حداثة و ديمقراطية

الطغاة يتنكرون في ثوب الديمقراطية4

العنف السياسي
العنف أداة مُستخدمة بكثرة لترويض الديمقراطية. ففي لبنان، قام مهاجمون مجهولون باغتيال
مجموعة من الشخصيات من الأغلبية البرلمانية، وكانت منخرطة في آفاح سياسي مع سوريا
وحلفائها في لبنان. وفي الشيشان استخدم الرئيس رامزان قادروف – الذي قام الكريملين بوضعه –
قوات الأمن المعروفة باسم “قادروفتسي” لفرض حكمه على نحو قاسٍ. واستخدم رئيس الوزراء
الكمبودي هون سين منذ عام 1985 العنف في انتخابات متتابعة لإسكات المعارضين، وتضمن هذا
اغتيالات كثيرة لأعضاء حزب المعارضة والصحفيين المستقلين والمدافعين عن حقوق الإنسان
وزعماء الحركة النقابية. وتفاعلت السلطات الأثيوبية تجاه فوز غير متوقع للمعارضة في انتخابات
عام 2005 بأن فرقت المتظاهرين السلميين بعنف واحتجزت غالبية زعماء المعارضة.
وفي زيمبابوي، التي تقرر أن تُعقد فيها انتخابات رئاسية وبرلمانية في مارس/آذار 2008 ،أطلقت
الحكومة عنان ميليشيا الشباب و”المحاربين القدامى” لضرب وتعذيب واغتصاب شخصيات
المعارضة، واستخدمت الشرطة القوة المفرطة وأحياناً القاتلة، لتفريق مظاهرات المعارضة. وفي
جمهورية الكونغو الديمقراطية استخدم الجنود والشرطة القوة المفرطة، وتسببوا في مقتل أكثر من
100 شخص مدني أثناء مداهمة الاحتجاجات العنيفة أحياناً ضد الفساد الانتخابي في يناير/كانون
الثاني وفبراير/شباط 2007 .وفي نيجيريا، قام الحزب الحاكم بالاستعانة بـ”طوائف” تشبه
العصابات في تشكيلها لتقييد المعارضة قبل انتخابات أبريل/نيسان 2007 .وفي انتخابات مصر
البرلمانية عام 2005 ،وإذ شهدت عملية الاقتراع تزايد عدد المرشحين المنتمين للإخوان المسلمين
الذين ربحوا مقاعد، منعت قوات الأمن المصرية فعلياً الناخبين من بلوغ مراكز الاقتراع في معاقل

قوة الإخوان المسلمين، وتسبب العنف الذي أسفر عنه هذا، في مقتل 11 شخصاً كانوا يحاولون
التصويت.


إسكات الإعلام
الانتخابات الفعالة تتطلب صحافة حرة؛ وهذا للتركيز على الموضوعات التي تحتاج لانتباه الحكومة
وللسماح بالانتقاد العلني لرؤى المرشحين السياسية. كما أن الإعلام جوهري وضروري لتوضيح
وإبراز اهتمامات العامة بين الانتخابات… وهو من المدخلات الهامة بما أن مجرد تصويت واحد كل
بضعة سنوات هي طريقة غير كافية للكشف عن الاهتمامات العامة. ولهذا فمن غير المدهش أن
الحكومات التي تحاول التحكم في العملية الديمقراطية تقوم بإسكات الصحافة.
وأحد الأهداف الأولى بالنسبة للرئيس الروسي بوتين كانت الإعلام المستقل. واليوم فإن كل المحطات
التلفزيونية والإذاعية الهامة وأكبر الجرائد تخضع للموالين للكريملين. وهذا المشهد الإعلامي
الخاضع للتحكم هو أحد أهم أدوات بوتين لضمان أن المعارضة لا فرصة أمامها لتهديد هيمنته
السياسية، سواء في الانتخابات البرلمانية في ديسمبر/كانون الأول 2007 ،أو في الانتخابات
الرئاسية المقرر عقدها في مارس/آذار 2008.
أما الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز فقد استخدم عملية تنظيمية استخداماً مُتعسفاً؛ إذ رفض تجديد
رخصة محطة آر سي تي في، وهي إحدى أكبر أربع محطات تلفزيونية خاصة بالبلاد والمحطة
الوحيدة التي تتمتع بتغطية تشمل كل أرجاء البلاد وتجرؤ على أن تتبع سياسة تحريرية معادية
لشافيز. وبموجب قوانين الإعلام القمعية في زيمبابوي، تم إغلاق الصحيفة اليومية المستقلة الوحيدة،
وهي ديلي نيوز، في عام 2003.
وسجنت مصر الصحفيين وأصحاب المُدوّنات جراء جرائم شملت انتقاد مبارك “والتقويض من
كرامة البلاد” ونشر “أخبار كاذبة… من شأنها أن تكدر الأمن العام”. وسجنت أذربيجان 10 صحفيين
على الأقل بناء على مجموعة من الاتهامات المُصطنعة لمنع الانتقاد الموجه للرئيس كلييف وحكومته،
كما أغلقت أكبر صحيفة مستقلة. وأغلقت كازاخستان محطة تلفزيونية وصحيفة أسبوعية يملكها زوج
ابنة الرئيس الذي تم نفيه، وهو الآن معارض سياسي. ومثل أذربيجان، فهي تستخدم بدورها القوانين
الجنائية لسجن المنتقدين باتهامات مثل “إهانة شرف وكرامة” الرئيس. وتوفى 6 صحفيين على الأقل
في “حوادث” مريبة في كازاخستان منذ عام 2002.

منع التجمعات العامة للمعارضة

حدى طرق تحدث المرشحين إلى مناصريهم ولإظهار نقاط القوة السياسية لديهم، هي أن ينظموا
اجتماعات عامة. لكن بما أن اجتماعات المعارضة التي تشهد حضوراً موسعاً يمكن أن تُظهر خواء
زعم الحكومة بوجود دعم شعبي لها، فإن هذه التجمعات أصبحت هدفاً آخر مفضلاً للقمع.
وفي ماليزيا على سبيل المثال – التي تحظر التجمعات العامة لأكثر من خمسة أشخاص دون تصريح
– استخدمت الشرطة مياه مُعالجة كيماوياً وقنابل مسيلة للدموع لتفريق مسيرة منظمة وسلمية
لمتظاهرين يطالبون بإصلاحات انتخابية قبل الانتخابات المُقرر عقدها في أوائل عام 2008 .وفي
روسيا ضربت السلطات واحتجزت وضايقت المشارآين في احتجاجات سياسية سلمية، ومن هؤلاء
– في نوفمبر/تشرين الثاني 2007 – بطل الشطرنج السابق وزعيم المعارضة الحالي غاري
كاسباروف.
وفي زيمبابوي، تعرضت شرطة مكافحة الشغب المسلحة بعنف للتجمعات السياسية في فبراير/شباط
2007 ،وأطلقت قنابل مسيلة للدموع على مناصري المعارضة واعتقلت أكثر من 70 شخصاً منهم
في مدن شملت هراري وبولاوايو، قبل أن تفرض حظراً لمدة ثلاثة أشهر على أي تجمعات سياسية
أو مظاهرات في هراري العاصمة. كما استخدمت السلطات العنف في تفريق تجمعات ومسيرات في
مصر وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

إقصاء المجتمع المدني
بالإضافة إلى الأحزاب السياسية، فالديمقراطية الحيوية النشيطة تتطلب باقة واسعة من الجمعيات
والمنظمات الكفيلة بتحريك الناس تجاه دعم تفضيلاتهم السياسية ولكي تُسمع أصواتهم. ومنظمات
المجتمع المدني لهذا السبب تمثل هدفاً مألوفاً آخر للحُكام الأوتوقراطيين.
في روسيا على سبيل المثال، تمت الاستعانة بقانون صدر عام 2006 لتنظيم شؤون المنظمات غير
الحكومية كذريعة للمضايقات المتزايدة. ويطالب القانون الجماعات بتقديم تقاريرها السنوية عن
أنشطتها واستخدامها للتمويل الأجنبي وإلا تعرضت للتصفية، وهي عقوبة مُستخدمة هناك بالفعل.
فيما تعرضت المنظمات لتفتيش تطفلي لا داعي له، وسمح قانون صدر عام 2007 لأي جريمة
سياسية أو أيديولوجية الدوافع بأن تُدعى “تطرف” ويتعرض من يُزعم أنه ارتكبها لعقوبات قاسية،
مما يثير المخاوف من أن القانون سوف يُستخدم لإسكات المعارضين.
وفي تركمانستان، تشمل القيود القانونية المشددة على المنظمات غير الحكومية الاحتياج لتسجيل كل
هبة تتلقاها المنظمات لدى الحكومة، وإخطار الحكومة بكل الاجتماعات، والسماح لممثلي الحكومة
بالمشاركة. وتم تسجيل ثلاث منظمات غير حكومية فقط منذ عام 2003 ،وواحدة منها فقط تمت
بصلة لحقوق الإنسان أو المساءلة العامة. وفي أوزبكستان منذ مذبحة أنديجان عام 2005 ،تم سجن

7 مدافعاً عن حقوق الإنسان على الأقل بناء على اتهامات سياسية الدوافع، فيما اضطر العشرات
لإيقاف نشاطهم الحقوقي أو الفرار من البلاد، وتم إخراج منظمات دولية كثيرة إلى خارج البلاد.
وتحظر الإمارات العربية المتحدة منظمات المجتمع المدني، وفي أغسطس/آب 2007 أعلنت السلطة
الفلسطينية أنها ستغلق 103 منظمة مجتمع مدني بناء على أسس إجرائية متعددة.
وفي البلدان التي يخاطر فيها ممولو المنظمات غير الحكومية الداخليين بالتعرض لانتقام الحكومة،
يوجد قيد على الموارد الخارجية للتمويل، وهذا بمثابة معوق أساسي للأصوات المستقلة المُنظمة. إلا
أن مصر أغلقت منظمة حقوقية انخرطت في الرفض العلني للتعذيب، بأن استعانت بشكوى قائمة
ضدها منذ أعوام بأنها استخدمت تمويلاً من مانح أجنبي دون إذن الحكومة. وقدمت كلٌ من الأردن
والبحرين تشريعاً مماثلاً يطالب بالحصول على الإذن الحكومي لاستخدام التمويل من الخارج.
وقامت كلٌ من إيران وسوريا بالفعل بتفعيل هذا المطلب وتقوم كلٌ من الدولتين بممارسة رقابة كاملة
على العمليات اليومية للمجتمع المدني. ومنعت الحكومة التونسية منحاً من الاتحاد الأوروبي مُقدمة
إلى رابطة حقوق الإنسان التونسية وغيرها من المنظمات المستقلة.

تقويض سيادة القانون
غالبية مظاهر القمع والتلاعب المذكورة أعلاه غير قانونية. والحكومات التي تسعى لاستخدامها
عليها أن تتفادى الإشراف القانوني المستقل. وأحياناً يمكن أن يتم إنجاز هذا بواسطة ضرب واعتقال
المحامين، كما في زيمبابوي أو الصين. وفي أحيان أخرى يتم هذا بإصدار العفو عن أية جرائم
مُرتكبة. فالرئيس الباكستاني مشرف والحُكام العسكريون في تايلاند، على سبيل المثال، دفعوا
بالتغييرات الدستورية التي تخولهم الإفلات من العقاب جراء أفعال وقعت أثناء انقلاب كل منهما على
الحكم السابق. كما قام مشرف بفصل قضاة المحكمة العليا الذين هددوا بإصدار حُكم ضد شرعية
اختياره كرئيس، واستبدلهم بقضاة موالين أقروا على الفور باختياره.
رد الفعل الدولي الضعيف
إن استخدام هذه الأساليب لإخلاء الديمقراطية من مضمونها لا يقع في أي فراغ سياسي. فالحكومات
المسيئة قد تريد أن تمنح نفسها الشرعية بثمن زهيد، لكنها تحتاج للحكومات الأخرى ليتسنى لها هذا.
وإلى حد ما، فإن أنصاف الديمقراطيين ينجحون في أن يراهم الآخرون على أنهم من الديمقراطيين
الحقيقيين، وهذا لأنهم يستفيدون من التوقعات المتراجعة للنظم الديمقراطية الأكثر نضجاً.
والمشكلة هي جزئياً مشكلة إعلاء بعض المصالح على مصالح أخرى. والمفترض بهم أنهم
المدافعون عن رؤية أعمق للديمقراطية مستعدون دائماً للسماح للفرص التجارية أو الموارد أو
المتطلبات الخاصة بمكافحة الإرهاب، بأن تتجاوز في أهميتها بواعث الاهتمام الخاصة بالالتزام
بالديمقراطية. لكن المشكلة – جزئياً – هي محاولة تفادي الظهور بمظهر المنافق. حتى النظم

الديمقراطية المزدهرة يمكن – كما سبق الذكر – أن تجد من المناسب أن تتبنى كل الحقوق التي تمثل
ديمقراطية حقة خشية أن يؤدي موضوع هذه الحقوق إلى انتهاكها.
ويعمق من المشكلة مسألة التضارب في تعزيز الديمقراطية… وهي مشكلة قائمة منذ فترة طويلة.
وهذه الأيام على سبيل المثال، فإن انتقاد الحكومة الأميركية القوي للتقصير في الديمقراطية يميل لأن
يكون موجهاً إلى الخصوم أو المنبوذين، من أمثال سوريا وبورما وكوبا. وعفت واشنطن حلفاء مثل
السعودية أو تونس أو أثيوبيا، فيما تراجعت ضغوطها الضعيفة على دول أخرى مثل مصر والأردن.
والمؤكد أن الحكومة الأميركية هي ممول أساسي لهذه الحكومات المتحالفة على الرغم من ممارساتها
القمعية. وسياسة الكيل بمكيالين الواضحة هذه تجعل تعزيز الديمقراطية من الأعمال السياسية وليس
التزاماً بمبدأ، مما يُضعف من الضغوط المفروضة من أجل التغيير الديمقراطي الحقيقي.
وأثيوبيا مثالٌ على الدول المستفيدة من سياسة الكيل بمكيالين هذه. فقد اعتقلت حكومة رئيس الوزراء
ميليس زيناوي الآلاف من المتظاهرين المحتجين على التزوير في انتخابات 2005 واتهمت 18
صحفياً بالخيانة. وكانت هذه الاعتقالات جزءاً من نسق أوسع للقمع، وشمل التعذيب والاحتجاز
وتهديد الأشخاص الذين تراهم الحكومة من المعارضين، ومؤخراً، القسوة المفرطة في قمع تمرد في
منطقة أوغادين وقتال القوات الإسلامية في الصومال المجاورة. وأبدت الحكومة الأميركية إحباطها
من القمع إثر الانتخابات، لكن أثيوبيا، الشريكة الأساسية في مكافحة الإرهاب، ما زالت أكبر متلقٍ
لدعم واشنطن في أفريقيا جنوب الصحراء.
وأثيوبيا أيضاً من بين أكبر المتلقين الأفارقة لدعم الاتحاد الأوروبي. وإثر أحداث عنف انتخابات عام
2005 ،قام الاتحاد الأوروبي ومعه البنك الدولي والمملكة المتحدة، بتجميد أجزاء من ميزانية الدعم
المباشر لأثيوبيا، لكن المملكة المتحدة زادت من دعمها منذ ذلك الحين.
وقد استفاد الأردن من تراجع التوقعات الخاصة بالديمقراطية، وهذا إلى حد كبير نتيجة لخشية
الحكومة الأميركية من أن يكرر الإسلاميون في الأردن فعلة حماس في الأراضي الفلسطينية
المحتلة، لكن أيضاً لعرفان واشنطن بالجميل لمساعدة الأردن لها في مكافحة الإرهاب بتوفير مراكز
احتجاز سرية يمكن فيها تعذيب المشتبهين الذين تسلمهم الولايات المتحدة. وتناقلت التقارير أن
الانتخابات البلدية الأردنية في يوليو/تموز 2007 شابها التزوير على نطاق واسع، بما شمل نقل
الجنود بالحافلات إلى معاقل المعارضة القوية للتصويت لصالح الحكومة، وتكرر تصويت الأشخاص
أنفسهم، والتلاعب بقوائم الناخبين. إلا أن السفير الأميركي والكونغرس قاما بتهنئة الأردنيين على
ممارسة حقوقهم الديمقراطية. وحسب الزعم فإن بعض هذه التجاوزات تكررت في الانتخابات
البرلمانية في نوفمبر/تشرين الثاني، لكن وزارة الخارجية الأميركية “أشادت” بالحكومة الأردنية
لأنها “ضمنت خطوة أخرى على طريق البلاد نحو التنمية السياسية”. وأشادت وزارة الخارجية على

الأخص باستخدام “مراقبين مستقلين وطنيين” دون أن تذكر أنه كما قيل، لم تفِ الحكومة بوعدها لهم
بالسماح بدخول مراكز الاقتراع، وأجبرتهم على محاولة مراقبة العملية الانتخابية من الخارج.
ولم يكن رد فعل الاتحاد الأوروبي إزاء الانتخابات الأردنية أكثر التزاماً بالمبادئ. فلم يُصدر الاتحاد
الأوروبي احتجاجاً نعرف به رغم أن الأردن كدولة عضو في سياسة الجوار الأوروبي، قد وقعت
على اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، ويفترض أن احترام مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان
الأساسية هي “عنصر أساسي” فيه. وهذا الفشل يعكس مشكلات أكبر في سياسة الجوار الأوروبي،
بما أنه على العكس من معايير كوبنهاغن لدخول الاتحاد الأوروبي، فلا توجد نقاط مرجعية أو إطار
زمني لتحقيق هذا، وأصبحت سياسة الجوار تركز بشكل متزايد على قضايا مثل التعاون في إدارة
الحدود والرقابة على المهاجرين.
ومثل هذا التصديق غير النابع من تحقيق مبادئ يوحي بأن واشنطن والاتحاد الأوروبي في أحيان
كثيرة، قد يقبلان بواجهة انتخابية طالما أن “المُنتصر” هو حليف إستراتيجي أو تجاري. وعدالة
عملية التصويت وشفافية الأوضاع الخاصة بالحملات الانتخابية يبدو أنها من الأمور الأقل أهمية من
التوجه السياسي للجهة المُتظاهرة بالديمقراطية.

لكينيث روث.

HUMAN RIGHTS WATCH- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate