حداثة و ديمقراطية

الديمقراطية والليبرالية: هل هما منسجمان حقًّا؟

بنهاية الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن الماضي ساد تصور عام على مستوى العالم تقريبًا أن الديمقراطية الليبرالية هي أحد النظم السياسية الأكثر تجانسًا والخالية من التناقضات، والأجدر باستيعاب طاقات المجتمع وتمثيل مصالحه المتنوعة. تعزّز هذا التصور خاصة بعد ثورات الربيع العربي التي صوّرها بعض المحللين كربيع ليبرالي، إلا أنه سرعان ما تحطمت تلك الأحلام الليبرالية الرومانسية على صخرة صعود شعبوي – يَميني في المُجمل – في العديد من البلدان الأوروبية، خاصة في الولايات المتحدة وغرب أوروبا التي شَهدت نُظمًا ديموقراطية ليبرالية راسخة لعقود منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

في كتابه «ما الشعبوية» يحذر الباحث يان فيرنر من خَطَأين شائعين يقع فيهما عديد من المحللين أو المهتمين بالشأن السياسي بصفة أعم:

أولهما هو اختزال أسباب صعود الشعبوية السياسية في أسباب نفسية واجتماعية فقط؛ كالقول مثلًا بأن مؤيدي اليمين الشعبوي في أوروبا والولايات المتحدة هم من الشرائح السُفلى للطبقة الوسطى ممن شعروا بالتهديد من السقوط الاجتماعي، ويُحركهم «الغل» و«الغضب» و«الخوف» من الأجانب والمهاجرين والطبقات العُليا.

أما ثانيهما، وهو يترتب على الأول، فهو افتراض أن الشعبوية دائمًا ظاهرة سلبية وتمثل تهديدًا للديموقراطية وللحريات،حيث يوضح أنه في بعض المراحل التاريخية تُمثل الشعبوية أحيانا إعادة إحياء للمجال السياسي وللديموقراطية ضاربًا مثالًا باليسار الأمريكي (بيرني ساندرز مثلا علاقته مع النخب والمؤسسات السياسية التقليدية في أمريكا لا تختلف كثيرًا عن ترامب، لكن ذلك لأسباب وتحيزات تقدمية عكس ترامب). فالشعبوية – يوضح يان فيرنر – يُمكن أن تكون نضالية وإيجابية تدفع نحو مزيد من الدمج للمُهمشين وغير المُمثَّلين في البُنى السياسية التقليدية.

يُعيد فيرنر إحياء جدل فلسفي وسياسي تاريخي عن التوتر الليبرالي مع المفاهيم الديمقراطية الأصلية – أو الكلاسيكية بالأحرى – كمفاهيم «حُكم الشعب» و«السيادة الشعبية» و«إرادة الجماهير». منطلق فيرنر في هذا الصدد هو أن التصور الليبرالي للديموقراطية، وهو الذي هيمن لعقود، ربما اختزل الديمقراطية في العناصر الليبرالية فقط (حريات سياسية، حقوق فردية، حرية التعبير، مركزية المؤسسات والأحزاب في الممارسة السياسية، الفصل بين السلطات) وأنتج نقيضًا للتصور الديمقراطي الكلاسيكي.

الشعب السيد في الوطن السيد

إيمانويل جوزيف سييس

كأي فكرة سياسية، واجهت الديمقراطية الليبرالية عددًا كبيرًا من الخصوم النظريين والعمليين. فعلى اليسار، تموضعت كل التيارات الماركسية التي ازدرت الديمقراطية الليبرالية بوصفها – عمليًا – مجلس إدارة مصالح البرجوازية. وعلى اليمين نجد أولئك الذين اعتبروا أن النظرية الليبرالية انتقاصًا من الديمقراطية، وتقف على النقيض من المفهوم الجوهري للديموقراطية، ألا وهو مفهوم «سيادة الشعب».

واحد من أهم أصوات هذا النوع الثاني من النقد للديموقراطية الليبرالية كان الفيلسوف السياسي والمُنظر القانوني كارل شميت (1888-1985). يرى شميت أن تطور الدولة الدستورية الليبرالية كان، في أحد توجهاته الرئيسية، محاولةً لكبت مسألة السيادة الشعبية من خلال تقسيم الصلاحيات السيادية والسيطرة المتبادلة عليها بين عدد من المؤسسات ليست كلها مُنتخبة أو مُفوّضة من الشعب؛ الأمر الذي من شأنه – كما يرى شميت – أن يفرّغ مسألة السيادة من دلالاتها السياسية والقرارية الخالصة.

وعلى الرغم من الجدل المصاحب لأي حديث عن كارل شميت لمواقفه السياسية كمرتبط بالنازية وسياساتها العنصرية، فإن الفلسفة السياسية التي ينتمى إليها شميت تنحدر من تقليد تاريخي في الفلسفة السياسية الغربية كما يوضح آرثر روزنبرج في كتابه «الديمقراطية والاشتراكية»، وهو ما اصطُلح على تسميته بالتقليد الديمقراطي الشعبي الاشتراكي اليعاقبي الذي ترجع جذوره إلى روبسيير والثورة الفرنسية.

في هذا الصدد، يرتكز النقد الديمقراطي لشيمت للتقليد الليبرالي على مرتكزين رئيسين:

1. النقد الفلسفي والسياسي

يرى شميت كما يظهر في كتابيه «أزمة البرلمانات» و«مفهوم السياسي» أن الليبرالية تعني نزع السياسة عن الحياة العامة. فمن وجهة النظر تلك، تبحث النظرية الليبرالية عن تحييد الدولة من أجل تحرير المجتمع البرجوازي، أي بقول آخر، البحث عن مجالات عمل رأسمالي متحرّرة من تدخلات السلطات السيادية والرقابة والمُشاركة الديمقراطية، وتسعى الليبرالية إلى حماية الحريات البرجوازية الفردانية. ومفهوم السياسي الذي تقوم به الدولة بحسب شميت، نقيض ذلك بالمطلق، فهو بالأساس محاربة الفردانية التي تُذيب الروابط الإنسانية بين أفراد الشعب الواحد.

بالنسبة لشميت، سبب التوتر الليبرالي التاريخي تجاه مسألة السيادة الشعبية، ومن ثمّ تجاه الديمقراطية، هو أن تلك المفاهيم من شأنها تسييس الحياة والجماهير، مما يُتيح فاعلية حقيقية للديموقراطية داخل المجمتع، وللسيادة والقرار السيادي داخل الدولة، بينما الهدف الأسمى لليبرالية ليس إلا حماية الحقوق الفردية (خاصة الحق الملكية الفردية) أمام الدولة، وهذا ما يدفعها للسعي إلى تقييد كل وظائف الدولة بالقوانين، والبحث عن تقسيم وفصل السلطات وتقليص المحتوى السياسي للدولة قدر الإمكان.

وكل تدخّل دولتي وكل مسّ بالحرية الفردانية اللامحدودة والملكية الخاصة والتنافسية الحُرّة، يُقدَّم باعتباره فعل عُنف من قبل الدولة، ويتم بذلك نزع السياسي أو إخفاؤه خلف الاقتصادي والحقوقي لصالح البرجوازية ومصالح تجمعات رأس المال. فالدولة في التقليد الليبرالي «هي عبارة عن تسوية ما، ومؤسسات الدولة صمام أمان فحسب».

2. النقد المؤسساتي

نقطة الارتكاز الثانية للنقد الشميتي الديمقراطي لليبرالية هي النقد المؤسساتي، حيث يوضح أن الفاعلية السياسية المؤسسية للنزعة البرلمانية والعائدة إلى العهد الثوري في القرن التاسع عشر، تقلّصت مع مرور الوقت. فالمؤسسات الحزبية والنيابية تنزع مع الوقت إلى تخليق قواعدها وأعرافها المؤسسية الخاصة بها وبالنخب التي تتوارثها، مما يجعلها في آخر المطاف حكرًا على طبقة سياسية بعينها وتنعزل عن الحركة الحيّة للجماهير.

هكذا، بات البرلمان مجرد مكان يلتقي فيه مُمثلو الأحزاب ليُعلنوا قراراتهم التي اتخذوها سلفًا خلف الأبواب المُغلقة، وليتفاوضوا على تسوية تعكس علاقات القوة بين أحزابهم قبل كل شيء. ينقد شميت ما يُسمى بالانضباط الحزبي الذي يمنع النائب المنُتخب من الشعب من أن يُمثّل الشعب بشكل حقيقي لِيَمتثل عوضًا عن ذلك لتقاليد مؤسسته الحزبية، ويمتنع عن تغيير رأيه وموقفه على ضوء تطورات النقاش العام.

يظهر لنا من هذا أن شميت يؤكد أن الديمقراطية والسيادة هي في جوهرها مفاهيم لا-ليبرالية بعمق، موضحًا أنها على العكس من ذلك مفاهيم سياسية وتسييسية بامتياز، لذلك يجب أن تتلازم الديمقراطية مع مناهضة الليبرالية ومُنتَجها الأهم، أي دولة المؤسسات والقانون البرجوازية.

الشعب مصدر السُلطات ولكن…

عاد صعود اليمين الشعبوي في أوروبا والولايات المتحدة إلى الأذهان، الفترات السابقة على الحرب العالمية الثانية وصعود النظم التوتاليتارية (الفاشية في الإيطالية وإسبانيا، والنازية، ونظام فيشي والمارشال بيتان في فرنسا). وعلى الرغم من أن هذه النظم والتجارب كانت نتاج حقبة تاريخية معينة، فنحن اليوم أبعد ما نكون عنها، سواء بسبب الهيمنة الأيديولوجية للقيم الليبرالية كالديمقراطية النيابية وحقوق الفرد، أو بسبب من السياق الاقتصادي والسياسي العالمي الذي لم يعد يسمح بظهور دولة شمولية، إلا أن تلك التجارب ظلّت دائمًا الدرس الذي لم تنسه النخب السياسية الغربية في عالم ما بعد الحرب.

وبالعودة إلى يان فيرنر، نجد أن النخب في أوروبا الغربية التي أسّست ديموقراطيات ليبرالية بعد 1945، لم تضع آمالها على مشاركة أكبر للشعب أو تسييس أكثر للجماهير. وفي البلدان التي وصل فيها الشموليون والفاشيون إلى السُلطة أو حتى التي دعمت الفاشية خلال السيطرة الألمانية، تم النظر إلى مبدأ سيادة الشعب بعين الريبة.

يفسر هذا مركزية الترتيبات المؤسسية الليبرالية في عقود ما بعد الحرب التي لا يرجع اختيار المسئولين عنها إلى الشعب، ومثال واضح «المحكمة الدستورية العُليا» المُؤسسة السيادية التى تعد حجر الزاوية في الترتيبات الدستورية والمؤسسية الليبرالية. فقد تمثّلت وظيفة المحاكم الدستورية العليا بشكل أساسي في تأكيد أولوية المكونات الليبرالية في الديمقراطية كحماية الأقليات وقدسية حقوق الفرد والحيلولة دون وصول الأحزاب المعادية للديموقراطية أو لمنظومة حقوق الإنسان بطرق شرعية انتخابية إلى السُلطة. من الملاحظات التاريخية الدالة في هذا السياق أن ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية لم تشهد حتى الآن استفتاءً شعبيًا واحدًا.

إن الإطار الدستوري الليبرالي للسياسة لا يُمكن فهمه من دون إدراك التوتر المفاهيمي والبُنيوي بين الليبرالية وبين مفاهيم سيادة الشعب والتقليد الديمقراطي الشعبي؛ التوتر الذي تقرّر كبته تمامًا بعد الحرب، حيث اتفقت غالبية النخب الليبرالية على سياسة دستورية تخضع لأمر واحد مضمونه الرئيس: «لا لعودة الأنظمة التوتاليتارية من جديد، حتى ولو على حساب مفهوم السيادة الشعبية».

لشريف مراد.

إضاءات-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate