اصلاح دينيحداثة و ديمقراطية

مثقفون يدعون إلى ترسيخ الفكر التنويري في المجتمع لمواجهة الإرهاب والتطرف.

يمثل الإرهاب والفكر الظلامي ظاهرة خطيرة في المجتمعات، تسعى إلى هدم الثوابت وتقويض المرتكزات التي يستند إليها الوعي والجمعي، من خلال الترويج لثقافات هدامة، طارئة وغريبة على المجتمع والأديان. وهي ظاهرة لا تعالج الأساليب التقليدية فقط، حيث من الضرورة أن تتزامن تلك المعالجة مع الترويج لثقافة تنويرية تستند إلى العقل والتسامح والتعايش المشترك، باعتبار الثقافية هي آخر الحصون التي تراهن عليها المجتمعات للحفاظ على الوعي والهوية والسلوك والمجتمعي القويم.
ويؤكد مثقفون أن ما نراه من احتكار بعض التيارات المتأسلمة لحياة الناس باسم الدين لهو مناف لما أراده الإسلام في جوهره السمح، فهو «دين عقلاني إلى أبعد تقدير، بيد أن الوصاية عليه من جانب بعض الأفراد والجماعات أدى إلى هذه التشوهات التي نراها..».
«الدستور» استطلعت آراء كوكبة من المثقفين والمفكرين، حول هذه الظاهرة، والسبل الناجعة لمواجهتها، فكانت هذه الرؤى..

 د. أحمد خريس:
جاءت ثقافة التنوير ردة فعل على الكنيسة، التي احتكرت الحياة والدين، لكن الحضارة العربية الإسلامية انطلقت من مفهوم أوسع لحياة الإنسان على هذه الأرض، مسترشدة بقول النبي الكريم: أنتم أعلم بأمور دنياكم، ومن هنا فإن ما نراه من احتكار بعض التيارات المتأسلمة لحياة الناس باسم الدين لهو مناف في ظني لما أراده الإسلام منا، ذلك أنه دين عقلاني إلى أبعد تقدير، بيد أن الوصاية عليه من جانب بعض الأفراد والجماعات أدى إلى هذه التشوهات التي نراها، ويكفي سوء الفهم والطوية إلى إسباغ صفة اللاعقلاني على الدين، مترافقاً مع أبشع الممارسات العنفية، والقتل، والتهجير باسمه، لذا فجذر العنف كامن في تأويل العلاقة بين الديني والدنيوي، وكلما أوغل التأويل باتجاه الحاكمية للدين، وهي كلمة حق أريد بها باطل، زاد العنف بأشكاله، ولو نظرنا في مؤلفات العصور الإسلامية الأولى وحتى ما بعدها، سنرى انفتاحاً حقيقياً على الحياة، فالمسلم مأمور بالعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، أما ما يحصل على الأرض الآن فهو نقيض لذلك، وكأنما خلق الناس ليستعدوا إلى الموت، وكأن الحياة قنطرة قصيرة يعبرونها ركضاً.

 د. زياد أبو لبن:
منذ عقود ونحن نتحدث عن ثقافة التنوير في مواجهة الفكر الظلامي المتمثل بالجماعات التكفيرية، باعتبارها تمثل الإسلام، وهي بعيدة عن الإسلام بعداً كبيراً، لكن العقبة التي تواجه المدّ التنويري في مواجهة المدّ الظلامي، تلك الأنظمة العربية، التي ظنت أنها تحمي عروشها بهؤلاء منذ عقود سبقت، وأن خطر هؤلاء مستبعد، فظنت أن الخطر يأتي من أصحاب العقول النيرة، بما تحمل تلك العقول من أفكار ثورية تسعى لتغيير ما هو سائد، فبقيت الأنظمة تحاربهم بدعوى الشيوعية من جانب والقومية من جانب أخر والعلمانية من جانب ثالث، وهكذا من دعاوي تختلقها الأنظمة لحماية نفسها، فانقلب السحر على الساحر، وأصبحت الأفكار الظلامية ودعوات التكفير تلقى آذاناً صاغية، تربت هذه الآذان عليها منذ زمن بعيد، وتحارب الأنظمة التي رعتها وشجعتها، كما تحارب كل الأفكار التي لا تتفق معها تحت راية الإسلام والكفر.
وتنبهت تلك الأنظمة – الآن- لخطورة ما هي عليه، وبدأت ترفع شعارات مقاومة الجماعات التكفيرية، وتطرح ثقافة بديلة في مواجهة الواقع الجديد، لكنها ثقافة السلطة التي تعمل على الإلتفاف حولها في مواجهة الخطر، وليس ثقافة التنوير، فالسلطة تظن أن هذه الثقافة تضع السلطة والتكفيريين في كفّة ميزان واحد. لذلك تلتف السلطات العربية الحاكمة على الأفراد والمؤسسات التابعة لها، وتغيّب المعارضة باعتبارهم يشكلون خطراً لا يقل عن خطر التكفيريين في مرحلة ما، فما تزال السلطات العربية تفكر بالتقريب والإقصاء في مواجهة الخطر، فإذا لم تستطع احتواء الأشخاص أو مؤسسات المجتمع أو الأحزاب فإن مصيرهم الإقصاء، والبديل متوفر.

 د. يوسف ربابعة:
عند الحديث عن أثر الفكر التنويري على الثقافة الظلامية، يجب أولا أن نفهم العلاقة بين الفكر والمجتمع، أو بالأحرى الثقافة المؤثرة والمجتمع، حيث إن هناك ثقافة نخبوية فئوية، وهناك ثقافة ومجتمع تؤثر في أنماط تفكيره وسلوكه،والفكر يصبح تنويريا إذا تحول من نظرية عقلية عند شخص إلى فكر مجتمعي، وهو ما لم يحدث في بلادنا إذ بقيت الثقافة التنويرية محصورة في نخبة خاصة من المثقفين وفي بطون الكتب، ولم تتحول إلى ثقافة مجتمع، لأن آليات تحويلها من الورق إلى العمل بقيت قاصرة عن ذلك إما عن قصد أو عن غير قصد.
إن الفكر التنويري الذي قالت به مجموعة من النخب لم يجد طريقه إلى المجتمع، وفي هذا الصدد فمن المفيد أن نذكر أن مصادر الفكر في مجتمعاتنا هي: الأسرة والمدرسة وخطبة الجمعة، أي «الخطاب الديني بصفة خاصة»، ولو نظرنا إلى الأسرة لوجدنا أنها غير قادرة على بعث الفكر التنويري في عقول أبنائها، لأن الأب والأم أصلا ليسوا على قدر كاف من العقلانية المنشودة، أما المدرسة فهي ما زالت تتبنى مناهج قديمة تقليدية تعتمة التراث والماضي، بل يمكن أن تكون في بعضها ما زالت تعتمد الخرافة والوهم، وتبتعد عن التفكير العلمي والمنطقي، فضلا عن أنها لا زالت تؤسس لفكر غيبي مغيب عن الواقع، وأما الخطاب الديني فهو خطاب لا يخرج عن كونه قصصا يتداولها الناس للتسلية وقتل الوقت، ولا علاقة لها بالعلم ولا بالعقل ولا بالتفكير العقلاني. ومن هنا فإننا لا يمكن أن نتوقع أي تأثير لفكر تنويري قد يغير المجتمع في ظل هذه الظروف التي ذكرناها.
إن من أهم الشروط التي يجب اتباعها ليصبح الفكر التنويري مؤثرا هي أن تتبنى المؤسسات التعليمية والدينية هذا الفكر، وتجعله جزءا من مناهجها التعليمية، تطبقه وتحرص على أن يتعلمه الناشئة ليكون له ثمار ملحوظة في المستقبل، وبغير ذلك فإنه سيبقى حبرا على ورق، ولا ينتفع به إلا نخبة حالمة بمتعة عقلية نظرية.

 الشاعر السعودي د. أحمد قران الزهراني:
منذ بداية القرن الماضي والمفكرون العرب يسعون الى إيجاد صيغة فكرية ينطلقون من خلالها الى العالم الجديد حينذاك، فكان الاستعمار يقف جدارا صلبا في تحقيق طموحات النخب بالاستقلال العربي، واستطاع المفكرون والنخب الثقافية العربية أن يؤدوا دورا مهما في تحرر الشعوب العربية من الاستعمار، وبدأت مرحلة التنوير الفكري من خلال العلماء والدارسين في الغرب وبشكل خاص الذين درسوا في فرنسا، ورجعوا بأفكار نهضوية، سعوا من خلالها الى النهوض بالمجتمع العربي وانتشاله من مرحلة التخلف التي تركها المستعمر حتى يواكب المجتمع العربي المجتمعات المتقدمة، فكانت الدعوة الى الديمقراطية وتبني الأفكار التحررية والانسلاخ من الحقب الماضية بكل ما فيها، ومن هنا انقسم المفكرون الى فئتين : الأولى أرادت الانفصال التاريخي عن الماضي وتبني النظرية الغربية في كافة الجوانب الاجتماعية والسياسية، والفئة الثانية: عارضت بشدة وطالبت بتطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقا حرفيا وإعادة عصر الخلافة الراشدة ، وهنا كانت نقطة التحول من خلال انقسام المجتمع العربي الى فئات متصارعة ومتناقضة، وبالتالي لم يستطع المفكرون العرب إيجاد صيغة توافقية تجمع بين النظرية الإسلامية التي تتكيء على إرث ثقافي وديني واجتماعي موغل في العقلية والذهنية العربية، والنظرية الغربية، فولد التطرف الديني كردة فعل لعملية التغريب التي قادها كبار المفكرين مدعومين بوسائل الإعلام بكل أشكالها، و هذا الصراع هو الذي أفضى الى ما نعيشه من تطرف وإرهاب رغم الانفتاح الثقافي والإعلامي الذي نعيشه، فتوالدت من خلال ذلك الجماعات والمنظمات المتطرفة التي انتشرت على خارطة الدول العربية، ولكي نعيد ترتيب الوضع العربي علي المفكرين والعلماء العرب أن يخرجوا بنظرية توافقية تستفيد من النظريات الغربية ولا تلغي النظرية الإسلامية، والعمل على الاستفادة من الانفتاح الثقافي والإعلامي لتوعية الشباب بأخطار التطرف والإرهاب على الدين والمجتمع والدولة.

 الناقد عبد الله رضوان:
التنوير مرتبط بتحقق ثنائية العقل والحوار شريطة أن لا يكون ذلك منقطعا عن تاريخ وثقافة بل وحضارة الأمة ذات العلاقة، ذلك أن هدف «التنوير» هو إضاءة للجوانب المنحازة الى الحياة والى الإنسان سواء أكان ذلك من حضارة وثقافة الأمة ذاتها، أو من حضارات وثقافات أخرى تؤكد الانحياز الى الحياة والى الإنسان معا. على المستوى العربي نلتقي بثلاثة اتجاهات تنويرية جرى مأسسة اثنتين منها وبقيت الثالثة فردية لم يتسن لها من يؤسسها لا حزبيا ولا حكوميا علما بأنها هي الأولى تاريخيا، وأقصد بذلك المشروع التنويري الإسلامي الذي بدأ برفاعة الطهطاوي وعبدالرحمن الكواكبي والشيخ محمد عبده على المستوى الفكري الاجتماعي الديني معا، والشيخ علي عبد  الرازق على المستوى السياسي، لكن هذا المشروع ظلّ فرديا ولم يجر تحويله الى مؤسسة تتبنى أطروحاته لا على المستوى الحزبي ولا على المستوى الرسمي «الحكومي» ولذا ظل مثل نبت شيطاني له تأثيراته الفردية المحدودة جدا على عدد من النخب الاسلامية، ثم ما لبث أن تم وأده عبر كل من المشروع الظلامي الوهابي في السعودية، والمشروع الوسطي المتمثل بحركة الإخوان المسلمين، صحيح أن أفرادا هنا وهناك أعادوا أو حاولوا إعادة انتاج وتحديث هذا المشروع وبخاصة على يد محمد أركون ومالك بن نبي وحسن حنفي ومحمد الجابري وفهمي جدعان ومحمد الأنصاري لكن مجمل ذلك لم يتحول الى مؤسسة تنويرية.
المشروع الثاني كان سياسيا أساسا ثم عقديا وهو المشروع التنويري القومي ابتداء من ساطع الحصري وانتهاء بالرزاز وعفلق لكن منجزه السياسي كان منجزا قمعيا صادر مجمل الحوار وألغى مؤسسة العقل باتجاه عبادة الرجل الأوحد باسم الحلم القومي …أما المشروع التنويري الثالث فقد اختار المنهج الماركسي وبقدر عقلانيته غير المسبوقة بقدر قمعه السياسي غير المسبوق أيضا مع بروز أسماء مهمة على المستوى العقدي لعل أبرزها على الإطلاق هو المشروع التنويري المتكامل الذي أسسه مهدي عامل.طبعا نحن الآن أمام موجة ظلامية أظنها ستسود لسنوات قادمة بحيث يمكنني القول بثقة : على التنوير السلام.

 القاص نايف النوايسة:
نعم، اذا ابعدنا الانتهازية السياسية عن الاصلاحية الثقافية فإن ثقافة التنوير هي هي لم تتغير منذ بداية الخلق حتى الان.. اليست هذه الثقافة هي المعنية بالتغيير نحو الافضل والاجمل وإعادة دور الانسان الايجابي الى واجهة اي عملية تغيرية في بناء الحضارة؟ مثلا، صرخة الخليفة عمر بن الخطاب الخالدة بوجه الظلم «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم احراراً»، أليست دستورا ثابتا في ترسيخ مبدأ التنوير الحقيقي الذي يسعى اليه الجميع؟ وقبل ذلك ألم يقل نبينا محمد عليه السلام «انما بُعثت لأتمم مكارم الاخلاق»،؟ ومن وعي فاهم تجاوز كل حدود الارهاب والظلام والانا الحضارية الضيقة ألم يقل الشاعر الالماني جوته: اذا كان هذا هو الاسلام فنحن كلنا مسلمون.. نعم، التنوير كقضية ثابتة هي باقية ما بقيت النوايا الحقيقية في إنزالها من ترف الكلام المنمق والخجول الى الميدان والفعل حتى نكون بمستوى الفنان الاسباني بيكاسو الذي واجه النازية بلوحته الشهيرة «الجيرنكا»، التي ادان فيها الظلم وجرائم النازية وتمت مطاردته في اوروبا كلها.. الثقافة التنويرية هي التي تصنع الشهداء فمن منا يرضى بأن يكون شهيدا لقاء ثقافته التي تدعو للحياة الكريمة البعيدة عن»التوحش»، الفكري، ومحاكم التفتيش العصرية، والكراهية المذهلة التي يبثها الصهاينة في هذا العالم؟ من خلال الاعلام والتربية والاوعية الثقافية نستطيع القول بان نقطة ضوء حقيقية تنير الدرب وتزيل بقع الظلام من وجه الحياة الجميل.. السيادة للخير دائما، والتنوير الثقافي هو خير بالجملة.

 الشاعر مهدي نصير:
منذ بدايات تشكُّل الدولة العربية الاسلامية كان الصراع بين الإبداع والاتباع قائماً, وشكَّل هذا الصراع عبر التاريخ العربي الاسلامي المحور الأكثر أهميةً والأكثر دمويةً في حسم هذا الصراع مرحلياً لصالح مدرسة الاتباع والتقليد والفكر السلفي الذي يقدس النص ويقدس الماضي ولا يسمح بالخروج عليه .
نجد ذلك في الصراع الذي برز في الدولة الأموية بين المفكرين التنويريين كصفوان الجهمي وغيلان الدمشقي وغيرهم الذين سعوا إلى خلق مناخ من التفكير الحر في مقابل مدرسة الاتباع السلفية التي تبنتها الدولة الاموية والتي قدست النص والحاكم وكفَّرت كل فكرةٍ تنويريةٍ تجعل من النص والسلف إنتاجاً تاريخياً قابلاً للتطور والنقد والتغيير .
ونتيجةً لهذا الصراع الدموي بين المدرستين نشأت مدارس علم الكلام كالمعتزلة ونشأت بعض الفلسفات المتأثرة بالفلسفة اليونانية كفلسفة الكندي والفارابي وابن سينا والرازي ولسان الدين الخطيب وابن رشد وغيرهم في محاولةٍ لوقف تغوُّل الفكر السلفي الذي سيطر على ثقافة المجتمعات العربية والاسلامية سيطرةً شبه كاملةٍ ومدعومةٍ من أجهزة الدول العربية والاسلامية في المشرق والمغرب .
وللأسف خسرت هذه المدارس وهؤلاء الفلاسفة معركتهم أمام مدرسة الفكر السلفي والظلامي المسلحة بكل أدوات القوة التي وفرتها لهذا الفكر الدول والامارات العربية والاسلامية المختلفة مما مكَّن هذا الفكر الظلامي والمتخلف والذي يقف خارج حركة التاريخ والحياة من بسط سيطرته على كلِّ مفاصل الحياة في المجتمعات العربية وعملت على تعطيل كلِّ قدراته للخروج من النفق المظلم وجعلت المفكرين التنويريين منبوذين في مجتمعاتهم ولا دور لهم في تغذية وتطوير هذه المجتمعات.
وما زالت المعركة محتدمة حتى الآن بين ممثلي الفكر التنويري من قوميين ويساريين ومستنيرين اسلاميين والذين يسعون إلى الخروج بالمجتمع العربي من تخلفه المزمن إلى أفق الحضارة الإنسانية المتغيرة والمتطورة والقابلة للحياة والمشاركة مع الآخر وقبوله ومجادلته ومحاورته لصدِّ ووقف الفكر الظلامي الذي يسعى إلى خنق المجتمعات العربية وتهميش وتدمير حضورها في التاريخ والحضارة الانسانية التي تتقدم بخطى واسعة نحو آفاقٍ انسانيةٍ جديدة .  
المجتمعات العربية تواجه الآن معركةً مصيريةً بين أن تكون وبين أن لا تكون , بين أن تتبنى هذه  المجتمعات فكراً مستنيراً متطوراً يتبنى الحياة وبين فكرٍ متخلِّفٍ يقود مجتمعاتنا إلى الخروج من التاريخ ومن الجغرافيا أيضاً.

لعمر أبوالهيجاء.

الدستور – موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate