اصلاح ديني

حاخام وإمام يقفان صفًا واحدًا لإحياء ذكرى ضحايا محرقة اليهود

في وقت تزداد فيه معاداة السامية وكراهية المسلمين وكره الأجانب في أوروبا، فإن وقوف الحاخام والإمام جنبًا إلى جنب في تضامن مع الناجين من محرقة اليهود (الهولوكوست) ومع بعضهم بعضًا وباسم يهود أوروبا ومسلميها يعد لحظة قوية ومؤثرة.

وفي يوم الخميس 27 من يناير هذا العام، قام بذلك الحاخام مايكل شودريتش، كبير حاخامات بولندا، والإمام أدهم عبد العال، ممثل المفتي الأكبر لبولندا في وارسو، حين حضرا احتفالًا باليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا محرقة اليهود (IHRD) في أوشفيتز-بيركيناو، وهو معسكر الموت النازي الذي قُتل فيه أكثر من 1.1مليون إنسان يهودي.

وهذان الصديقان عضوان في المجلس الإسلامي اليهودي في أوروبا (MJLC)، وهو منظمة ييسر شؤونها مركز الحوار العالمي “كايسيد” وأُسست لتلبية الحاجة إلى تحرير أفراد المكونات المجتمعية الدينية من التحيز والادعاءات الكاذبة والتمييز والعنف.

“ما حدث في أوشفيتز كان مأساة يهودية”

قبل سبعة عشر عامًا، في الأول من نوفمبر عام 2005، حددت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 27 من يناير يومًا دوليًّا لإحياء ذكرى ضحايا محرقة اليهود (IHRD). ويوافق هذا اليوم الاحتفال بالذكرى السنوية لتحرير أوشفيتز-بيركيناو في عام 1945 ويُقصد به تذكر العديد من ضحايا النازية وتكريمهم، وهو يرمي أيضًا إلى تثقيف الناس بشأن محرقة اليهود ومنع المزيد من الإبادة الجماعية وذم جميع صور “التعصب الديني أو التحريض بحق الأشخاص أو المجتمعات المحلية أو مضايقتهم أو تعنيفهم على أساس الأصل العرقي أو المعتقد الديني”.

ونظرًا إلى استمرار جائحة “كوفيد-19“، فقد اقتصر الاحتفال هذا العام على عدد قليل جدًّا من الضيوف، معظمهم من الناجين من المحرقة والقيادات المحلية من المجالين الديني والسياسي. وكان من بين الذين تجمَّعوا عند النصب التذكاري في بيركيناو الحاخام مايكل شودريتش، كبير حاخامات بولندا، والإمام أدهم عبد العال، ممثل المفتي الأكبر لبولندا في وارسو، والأسقف الروماني الكاثوليكي رومان بندل والأسقف الأرثوذكسي أتانزي والأسقف أدريان كوركزاغو من كنيسة أوغسبورغ الإنجيلية البولندية.

وفيما يتعلق بأهمية مشاركة المجلس في هذا الحدث، قال شودريتش: “إن ما حدث في أوشفيتز كان مأساة يهودية ومأساة إنسانية وإن البشرية جمعاء بحاجة إلى أن تتعلم الدرس: إن العالم لا يمكنه أن يلتزم الصمت حين يقع القتل الجماعي والإبادة الجماعية. وعلى هذا، علينا أن نقول بصوت واحد إن منع القتل الجماعي والإبادة الجماعية مسؤوليتنا جميعًا”.

 إن المجلس هو من أكثر المنظمات الطبيعية التي لك أن تتصور أنها ينبغي أن توجد”

إذ أُسس في عام 2015، فإن المجلس الإسلامي اليهودي هو أول منصة أوروبية للقيادات الإسلامية واليهودية التي تدعو استباقيًّا إلى حماية الحرية الدينية في أوروبا.

ويسعى المجلس، الذي يرأسه الحاخام بنحاس غولدشميت كبير حاخامات موسكو والمفتي نيدزاد غرابوس مفتي سراييفو، إلى “تجديد ثقافة احترام الهُويات الدينية في أوروبا وتقديرها، ولا سيَّما الإسلام واليهودية”. وبيَّن شودريتش أن هذا العمل ليس ضروريًّا فحسب، بل هو أمر طبيعي أيضًا.

وأضاف قائلًا: “إن المجلس هو من أكثر المنظمات الطبيعية التي لك أن تتصور أنها ينبغي أن توجَد. ولمَّا كان المسلمون واليهود يعيشون مع بعضهم بعضًا منذ مئات السنين، فمن المنطقي أن يعملوا معًا في أوروبا على تحديد القضايا المشتركة التي نواجهها وإبراز الأشياء التي بوسعنا فعلها معًا لمكافحة التهميش والإقصاء”.

“إننا نقف معًا في وجه التمييز”

وإذ منعت التدابير الاحترازية لمكافحة “كوفيد-19” أعضاء المجلس من إرسال وفد أكبر لحضور مراسم الاحتفال هذا العام، اجتمع بدلًا من ذلك أعضاء منهم من 16 بلدًا لحضور اجتماع افتراضي قدَّم فيه الأئمة والحاخامات الأوروبيون الصلوات وبيان التضامن دعمًا لزملائهم البولنديين ولرسالتهم.

وقال الإمام طرفة بغجاتي، العضو في إدارة المجلس من النمسا، صباح اليوم في أثناء الاجتماع الافتراضي لصلاة أتباع الأديان الذي نظمه المجلس: “يجب ألا ننسى أبدًا أن هذه المأساة بدأت بخطاب الكراهية وانتهت بالإبادة الجماعية. وإذ نتذكر جذورنا الإبراهيمية المشتركة، فإننا نقف معًا في وجه التمييز ونتكاتف في مناهضة كراهية الإسلام ومعاداة السامية”.

وقال شودريتش في هذا الاجتماع إن عمل المجلس “مهم جدًّا لوجود التصور الكاذب الذي يقول إن المسلمين واليهود لا يمكنهم العمل معًا اليوم، وهذا وهم وضلال”.

وأضاف عبد العال قائلًا: “نحن نريد أن يرى الناس العلاقات بين المسلمين واليهود في ضوء جديد، لكي نمكن أولئك الذين يريدون بناء الجسور من التواصل فيما بينهم”.

ومع ارتفاع مستويات معاداة السامية ورُهاب الإسلام في جميع أنحاء قارة أوروبا، أصبح عمل كهذا ملحًّا. وكتب حديثًا الممثل الخاص لمجلس أوروبا الدكتور دانيال هولتجن:

“لقد كان عام 2021 مقلقًا لليهود في أوروبا؛ إذ تصاعدت حدة معاداة السامية في شهر مايو مع اندلاع أعمال العنف في حرب غزة. وفي ألمانيا، هوجِمت معابدُ يهودية وأُحرقت الأعلام الإسرائيلية ووقعت حوادث مماثلة معادية للسامية في أماكن أخرى وازدادت التهديدات الموجَّهة لليهود على الإنترنت زيادة هائلة”.

وبالمثل، ذكرت مبادرة الجسر التي أطلقتها جامعة جورج تاون أن رُهاب الإسلام والعنصرية المعادية للمسلمين ما يزالان يعدَّان تهديدين مستمرَّين ومتناميين في أوروبا وفي جميع أنحاء العالم. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، عزَّز المجلس عملية تبادل المعلومات بشأن احتياجات المجتمعات المحلية والوطنية واهتماماتها وتحدياتها والتجرِبة اليومية للعيش بصفتك من المكونات المجتمعية الدينية في أوروبا.

وقد شمل ذلك العمل كل شيء، من ورشات بناء الائتلاف إلى مناصرة حماية الحرية الدينية في مواجهة الحظر المحتمل لصور معينة من الشعائر الدينية المتعلقة بالذبائح. وبجانب ذلك، أصدر المجلس بيانات لتكريم ضحايا مختلِف الاعتداءات التي سبَّبها كره الأجانب، مثل ما حدث في مدينة هاله بألمانيا في أكتوبر عام 2019 أو عندما دُنست قبور المسلمين في سلوفينيا في عام 2021.

وهنا قال شودريتش: “كلما تعرض المسلمون أو اليهود لحادث ما في أوروبا، أصدر المجلس بيانًا مشتركًا. وأي شيء نفعله، فإننا نفعله معًا”.

وأما عبد العال فقد قال: “عندما أرى أي ظلم، بغض النظر عن الظالم والمظلوم، وكلما أراد شخص الوقوف في وجه هذا الظلم، وجدني بجانبه. وأضاف:

وأينما حلَّ الظلم، فلا يمكننا أن نخاف ردعَه وينبغي لنا أن نقف ونقول بأعلى صوتنا: لا للظلم!”.

تذكر الماضي وحماية الحاضر

 ويتيح حدث الذكرى هذا في أوشفيتز-بيركيناو فرصة رئيسة -وإطارًا رمزيًّا- للقيام بهذا النوع من العمل. وإن الحاخام شودريتش والإمام عبد العال لا يريدان تكريم الضحايا والناجين وكفى، بل هما يريدان أيضًا إرسال رسالة واضحة تقول إن الكراهية وكره الأجانب والتعصب ليست موضع ترحيب في أوروبا. ولقد كان الأفق المزدوج للكراهية في أوروبا موضع تركيز شديد في أوشفيتز-بيركيناو في وقت سابق من هذا الأسبوع؛ إذ أفادت الشرطة البولندية بأن سائحًا هولنديًّا ألقي القبض عليه واحتُجز وغُرم نتيجة لأدائه تحية نازية حين كان يلتقط صورًا أمام بوابة المعسكر المشؤومة التي كُتب عليها “العمل يجعلك حرًّا Arbeit macht frei“.

وقال شودريتش في حديثه إلى محطة CNN: “إن أقل ما يمكننا فعله لتكريم كل الذين قتلهم النظام النازي الألماني هو عدم التسامح مطلقًا مع الفاشية والكراهية وكره الأجانب”.

وقال عبد العال: “إن أوشفيتز-بيركيناو ليس مكانًا مخصَّصًا للشعب اليهودي وحسب، بل إنه مكان للذكرى والتعلم أيضًا ومكان يجعل الجميع يقولون إن هذا لا يمكن أن يحدث مرة أخرى”.

واتفق شودريتش مع عبد العال على هذا، ثم أضاف: “يتعيَّن على البشرية جمعاء أن تتعلم الدرس من المحرقة: العالم لا يمكنه أن يلوذ بالصمت حين يقع القتل الجماعي والإبادة الجماعية. وإن كان من شيء تعلمناه من المحرقة، فهو أنه لا يمكننا أن نكون صامتين”.

وبعد أن عمل الحاخام شودريتش والإمام عبد العال معًا في مؤتمرات ومشروعات في الماضي، مثل مساعدة نظام السجون البولندي على تأمين الكوشر والطعام الحلال للسجناء، فهما يأمُلان أن يرسل حضورهما المشترك في أوشفيتز-بيركيناو في 27 من يناير هذا العام رسالة واضحة للجميع عن معنى التضامن والعمل المشترك.

وفي هذا الصيف، يعتزم أعضاء المجلس التجمع لإحياء ذكرى مذبحة سربرنيتسا للتعبير عن التضامن الديني في مواجهة الفظائع التي ارتُكبت بحق الآلاف من الضحايا المسلمين في عام 1995.

وقال شودريتش متحدثًا عن سبب تأسيس المجلس: “إن المجلس موجود لتسهيل الحوار ولكي يرى المواطن المسلم والمواطن اليهودي الحاخامات والأئمة وهم يعملون معًا”.

وفي حين يرى شودريتش وعبد العال أن عمل المجلس أمر لا غنى عنه، فهما يرجوان أيضًا أن يبدو عمله يومًا ما جديرًا بالثناء.

وقال شودريتش موضحًا ما يحلم به: “إني أحلم أن يغدو المجلس في السنوات القليلة القادمة منظمة عادية وأن لا يخشى أحدٌ أن يلتقط صورة لحاخام وإمام وهما يقفان معًا، وهذا هو مستقبل أوروبا الذي أتطلع إليه”.

وفي الختام، أوضح كلٌّ من شودريتش وعبد العال أن العمل في الوقت الحالي يعني الوقوف جنبًا إلى جنب مع الناجين في أوشفيتز-بيركيناو في اليوم الدولي لإحياء ذكرى محرقة اليهود.

kaiciid.org- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate