حداثة و ديمقراطية

لماذا يلجأ القادة والسياسيون إلى الكذب والتحريض؟

في السياسات الداخلية والخارجية، الكذب ليس ملح القادة والسياسيين فحسب بل ملح السياسة نفسها، ولكن تخفيفاً من حاجة السياسي إلى الكذب على شعبه أو على الدول الأخرى، يُقال إن “السياسي لا يكذب، لكنه يقتصد في قول الحقيقة”. والسياسة كما يتفق الجميع هي “فن الممكن”، ولذلك هي أكثر عُرضة للكذب كسلوك إنساني يمكن ملاحظته بكثرة في الممارسة السياسية.
وطرح البرفيسور جون ميرشيمر في كتابه “لماذا يكذب القادة؟” أسئلة تتعلق بأنماط الكذب في السياسة الدولية وأسبابه ومبرراته لدى القائد الكاذب، ووظيفة الكذب في تعزيز وتقوية المعيار التفاوضي في السياق الدولي، وهل الكذب مقبول ومبرر كفعل، أم أنه مرفوض ومستنكر؟ وهل يكذب القائد على شعبه أم على الدول الأخرى؟ وهل ينجح الكذب في تحقيق أهدافه؟ وماذا يحدث عادةً حين تُكتشَف الكذبة؟ وهل يدفع من صاغ الكذبة ثمن ذلك الفعل؟
ولا يألو السياسيون جهداً في إطلاق الشائعات ضد المرشح المنافس كي يُنتخبوا هم، بل تُنبش معلومات من ماضي ذلك المرشح لا علاقة لها بحملته الانتخابية بغية التأثير في الرأي العام. ويخترع السياسيون بعد انتخابهم ووصولهم إلى سدة المسؤولية أعداء، في حال عدم وجودهم، ولو كانوا أعداء “طواحين” كما طواحين رواية سرفانتس الشهيرة “دون كيشوته”، فالهدف هو شد العصب الجماهيري حول القائد تحت سقف محاربة عدو ما، كائناً مَن كان هذا العدو. وربما يكون هذا العدو أحياناً مواطنين من الدولة ذاتها، كما يجري في الدول التي تميّز بين مواطنيها على أساس العرق أو الدين أو الجنس، كما كانت الحال في رواندا وجنوب أفريقيا وأفغانستان والعراق وسوريا والصومال والولايات المتحدة نفسها التي لا يزال التمييز العنصري على أساس اللون قائماً فيها على الرغم من كل محاولات منعه، أو كما هي الحال اليوم في لبنان، حيث يخرج السياسيون أرنب الطائفية من قبعاتهم كلما اشتد العصب الشعبي في مواجهتهم. وفي كل هذه الدول، نزلت الصراعات السياسية من برج السياسيين العاجي إلى ما بين المواطنين بعدما كان انطلاقها على أسس التحرّر من الزعيم الأعلى أو من سيطرة فئة على أخرى، أو بعدما كانت أساساً في مواجهة التمييز وخطابات الكراهية والتحريض على العنف المتبادلة.

الكذب السياسي الديمقراطي

يعدّد الباحث ميرشيمر أنواع الكذبات التي يبدو أنها باتت عادية وطبيعية في العمل السياسي على مستوى العالم وفي مختلف الظروف والأزمنة. منها، على سبيل المثال، الكذبة التي يطلقها قائد على شعبه بخصوص تهديد خارجي للحصول على دعم شعبي ضد هذا التهديد. أو الكذب الاستراتيجي لإخفاء فشل دبلوماسي أو حربي ما. ومن أنواع الكذب التي باتت معروفة عالمياً، صناعة الأساطير القومية، والأكاذيب الإعلامية والدعائية لتمويه ممارسات غير متسقة مع القواعد والمواثيق العالمية.
وعلى الرغم من تنوّع أساليب الكذب، فإن المؤلف يرى أن السبب الرئيس للجوء إليه هو كسب تفوق استراتيجي على جمهور أجنبي في عالم فوضوي تحوطه الأخطار والأكاذيب السياسية والبراغماتية والدعائية والأيديولوجية العقائدية الصادرة من كل مكان لحماية مصالح دول وشعوبها أو حتى لحماية مصالح سياسية شخصية وآنية، خصوصاً حين يؤمن القادة أن الكذب أداة مهمة في شؤون الدولة، من الممكن بل من الواجب استخدامها في ظروف متنوّعة. ولكن في غالبية الأمثلة، كانت الكذبة السياسية محل انكشاف سريع ومؤذية لمطلقها كما حدث مع الرئيس السوفياتي نيكيتا خروتشيف عندما بالغ في قدراته الحربية وترسانته النووية، وانتهى به الأمر إلى سباق تسلح مع الولايات المتحدة، لم يكن يرغب به. وكذلك أكاذيب الرئيس الأميركي ليندون جونسون عن أحداث خليج تونكين عام 1964، التي أدت إلى جر الولايات المتحدة إلى حرب فيتنام. ويرى البروفيسور ميرشيمر أن غالبية القادة الذين يكذبون على شعوبهم، هم أنفسهم قادة الديمقراطيات التي تخوض حروباً في أماكن بعيدة، مثلما فعل الرئيس الأميركي جورج بوش الابن عندما شنّ حرباً عام 2003 على العراق بدعوى أن الرئيس الراحل صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، وكان وزير دفاعه كولن باول،  كذب أمام مجلس الأمن في جلسة مباشرة منقولة في كل أنحاء العالم بشأن امتلاك العراق للجمرة الخبيثة، وكان يحمل في يده مرطباناً صغيراً يُفترض أنه يحتوي على مثل هذه المادة، كي يؤثر في ممثلي بقية الدول لدفعهم إلى الموافقة على الدخول في الحرب، ليتبيّن بالنهاية عدم صحة الادعاءات التي خيضت من أجلها.

الكذب وخطاب الكراهية

لكن يمكن للكذب السياسي الصادر عن القادة أن يحقق ضرراً مباشراً بالدول والشعوب حين يتحوّل إلى خطاب للتحريض على الكراهية والعنف تجاه الآخر على أسس تمييزية، إما بسبب الهوية أو العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو الاختلاف في الموقف السياسي وغيرها من أنواع التمييز. ويعمد قادة كثر إلى هذا النوع من التحريض بغية شدّ عصبية الشعب تجاه هويته وانتمائه القومي أو العرقي أو الديني أو السياسي أو الفكري. فغالباً ما تحتاج هذه العصبية إلى “آخر” يكون عدوها، توجِب محاربته توحيد الصفوف وتكريس التفريق عبر نظريات التفوّق أو الأيديولوجيا التي تعتبر أنها “الصواب” في مقابل “الخطأ”.
وبحسب “مركز الحوار العالمي” في الإمارات العربية المتحدة، فإن خطاب الكراهية يجتاح العالم كالنار في الهشيم. وتسللت لغة الاستبعاد والتهميش إلى وسائل الإعلام والمنصات الإلكترونية والسياسات الوطنية. وفي رأي المركز، فإن خطاب الكراهية يضعف المجتمعات ويدمّرها، كما يعمل على زرع بذور الخوف والبغض وانعدام الثقة في نفوس أفرادها، ويمكن أن يؤدي إلى أعمال عنف ويساعد على تهيئة الظروف الملائمة لارتكاب جرائم إبادة جماعية. ومع احتمال أن يكون بعض التصريحات أو السياسات أو طرق التعبير المكفولة قانوناً، لا يحرض على العنف مباشرةً، ولكن يمكنه أن ينشر بذور التعصّب التي تؤدي إلى إضفاء الشرعية على أعمال الكراهية. وهي لا تحتاج كي تقع إلا إلى عناصر قليلة، أي إلى سياق يُفضي إلى العنف، ومتحدث مؤثر صاحب كاريزما ولغة شعبوية ويملك الوسائل الإعلامية والدعائية لنشر خطابه، ويكون في مقابله جمهور متقبِّل ومتجاوب، وفئة مستهدَفة في خطاب التحريض على الكراهية.
هذه العناصر مجتمعة تمكّن خطاب الكراهية والتحريض عليه من أن يصبحا ككرة الثلج التي لا تتوقف إلا بإزالة أسبابها المذكورة من جذورها، لكن غالباً بعد فوات الأوان وأعوام وعقود من التقاتل والتكاره والتهجير. وفي زمننا الحالي، هناك عدد كبير من الدول التي يمكن اعتمادها كأمثلة على مدى الدمار الذي لحق بها نتيجة خطاب الكراهية.

التحريض والكراهية حالياً

بحسب مركز “بيو” للأبحاث، رُصدت زيادة كبيرة في الأعمال العدائية الاجتماعية التي تنطوي على التمييز الديني، بما في ذلك العنف والمضايقات من جانب الأفراد أو المنظمات أو الجماعات الخاصة، بين عامي 2007 و2019، وتجلّت هذه الزيادة على نحو خاص في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. في عام 2007، وثّق مركز “بيو” تقارير من 6 دول في أوروبا تعرّضت لحوادث “اعتداء على الأفراد بسبب التعبير الديني الذي اعتُبر أحد أشكال العنف أو التهديد”. بعد عشرة أعوام، ارتفع ذلك العدد إلى 25 دولة من أصل 45 دولة في أوروبا. وتضمنت الحوادث المبلَّغ عنها هجمات وشتائم وإهانات ضد المجتمعات اليهودية والإسلامية.
خلال هذه الفترة الزمنية عينها، شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مستويات عالية من المضايقات ضد الجماعات الدينية، مقارنةً بالمناطق الأخرى حول العالم. وتقيس هذه الفئة أنواع المضايقات التي تتراوح بين العنف والتخويف، والإدانات اللفظية للجماعات الدينية وفرض الحظر الرسمي على بعض الجماعات. وتكمن المشكلة الأساسية في أن تعريف خطاب الكراهية (Hate speech) ما زال فضفاضاً، فهو من جهة “عبارات تؤيد التحريض على الضرر”، ومن جهة ثانية يندرج في أطر حرية الرأي. لكن كي لا ننتهي إلى مثل هذه الدوامة من التناقض، تم التفريق بين “حرية الرأي” و”حرية التعبير عن الرأي”، فليس هناك أي قيد على حرية الرأي لكن هناك قيوداً عالمية وضوابط على التعبير عن هذا الرأي، فهناك قيود منها احترام حقوق الآخرين وحماية الأمن القومي. لذا، ينبع مسوّغ القوانين المضادة لخطاب الكراهية بكون الخطاب المفعم بالكراهية يتعارض وقيم التسامح والعيش المشترك التي تحتاج إليها الجماعات البشرية. ولكن هذا التصحيح يخلق مشكلة كبيرة في ما يتعلق بحرية التعبير، فهو يمنح القوة للراغبين بوضع قيود على الحريات الدينية، بوصفها سبباً للتشرذم الاجتماعي في مجتمعات متعددة دينياً مثلاً، كما يمنح أيضاً هذه الأديان، تحت راية حرية الرأي، أن تعبّر عن ضديتها تجاه أفكار دينية أخرى.

Independent العربية- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate