المرأة

التحجيب الإجباري للطالبات قد يدفعهن للتطرف الديني العراق نموذجا.

يشهد العراق استشراء الكثير من الظواهر السلبية في السنوات الأخيرة، لكن آخر تلك الظواهر اللافتة، هي ظاهرة فرض الحجاب قسريا على الطالبات في العديد من المدارس الابتدائية.

في مطلع شباط/ فبراير الجاري مثلا، ضجت مواقع “التواصل الاجتماعي” وبعض وسائل الإعلام، بخبر وفاة طالبة في إحدى مدارس الموصل والسبب عدم تحجبها.

توفيت الطالبة أثناء تأدية امتحانات نصف السنة، نتيجة تعرضها لنزيف إثر “طردها من المدرسة لعدم ارتدائها الحجاب” من قبل إحدى المعلمات، وفقا لوسائل إعلام محلية.

هل تفرض وزارة التربية الحجاب قسريا على الطالبات؟ نفت الوزارة عبر المتحدّث الرسمي باسمها حيدر فاروق، توجهها لإصدار أي إعمام رسمي يشدد على ارتداء الطالبات للحجاب في المدارس، قائلة إن هذا الأمر “مسألة شخصية”.

لكن الوزارة لم تستبعد أن تفرض بعض المدارس الحجاب على الطالبات بـ “توجيه داخلي” واعترفت بوجود التحجيب القسري، وفق تصريح للمتحدّت باسمها حيدر فاروق لصحيفة “الصباح” الرسمية.

تعارض مع الحقوق والحريات المطلقة

تقول رئيسة منظمة “آيسن” لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة أنسام سلمان، إن ارتداء الحجاب من عدمه هو حرية شخصية، ولا يحق لأي أحد فرضه على أي إنسانة.

وتؤكد سلمان استفحال ظاهرة تحجيب الطالبات قسريا في العديد من المدارس العراقية، لكن التحجيب القسري يتعارض مع الحقوق والحريات المطلقة التي مفلها الدستور العراقي، بحسبها.

وتضيف بأن ما تقوم به الكوادر التدريسية هو بعيدا عن أي تبويب قانوني سواء من وزارة التربية أو القوانين العراقية، فلا وجود لما يفرض الحجاب، لكي تفرضه الكوادر التدريسية.

أنسام وهي ناشطة نسوية ومدافعة عن حقوق المرأة، تفسر في حديث لها ، الأسباب التي تدفع بالكوادر التدريسية لتحجيب الطالبات، بأنها اجتماعية ودينية بالأساس.

في ذات الإطار، تداول رواد مواقع “التواصل الاجتماعي” رسالة لمديرة إحدى المدارس في مدينة الشعلة شمالي بغداد، تبلغ فيها أهل الطالبات بأن بناتهن لا يرتدين الحجاب في المدرسة، وأن ذلك يخالف الدين وعادات وأعراف وتقاليد المدينة المحافظة.

“نفور من الدراسة”

تسببت تلك الرسالة المتداولة بغضب واسع من ناشطي وناشطات “التواصل الاجتماعي” من إقحام الدين والعادات والأعراف المجتمعية بالحرم المدرسي ومحاولة فرض الحجاب على الطالبات عبر تلك الزوايا.

تقول أنسام سلمان إنها ومعها العديد من الراصدات لانتهاكات حقوق الإنسان، وجدن أن بعض الكوادر التدريسية تفسر النصوص القرآنية بغير محتواها الحقيقي لتخويف الطالبات في حال عدم ارتداء الحجاب.

كذلك تحاول بعض الكوادر التدريسية تقديس العادات والتقاليد وجعلها تابو في بعض المناطق المحافظة ذات الطابع العشائري، لإجبار الطالبات على ارتداء الحجاب، بحسب رئيسة منظمة “إيسن” لحقوق الإنسان.

وتحذر سلمان من آثار استمرار ظاهرة تحجيب الطالبات قسريا على الطالبات أنفسهن، ومنها أن استمرار الظاهرة سيجعل الطالبة تنفر من المدزسة وتكره الدراسة وربما تتركها، وهو ما يخلق أجيال غير متعلمة.

ومن الآثار السلبية الأخرى، هو أن بعض الطالبات قد يصبحن متطرفات دينيا، خاصة وأنهن في سن مبكرة وبسن المراهقة، وهو ما يجعل انجرافهن نحو التطرف الديني أمر ليس بالصعب، خصوصا مع استمرار تخويفهن دينيا من قبل الكوادر التدريسية.

عنف واضطهاد

من الناحية القانونية، فإن إجبار الطالبات على ارتداء الحجاب هو شكل من أشكال التعسف الذي تمارسه بعض المعلمات والمعلمين وإدارات بعض المدارس، خارج حدود واجباتهم وسلطاتهم كمعلمين أو تربويين، وفق القاضي رحيم العكيلي.

ويبين العكيلي أن الصفة الرسمية للكوادر التدريسية، “لا تتيح انتهاك الحريات الشخصية التي يحميها القانون والدستور. ولا يوجد أي واجب أو التزام قانوني يأمرهم بممارسة دور الوعاظ أو رجال الدين داخل مدارسهم”.

العكيلي يوضح أنه في القانون العراقي لا يوجد ما يجبر النساء أو الفتيات على ارتداء الحجاب، لا في المدارس ولا في أي مكان آخر؛ لأن ارتداء الملابس وتحديد نوعها وشكلها ولونها هو حرية شخصية لا يجوز لأحد التدخل فيه.

ويشير العكيلي إلى أن الإجبار على لبس نوع من الملابس – كالحجاب – لأسباب دينية أو اجتماعية “هو شكل من أشكال العنف الذي يمارس ضد النساء والفتيات في المجتمع العربي والإسلامي”.

وبحسب العكيلي الذي كان يشغل منصب رئيس “هيئة النزاهة” سابقا، فإن التحجيب القسري تعتبره معظم قوانين “العنف الأسري” – خصوصا في الغرب – جريمة عنف أسري إذا وقعت من أهل المجنى عليها، “فكيف إذا وقعت من آخرين كالمعلم أو إدارة المدرسة؟”.

كيفية مواجهة الظاهرة

لكن القانون العراقي خال من نصوص تجرم فرض الحجاب بالإكراه، سواء وقع من المعلمات أو المعلمين أو إدارات المدارس أو الأهل داخل الأسرة، “رغم أنه عنف واضطهاد وانتهاك للحريات الشخصية التي يحميها الدستور”، يقول العكيلي.

يجدر بالذكر أن مجلس الوزراء العراقي، أقر في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، مشروع قانون “مناهضة العنف الأسري”. ومرّره إلى البرلمان السابق، تحت ضغط منظماتي وحقوقي.

لكن القانون لم يشرّع بعد وأحيل للدورة التشريعية الجديدة؛ لمعارضته من بعض الجهات السياسية التي لها ثقلها في البرلمان الماضي، بخاصة تلك التي تنتمي لـ “الأحزاب الإسلامية”.

ويستدرك العكيلي بقوله، إن “عدم تجريم فعل الكوادر التدريسية لا يعني عدم إمكان ملاحقتهم وردعهم؛ لأنه سلوك شائن مهنيا، ويعد خروجا على القواعد السلوكية التي يتوجب على الكوادر التدريسية الالتزام بها، والتي تقصر وزارة التربية في وضعها بقواعد سلوك مهنية تلزم الكوادر التدريسية بها، وتعاقب من يخرج عنها بالعقوبات الانضباطية المنصوص عليها في قانون انضباط موظفي الدولة النافذ”.

“إن ما يتوجب القيام به من وزارة التربية لمواجهة تلك الظاهرة وردعها، هو نشر الوعي لدى الكوادر التدريسية بأن إجبار الطالبات على ارتداء الحجاب خارج حدود واجباتهم وسلطاتهم، وملاحقة من يثبت إجباره الطالبات على التحجيب انضباطيا، وتوجيه عقوبات إدارية شديدة لمن يتورط بتلك الممارسات”، يقول العكيلي مختتما.

الحل نت- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate