القائمة وتحويل المعدات إلى خردة وتبوير الأرض ثم المضاربة عليها (نذكر في هذا الصدد أنه ما يزيد عن 50% من إجمالي المصانع تم خصخصتها وتم الاستغناء عن العمال بها وآخرها شركة النصر للسيارات وقبلها شركات الغزل والنسيج وفي الطريق شركة الحديد والصلب والجدير بالذكر أن تخريب المصانع كان يتم تحت ضغط النخب الاقتصادية وذلك بالتوقف عن إجراء عمليات الإحلال والتجديد وإصلاح الهياكل التمويلية والمالية للشركات مما يضطرها للسحب على المكشوف وتعثرها حتى يوجد المبرر لخصخصتها أو تصفيتها ( لقد أدي التوسع في برامج الخصخصة دون دراسات ممحصة إلي مزيد من البطالة مما ساهم في زيادة حالة الاحتقان الاجماعي ووتيرة العنف والتفكك الاسري وأنفلات الشارع المصري زد علي هذا ضياع جزء كبير من رأس المال الاجتماعي لصالح فئة قليلة من النخبة الاقتصادية ) هذا رأي الكاتب .

– استغلال الأراضي المملوكة للدولة والبناء عليها مقابل مبالغ زهيدة ثم يتم عرض العقارات المبنية أسعار خيالية لم يستفد منها المواطن ذو الدخل المتوسط .

– الضغط على الحكومة للتوسع في إقامة مناطق التجارة الحرة للاستفادة فقط من ميزات إلغاء الرسوم الجمركية على وارداتهم ونذكر في هذا الصدد أن المواطن المصري لم يستفد مثلاً من إلغاء الرسوم الجمركية على وارداتهم ونذكر في هذا الصدد أن المواطن المصري لم يستفد مثلاً من إلغاء الرسوم الجمركية على الشاي المستورد من دول منطقة التجارة الحرة للكوميسا والتي هي صفر% وما زالت أسعار الشاي على حالها بل وارتفعت أخيراً والفروق ذهبت لجيوب المستوردين كما يشار في هذا الصدد نجاح جماعة المصالح في عقد اتفاقية الكويز (هي اتفاقية تجارية وقعت في القاهرة في 14/12/2004 بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة وتسمح هذه الاتفاقية بإنشاء مناطق صناعية مؤهلة لتصدير منتجاتها إلى الولايات المتحدة معفاه من الرسوم الجمركية بشرط أن يكون وفقاً للاتفاقية لإسرائيل نسبة مكون محلي لا تقل حالياً عن 7% وهذه الاتفاقية تحقق مصلحة بعض جماعات المصالح ذات الصلة بإسرائيل والولايات المتحدة وقد (سبق مصر الأردن في توقيعه على مثل هذه الاتفاقية بضغط من جماعة المصالح الأردنية المرتبطة عضويا بالولايات المتحدة وإسرائيل .

– تعديل القوانين كما حدث في قانون المنافسة ومنع الاحتكار حيث أجرى عليه تعديل بعد صدوره بيوم واحد لصالح المحتكرين .

– الضغط حالياً لإلغاء الدعم .. وجعله نقدياً وهو هدف تسعى إليه النخبة الاقتصاديةحيث من المعروف أن أي زيادة في الدخل لدى الفئات الفقيرة يوجه منه الجزء الأكبر للإنفاق على الضروريات وهو الأمر الذي يعني زيادة موارد كبار الصناع والتجار نتيجة زيادة الاتفاق .

– تعطيش السوق من خلال نقص المعروض من منتجات هامة لرفع أسعار البيع بعد ذلك وخير مثال سلعة الأسمنت .

– احتكار إنتاج بعض السلع كالحديد والعمل باستمرار على رفع أسعارها في الوقت الذي ينجح فيه المحتكرون من أعضاء النخبة الاقتصادية في غلق الاستيراد أو دفع الحكومة لفرض رسوم إغراق أو فرض إجراءات وقائية مما أدى إلى ارتفاع غير مبرر للأسعار أدى إلى رفع تكلفة التشييد والبناء … والأرباح يجنيها عدد محدد من أعضاء جماعات المصالح المرتبطين بالحزب الحاكم .

– العمل على إسقاط الاستجوابات المقدمة من أحزاب المعارضة والتي تتهم الحكومة بتجاوزات أو حالات فساد .

– مساندة بعض الفاسدين وتسهيل هروبهم من البلاد كما حدث مع مالك العبارة السلام والتي راح ضحيتها أكثر من ألفي مواطن مصري بخلاف منقولاتهم .

– بعض المستوردين من النخبة الاقتصادية غير الملتزمين باستيراد السلع المطابقة للمواصفات أو الصالحة للاستهلاك الآدمي وقد كانت شحنات القمح المستوردة من روسيا مثال حي على هذه التجاوزات .

النخبة الثقافية :

قبل الولوج في مفهوم النخبة الثقافية فإننا سوف نلقي بعض الضوء على مفهوم الثقافة والمثقف فالثقافة تعرف بأنها مجموعة من الأشكال والمظاهر لمجتمع معين تشمل عادات وممارسات ، قواعد ومعايير كيفية العيش والوجود من ملابس ، ومن طقوس وقواعد السلوك والمعتقدات ومن وجه نظر أخرى يمكن القول أن الثقافة هي كل المعلومات والمهارات التي يملكها البشر وهى نتاج خاص بالجنس البشرى مميز له عن بقية الكائنات ومن هذه الزاوية تعرف بانها الاطار الذى من خلاله يدرك الانسان ما حوله ومن ثم يسلك ويتصرف وفقا لهذا الادراك … كما أنها كل ما يتعلق بالعلوم والفنون والآداب والمعتقدات وهو المجموعة المعقدة التي تشمل المعارف والمعتقدات والفن والقانون وكل ما يكتسبه الإنسان وهى بذلك تشمل المعطيات الفكرية والعاطفية والمادية أو هي ذلك الكل المعقد الذي يشتمل على المعرفة والعقيدة والفن والأخلاق والقانون والتقاليد وغيرها من القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان من المجتمع ويعرفها الدكتور أنور عبد الملك بأنها كل ما يصور تجارب الإنسان شعرا ونثرا ولونا وتراثا …. وشكلا وصورة و كل تغييرا أيا كان شكله ونمطه وهدفه وأصالته ونوعيته وكل ما من شأنه أن يخرج أحوال الناس من برجها الذاتي إلى ساحة الإدراك والتذوق والفاعلية واخرون يرون ان الثقافة هى جملة ما يبدعه الانسان والمجتمع على صعيد العلم والفن ومجالات الحياة الاخرى المادية والروحية .

أما د. فؤاد زكريا فيرى أنها الاستمرار في الفهم وهي ليست أمانا واطمئنانا وليست ترفا وهدوءا وإنما هي العيش في خطر وهى قلق وتوثب دائم .

وهي حياة متحركة متفاعلة تدفع المثقف ليس للاطمئنان إلى الواقع وإنما إلى ما يجب أن يكون في مجتمعه وعالمه وهى جهد ايجابي خلاق .

ويعرف علم الاجتماع بأنها اتجاهات وقيم سائدة في مجتمع معين كما تعبر عنها الرموز اللغوية والأساطير والطقوس وأساليب الحياة ومؤسسات المجتمع التعليمية والدينية والثقافية ( قاموس أكسفورد ) وهى على المستوى الانسانى ” صقل للذهن والسلوك والذوق وتنميته وتهذيبه ” ومن ثم فالثقافة عمليه مستمرة لرعاية وإعداد العقل والروح الإنسانية .

وتتكون الثقافة من الطرق التي يتعلمها ويكتسبها الإنسان للعمل والشعور والتفكير . اكثر من كونها وراثية اى محددة بالمقومات البيولوجية .

ثانياً : من هو المثقف ؟

المثقف هو الشخص الذي يمارس العمل الذهني والتفكير وينتج الآداب والعلوم والفنون ويخترع التكنولوجيا ويعرف المثقف بأنه ذلك الشخص الذي ينتج كل الدوال اللفظية والبصرية من شعراء وناثرين وكتاب وموسيقيين وفلاسفة وتشكيليين وسينمائيين ومسرحيين …. وهذا أن دل على شيء فإنما يدل على مدى تعدد فروع الثقافة وكثرة أقطابها ومسالكها وتعدد مزاوليها من البشر

ويرى د. فؤاد زكريا أن المثقف ليس الايديولوجى الذي يقيس مظاهر الثقافة وتوجهاتها بمسطرة باردة من المعايير الأيديولوجية التي لا تعرف ألا منطلقا أحاديا يفسر الناس على السير فيه كأنهم جداول ماء متدفق في أنابيب لا حول لها ولا قوة في توجهها والبعض يرى أن المثقف رمز من رموز التغيير فهو يعمل بدون أن ينتظر المكافأة .

أن المثقف هو رجل الاختيار ورسم البدائل لشعبه وأمته أو هو ذلك الفرد الواعي بما يدور حوله من أحداث وما يمتلكه من حصيلة معارفه ويعمل بموضوعيه على خلق حاله من الوعي لدى المواطنين للوصول إلى موقف معين يتفاعل معه في صياغة الوعي المجتمعي لإحداث تغيير في الأوضاع السائدة ومن أهم صفات المثقف الدور النقدي التنويرى والاندماج المجتمعي والمثقف عند سارتر ليس مسئولا عن نفسه فقط بل مسئول عن كل الناس وأن الدور المحوري للمثقف يتركز في النضال الواعي ضد السلطة المتسلطة وهو الذي يقدم رؤيته النقدية والتنويرية للمجتمع ويرى المفكر الامريكى نعوم شوميسكى بأن المثقف هو من حمل الحقيقة فى وجه القوة وثمة تصنيفات عديدة للمثقفين تعود لرؤى فكرية وإيديولوجية وغالبا ما يصنف المثقف ضمن الطبقة المتوسطة لكونها فئة وسيطة بين الطبقة العليا التي تملك السلطة والنفوذ والجاه والقرار والامتيازات والطبقة الدنيا وهى الطبقة العاملة من فلاحين وعمال ورعاة وحرفيين . ويتمثل دور هذه الطبقة في توعية الجماهير الشعبية وتنويرها وتأطيرها ما دام المثقفون لهم دور الريادة في توجيه دفه المجتمع وقيادته وإرشاده وهو الشخص الذى يسعى الى احداث تغيير فى المناخ الاخلاقى وتحسين اوضاع البشر ومن هنا تأتى أهمية الرسالة المنوطة بالمثقف وهناك من المثقفين من يعبر عن طبقته الاجتماعية ويناضل من اجلها . وهناك من يتسلق إلى الطبقة الحاكمة ويتناسى جذوره الاجتماعية .

وهناك من ينتمي إلى الطبقات العليا كالطبقة الارستقراطية ولكنه ينزل إلى الشعب ليدافع عن الطبقات الكادحة .

وهناك من يصنف المثقف إيديولوجيا إلى المثقف الرجعى في مقابل المثقف التقدمي المثقف المحافظ مقابل المثقف الليبرالي أو مثقف اليمين مقابل مثقف اليسار أو المثقف المناضل المخلص الصادق مقابل المثقف المزيف . وهناك من يرتب المثقف حسب الهرم الاجتماعي فيقول مثقف الطبقة العليا ومثقف الطبقة المتوسطة ومثقف الطبقة الصغيرة .

أما المفكر الكبير د. ادوارد سعيد فيرى في المثقف أن يكون مستقلا عن اى جهة أو سلطة كيلا يرتبط بأي قيود تحد من تفكيره أو توجه مساره

  • وعليه أن يبنى القيم والمثل العليا كقيمة العدالة والحرية له ولغيره
  • عدم قبول الحلول الوسط فيما يخص هذه القيم يشارك في الحياة العامة
  • أن يتجاوز التوجيهات أو الإيديولوجيات الجذابة الخادعة وان يتجاوز أي صفة حزبية أو فئوية متعصبة أو مذهبية متجمدة .

وليس من الضروري أن يحمل المثقف شهادة عليا أو يكون مالكا للغة الخطاب فقط ولكن يجب أن تكون ثقافته عامة تخاطب الناس بعقلانية ووعى ويكون دفاعه عن أفكاره وثقافته بهدف تغيير الواقع السىء وعليه أن يسجل بكل جرأة ووضوح شهادته ورأيه .

والاصل أن يكون المثقف صادقا يفضح الفساد ويدافع عن المستضعفين وعندما يتخلى المثقف عن رسالته ويفرط فى مبادئه فهو مثقف خائن لأفكاره وشعبه .

كما أن المثقف ليس باللعان والشتام ولكي يحافظ المثقف علي استقلاله الفكري وجب عليه ان يبتعد عن اى عمل حكومي أومؤسساتى خاص وعدم الالتزام بالنصوص الجامدة ولا يضغى عليها طابع القداسة حتى يمكن له أن يكون متعدد الثقافات وقادرا على التعبير الحر الذي لا يقبل المهاونة وهذا هو الحصن الحقيقي للمثقف .

وهناك المثقف التقليدي الذي يقف عند استاتيكا الواقع وعادة يكون مرتبطا بالسلطة وهو لا يخلو من بعض السمات الانتهازية فهو يبدل قناعاته وفقا لمصالحه وعلاقته بالسلطة بخلاف المثقف الثوري الذي يرى أهمية التعبير في المجتمع ودائما على خلاف مع السلطة وتتباين توجيهاته مع أسلوب الحكم ويرفض المواقف والسياسات السائدة .

ويرى الدكتور سمير أمين ان المثقف الثورى هو من يرفض الخضوع لمقتضيات العولمة الرأسمالية ويشترك فى انتاج المشروع المجتمعى النهضوى ومن هذا كله نصل إلي أن النخبة الثقافية هي العقول التي تثري الحياة الاجتماعية بخطاباتها لأجل زرع أفكار جديدة ولذا نجد أن هناك من يربط بين النخب الثقافية وأهل العلم والفكر عبر التاريخ .

لمحمد نبيل الشيمى .

المركز الديمقراطي العربي- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate