حداثة و ديمقراطية

ديمقراطية ما بعد الحداثة عند جيل ليبوفتسكي  (1)

توطئة:

شهد مطلع الثمانينيات نشْر ليبوفتسكي لكتابه العمدة “عصر الفراغ: الفردانية وتحولات ما بعد الحداثة”، وقد جعله اللبنة الأساس التي أقام عليها صرحه الفكري، والأصلَ الذي رَشَحَت عنه مجموعة من القضايا التي خصّها بعد ذلك بكتب مستقلة تشهد جميعها على إبداع ثرّ وواسع امتد على مسافة زمنية تجاوزت ربع قرن.
وقد كان الرهان الذي قطعه ليبوفتسكي على نفسه منذ بداية عهده بالتأليف أن يوجه مجهوده الفكري نحو رصد التحولات التي طرأت على المجتمعات الغربية المعاصرة بعد دخولها في مرحلة “ما بعد الحداثة” أو مرحلة “الحداثة المفرطة”، بحسب التسمية الأثيرة لديه، وتتبُّع التغيرات التي مست جملة من الموضوعات الهامة مثل: الديمقراطية، والإغراء، واللامبالاة، والنرجسية، وثورة الفردانية الثانية، وطغيان حس الدعابة، والنسوية الجديدة، والإعلام، واستبدال العنف المتوحش بعنف مرن ولين…إلخ. وذلك بطريقة تختلف عما دأبت عليه أقلام الباحثين الذين خاضوا خوضه وسلكوا الدرب نفسه الذي خطه لكتابته( )، وهو اختلاف يمكننا أن نرصده من جهتين؛ أولاهما شكلية تتمثل في مزاوجته بين مستويين في الكتابة: مستوى التنظير الموغل في التجريد أحيانا، ومستوى السرد التفصيلي القائم على تعديد الأمثلة وترصيف الشواهد المعضدة لما يتبناه من أفكار وطروحات، يمتحها، في تأكيد لموسوعيته وسعة إطلاعه، من بيئته الفرنسية أو من بيئات أخرى أوروبية أو أمريكية. أما الجهة الثانية فتكمن في اختلاف الرؤية التي يتبناها حول القضايا التي يطرقها عن رؤى غيره من الباحثين الآخرين ممن تصدوا إلى نفس الإشكال أو قاربوا القضايا ذاتها؛ وهذا الاختلاف نراه أحيانا اختلاف مباينة، يقف فيه ليبوفتسكي على طرف نقيض مما يذهب إليه غيره، وأحيانا أخرى نلفيه اختلافا نسبيا يبدي خلاله اتفاقا مع أطروحة الغير لكنه يتجاوزها ويطورها، كاشفا فيها عن جوانب لم يتفطن إليها أصحابها. وفضلا عن هاتين الخصيصتين يمتلك ليبوفتسكي ناصية الحفر الأركيولوجي في أعماق النفوس البشرية والذوات الجماعية وجذورها، مدفوعا بالرغبة في تعريتها من أوهامها وتفكيك نُظم عيشها للكشف عن حجم التغير والتبدل الذي حدث لها جرَّاء ما اعتراها من تقلبات اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية.

بناء على ذلك، يمكننا القول أن كتابات ليبوفتسكي، وهذه ميزة وليست نقيصة، لا تعالج القضايا بنفَس تأملي تجريدي خالص على طريقة الفلاسفة؛ ولا هي تكتفي برصد الظواهر في الواقع وتتبع مساراتها وتعرجاتها بالاعتماد على الرصد الكمي والتقويم الكيفي مثلما دأب على فعل ذلك السوسيولوجيون؛ ولا هي تقتصر على دارسة سيرورة تشكل الظواهر ومتابعة تطورها على مدى زمني معين بغرض الكشف عن تقلباتها وما اعتراها من تحول كما يفعل المؤرخون؛ بل هي بالأحرى عبارة عن خلطة فكرية تتداخل في تشكيلها مباحث عدة يَعرف ليبوفتسكي كيف يتحكم في مقدار حضورها وإسهامها، بما عُرف عنه من دقة في الملاحظة وعمق في الرؤية وحِدَّة في الأسلوب، يرصد لنا من خلالها خطورة وقتامة الوضع الذي آل إليه حال المجتمعات الغربية المعاصرة بعد أن دخلت في حقبة مباينة تماما لما راهن عليه صُناع التنوير( ) الذين بشروا بمرحلة حداثية كان من نتائجها أن اضمحلت الفروق بين مراتب الناس تدريجيا، وتداعت الحواجز التي كانت تفصل بينهم، وغمرهم ضوء العقل، وتفتقت مواهبهم، واتجهت قدراتهم إلى المساواة، وأخذ سلطان الديمقراطية يغشى تدريجيا النظم والأعراف والعادات في سلاسة وهدوء، فسمت طباع الناس، وتهذبت سلوكاتهم، وتحررت مخاوفهم، وعم الرخاء والعيش الرغيد حياتهم، حتى اعتقد الجميع أنه ما من حياة أرقى ولا أجلب للرضا من تلك التي يحيون في كنفها. لكن ما هي إلا عقود قليلة، حتى انقشع زيف النعيم الموهوم والسعادة الكاذبة، وتبين أن المساواة الاجتماعية التي كانت المطلب الأسمى والمرغوب الأسنى، ليست خيرا كلها، وأن الديمقراطية وإن كان لها عظيم الأثر في مجرى شؤون المجتمع كله، فإن لها مثالب تغافل الناس عنها فخضعوا لها في ذلة وهوان، وعبدوها على أنها صنم القوة، وبعد أن وهنت من جراء إسرافها على نفسها صارت خطرا يحدق بهم ويتهدد المجتمع ككل. ولعل ذلك ما صار فعلا، فقد وجدت المجتمعات الغربية نفسها تتعرض لرجة مختلفة، رجة “ناعمة” إن صح التعبير، هزت المجتمع والأعراف والفرد المعاصر جَراء بروز نمط جديد من التنشئة الاجتماعية والفردية أحدث قطيعة مع ما كان سائدا منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر، من أبرز ما تَولد عنه هجر الأفراد لأنساق المعنى الكبرى التي أفرزتها الحداثة، وسقوطهم في براثن فراغ مهول جرّاء انغماسهم في الشخصنة المُتعية ووقوعهم في حبائل النرجسية التي تعكس الفردانية في معناها الشامل من حيث أنها ضرب “من اللامبالاة المرتخية” المتحررة من سطوة المُثل العليا الجماعية، ومن التشدد التربوي والأسري والجنسي، والمنصرفة إلى نفسها ومُتعها، ضاربة صفحا عما يقع خارجها أو بالأحرى خارج عالمها، ومتوجة لسطوة الفضاء الخصوصي وتسيّده على الفضاء العمومي.

وأقصى ما نطمح إليه في هذا المقال، أن نرصد بإيجاز شديد بعض سمات وخصائص هذه المرحلة الجديدة من حياة المجتمعات الغربية والتي شهدت ميلاد أوضاع مغايرة من جملتها ظهور شكل جديد لضبط السلوكيات، وتنوع في أنماط العيش وتبدل ملحوظ في المعتقدات والأدوار، وبعبارة مجملة، ميلاد مرحلة جديدة من تاريخ الفردانية الغربية تعتمد نهجا ديمقراطيا متقدما لكن فهمه يتطلب منطقا جديدا، لأن الديمقراطية في هذا الوضع الجديد ما عادت محض نظام سياسي يحترم الحريات الأساسية ويتقيد بضوابط الممارسة السياسية كما ترسخت في مخيال وعُرف هذه البلدان، بل أضحت روحا أو ثقافة تسري في جسد المجتمع برمته، أَلفتها النفوس واعتادت على جوِّها الأمزجة، فما صار بمكنة أحد أن يجرؤ على التشكيك في نجاعتها أو يبحث في ما إذا كانت قد حادت عما انتُدبت له جرّاء ما اعترى المجتمع الذي تمارَس فيه من تغيرات وتقلبات. والحال أن الحريات الفردية، التي هي أكبر ما غنمته مرحلة ما بعد الحداثة من الحداثة، بقدر ما حملت الديمقراطية وحمتها، بقدر ما جعلتها أسيرة مصالحها الخاصة ورهينة رغباتها الشخصية، فكان ذلك إيذانا بتحول في ماهية الديمقراطية قُدَّت بموجبه على مقاس الحياة المشخصنة التي هي ميزة هذه المرحلة الجديدة وعلامتها البارزة.

1- شخصنة المجتمع أو دمقرطة المنطق المُتعي:

مَثَّل اكتشاف ليبوفتسكي لأعمال ألكسيس دي توكفيل، عن طريق كلود لوفور (Claude le fort)، خطوة هامة في رسم معالم الطريق التي سيسلكها والمنحى الذي سيتّبعه في توجهه الفكري؛ حيث عقد العزم منذئذ على النبش في ما نبش فيه سلفه في مؤلفه العمدة “الديمقراطية في أمريكا” على أن ينهض لتطوير أطروحته المركزية فيعمقها ويوسعها من خلال رصد التحول الحضاري الذي لحق بالمجتمع الغربي المعاصر ولا يزال مستمرا، والذي انتقل بموجبه من مرحلة الحداثة إلى مرحلة تواطأ الباحثون على تسميتها بـ “ما بعد الحداثة” دون أن يخرجوا بتعريف موحد لها يضبط ماهيتها ويحدد مواصفاتها؛ ومع ذلك فإن أغلبهم ينظر إليها باعتبارها الحداثة عينها وقد فقدت حيويتها وخفَت رنينها واضمحل عمقها وفقدت قدرتها على تنظيم حياة البشر ومنحها معنى. بمعنى آخر، إن ما بعد الحداثة هي الحداثة وقد أضاعت صلتها بجذور حداثتها( )؛ إنها بمثابة موجة عميقة وشاملة غمرت الظاهرة الاجتماعية في كليتها، يحكمها منطق جديد يصطلح عليه بـ”عملية الشخصنة”، تعد شكلا جديدا لتنظيم المجتمع وتوجيهه وتدبير سلوكيات أفراده، وهي تحيل على أمرين متقابلين، أحدهما سالب يشير إلى التشقق الذي أصاب التنشئة الاجتماعية الانضباطية، والآخر موجب يحيل على تشكل مجتمع مرن قائم على الإعلام، وإثارة الحاجات، والجنس، وتقديس الطبيعي وروح الدعابة.( ) وقد كان من تبعات هذه العملية المستجدة أن تصاعدت حدة التمركز على الذات، واللامبالاة بالمصلحة العامة، وغلبة الفردي على الكوني، والنفسي على الإيديولوجي، جاعلة من المرحلة الراهنة في نظر ليبوفتسكي بمثابة “ثورة فردانية ثانية” تمثل جولة ثانية في المسار التاريخي للفردانية. فما هي أبرز سمات هذه الثورة الجديدة؟ وما الذي يميزها عن الثورة الفردانية الأولى؟

بَدهي أن الثورة الفردانية الأولى المقصودة هنا هي تلك التي جلبتها ودافعت عنها بشراسة الثورة الحداثية التي ليست في نظر ليبوفتسكي “إلا وجها من أوجه سيرورة علمانية أوسع قادت إلى ظهور مجتمعات ديمقراطية تأسست على سيادة الفرد والشعب، وعلى التحرر من الخضوع للآلهة والهرميات المتوارثة وسطوة التقاليد. إنها امتداد ثقافي لسيرورة برزت بسطوع داخل النظام السياسي والقانوني مع نهاية القرن الثامن عشر، واستكمال لعمل ثوري ديمقراطي شكل مجتمعا خاليا من الأساس الإلهي، وتعبير خالص عن إرادة الناس المعترف لهم بالمساواة.”( ) ولئن كانت الثورة الحداثية قد ركزت على الفرد وأعلت من قدره وأرخت له العنان ليُظهر نبوغه وإبداعه في شتى مجالات الحياة، وليعيش حياته متحررا من ربقة الضغط اللاهوتي الذي كان جاثما على نفسه لقرون، حتى أضحى (أي الفرد) القيمة المركزية التي تبدأ الحياة معها وتنتهي عندها، فإن مما يجدر بنا ذكره في هذا الصدد أن الفردانية التي أرست دعائمها هذه الثورة كانت انضباطية ومناضلة وبطولية وواعظة أخلاقية مفعمة بالثقة في المستقبل وفي الغد المشرق، بينما أفسحت الثورة الفردانية الثانية منذ سنوات الستينيات من القرن العشرين المجال أمام ظهور فردانية جديدة تكاد تقطع مع سابقتها من حيث أنها “تتميز بكونها مُتَعية ونفسية، وتجعل من التحقق الذاتي أهم غاية في الحياة. ما أدى إلى اندحار المشاريع المجتمعية الكبرى، وتآكل الهويات الاجتماعية والمعايير الإكراهية، وإلى تقديس حرية التصرف في الذات على مستوى الأسرة والدين والجنس والرياضة والموضة والانخراط السياسي والنقابي.”( ) فما السبب في هذا التغير الفجائي الخطير؟

إنها ثورة الحياة اليومية متجسدة في عملية الشخصنة التي غزت الهوية الشخصية وطالت جميع مناحي الحياة، ومنحت الفرد الحق المطلق لأن يكون نفسه بالصورة التي يريد، دافعة إياه بذلك إلى أقصى حدود النرجسية. وقد أجمل ليبوفتسكي ملامح ومواصفات هذه المرحلة الجديدة، مرحلة ما بعد الحداثة، في قوله: “إن الزمن ما بعد الحداثي هو المرحلة الباردة ومنزوعة الأوهام من الحداثانية، واتجاه نحو أنسنة على المقاس للمجتمع، وتطوير لبنى سائلة تصاغ وفقا للفرد ورغباته، وتحييد للصراعات الطبقية، وتبدد للمخيال الثوري، وتنام للامبالاة، ونزع نرجسي للجوهر، وإعادة استثمار بارد للماضي.”( ) إنها باختصار مرحلة آثر فيها الإنسان أن يعيش الحاضر ولا شيء غير الحاضر، ولم يعد يرغب في أن يعيش وفقا للماضي والمستقبل. فلا شيء أمسى يهمه غير هنا والآن، وقد كرس حياته لتحقيق كينونته ورفاهيته عبر ضروب من الاستهلاك الجديد الذي اتخذ طابعا باردا ومائعا ملأ عليه حياته المتعية وأفرغها في المقابل من جوهرها وهضم قدرتها على النقد والمساءلة، محررا بذلك الفضاء الخاص الذي بلع كل شيء يدور في فلكه بما في ذلك القيم المتسامية، ومضى نزع الجوهر إلى متمه بعدم القدرة على الإحساس والفراغ العاطفي، فسقط الفرد في الفراغ.
على أن هذا الوضع الجديد ليس بالأمر الطارئ، أو بالحدث الذي تولد بصورة طبيعية كنتيجة لحتمية تاريخية لم يكن منها بدّ، بل هو وضعٌ دبرته وخططت له المؤسسات الكبرى ووسائل الإعلام واستنفد من أهل الحل والعقد سنوات ذوات العدد قبل أن يستوي على سوقه في صورة مجتمع استهلاكي أتى على قيم الحداثة ومُثلها، واستبدلها بقيم ومعايير استهلاكية فرَّ بموجبها الأفراد نحو متعهم وإشباع ملذاتهم الآنية التي لا تنضب، وأعلنوا في المقابل استقالتهم من الشأن العام ومِن كل ما لا يمت للحياة الخاصة بصلة، فدخلوا بذلك عهدا جديدا شعاره “اللامبالاة” والتمترس داخل أسوار الذات، فأمسى الواقع أشبه بصحراء قاحلة جرّاء “موجة من الانسحاب التي أصبحت بسببها جميع المؤسسات وكل القيم والغايات الكبرى التي نظمت المراحل السابقة تدريجيا مفرغة من جوهرها”( )، فتحول الجسد الاجتماعي إلى جسد فاقد للحياة وجسم متخلى عنه.
وكان من تبعات ذلك أن فقد الإنسان صلته بالمعنى، واعترى الفتور علاقته بمختلف القطاعات الحيوية؛ فأصبح ميدان التعليم منزوع القداسة ومبتذلا بعدما تم إفراغه من لبه وتحييد دوره في بناء الإنسان الواعي المحصن ضد أي استلاب أو تشييء، وشهد مجال السياسة فتورا لا تخطئه العين، تجلوه نسب الامتناع عن التصويت، وتراجع الوعي الإيديولوجي الصارم لصالح فضول مشتت كان للإعلام فيه اليد الطولى والدور الأكبر، وسقطت السلطة من عليائها، ونزلت الفخامات والمهابات عن عروشها، وتمت علمنة القانون، وأقحم الكل في مساواة مبتذلة لا تراتبية فيها ولا إقصاء. والأمر ذاته يسري على باقي المجالات، بما في ذلك الترفيه الذي وإن شهد إقبالا لم يُعهد من قبل، فإن الفتور الذي دَاخَلَه كان سببه تعدد وتنوع إمكانات الاختيار التي أُغرِق فيها الفرد وبصورة تصيب بالدوار، فبات الإنسان في وضع شتات وحيرة، لا يتمسك بشيء، ولا يملك يقينا مطلقا، ويكون في انتظار كل شيء، ولا تثبت آراؤه على حال، وأمسى مستقلا لكن من دون قوة، ومتحررا لكن من دون إرادة.

وليست هذه التغيرات التي طالت الذوات في المجتمع الغربي بمدعاة للاستغراب إذا ما علمنا بأنه “لا تحدث ثورات من غير أن تهز معتقدات الناس القائمة وتضعف السلطة، وتلقي الشكوك والغموض على الآراء المأثورة التي درج الناس على الأخذ بها. فكل ثورة تؤدي إلى تحلل الناس من القيود، وتتركهم وشأنهم في أمور سلوكهم، وتفسح لعقل كل واحد منهم مكانا واسعا يكاد لا يحد.” على أن الفرد ما بعد الحداثي وإن كان يعيش في ظل ثقافة غير متمركزة وغير متجانسة، قطعت صلاتها بقيم الحداثة الكبرى بفعل عملية الشخصنة، فإنه لم يصل بعد إلى مرحلة الضياع المطلق للمعنى ونزع الشرعية عن كل شيء، فقد أبقى، من جملة ما أبقى عليه، على قيمة مشتركة تتمثل في “الحداثة الديمقراطية الفردانية”، وهي قيمة ظاهرها عسل وباطنها علقم، والسبب في ذلك أنها خضعت بدورها لعملية الشخصنة، وتحول الإنسان الفرداني إلى ما يصفه ليبوفتسكي بـ “النرجسي” الذي كان ميلاده إيذانا ببلوغ الإنسان المعاصر “الذروة الأخيرة لخيال المساواة الديمقراطي: إنه تفرد الآخر الذي يجعله قريبا مني، ولا يشبهني، أخي…”.( ) وقد أسفرت هذه المساواة، التي لم تأت كإفراز طبيعي لتطور المجتمع بقدر ما كانت صنيعة نظام، كما أسلفنا القول، عن تطبيع سكان الكوكب الجديد مع النزعة الاستهلاكية والنفسية المفرطة واعتصامهم بعوالمهم الخاصة ومطالبتهم بحكم النفس لنفسها. وهذه في ما نحسب أجلى صور تحقق الديمقراطية كما نادت بها اليونان القديمة، مع فرق وحيد، لكنه دال، أنها ديمقراطية مقطوعة الصلة بالايديولوجيات البطولية لأنها ببساطة ديمقراطية فقدان الاتجاه، وانعدام الأمان والإحباط، لأنها تهب أفرادها كل شيء، وتسلبهم في المقابل كل شيء، جوهرهم؛ تأخذ منهم حريتهم الفاعلة أو تعطلها، وتمنحهم حرية وهمية يصرفونها في ما يحقق لهم متعهم ويستجيب لرغباتهم ويخمد نار شهواتهم ونزواتهم. وقد أجاد توكفيل في وصف هذه الحال بعبارة لا يزال مضمونها ساري المفعول اليوم، يقول: “الأمم الديمقراطية فيها ميل طبيعي إلى الحرية. ولكن الحرية ليست هدفها الأول الدائم الذي تتجه إليه رغائبها، أما المساواة فمعبودها الخالد. فالناس في هذه الأمم يبذلون جهودا سريعة فجائية للحصول على الحرية، فإن لم يصيبوا غرضهم استسلموا للفشل. ومع ذلك فليس شيء يرضيهم غير المساواة، وإنهم ليؤثرون الموت على أن يفقدوها.”

ولَعمري إني لأجد هذا الوصف منطبقا على الأفراد في المجتمعات الغربية المعاصرة؛ فبقدر ما تشهد حريتهم توسعا ورحابة بقدر ما تغدو هذه الحرية مدجنة ومنزوعة المخالب، بفعل تحول الأفراد إلى مواطنين مسالمين وطيّعين لا يأبهون لشيء غير ما يحقق متعهم الخاصة ويعزز حميميتهم، وما عادت الدولة في حاجة إلى استعمال أدوات المنع والقمع التقليدية لأنها فقدت مسوغاتها في ظل التحول الذي أتينا على ذكره، لذلك عمدت إلى تسهيل ممارسة الأفراد لحرياتهم دونما رقابة، أو لِنَقُل إنها استعاضت عن الرقابة القديمة التي كانت تتم انطلاقا من نسق منعي، برقابة جديدة مسايرة للعصر الجديد، تتم انطلاقا من نسق تحرري، فاسحة المجال أمام الإغراء ليفعل فعله في تذويب التصلبات وتليين الجمود. بمعنى أن هذه الرقابة الجديدة، لم تعد تستهدف الوقوف في وجه رغبات الأفراد، كما لم تعد تولي كبير اهتمام لكبح جماح ميولاتهم وما تشتهيه أنفسهم. وليس مردّ ذلك إلى تقصير من جانبها ولا إلى حرصها على ما يحقق سعادة المواطنين، وإنما ليقينها بأن هؤلاء قد ركنوا، بعد الذي وظفه بيروقراطيو المعرفة والسلطة من كنوز الخيال وأطنان المعلومات، إلى عوالمهم الخاصة وهجروا الفضاء العام، وأصيبت الثقافة المضادة بالإعياء فما عاد يوجد ما يُخشى منه، بعدما ساهمت عملية الشخصنة في تذويب القوانين وفرض قواعد جديدة تصلح لإنتاج شخص مسالم، في مُكنته أن يقول ما يشاء ولكن دون صراخ، وأن يقول كل ما يريد على أن لا يمر إلى الفعل؛ وعلى هذا الأساس ما عادت الدولة تهتم بإعاقة أي تعبير عن الرأي، بل عمدت إلى رفع الشرعية عن كل الآراء وتمييعها، وجعلها بدون معنى. يقول جويل رومان (Joel Roman) ارتباطا بذلك: “أي جدوى من الحرية حين يتم إفراغها من محتواها، وحين تعادل القدرة على التعبير عدم قول أي شيء؟ ما الذي يهددنا أكثر، هل مقص الرقيب أم ذلك المد من الخطاب الذي لا يزعج أحدا؟”. كما أن التربية لم تعد سلطوية ولا متكلفة، بل استبدلت رداءها الإكراهي الجبري برداء سلس وناعم أمست بموجبه “متساهلة للغاية ومستمعة لرغبات الأطفال والمراهقين، في الوقت الذي تقوم فيه الموجة المتعية بنزع الشعور بالذنب عن الزمن الحر، وتشجع على تحقيق الذات دون قيود وزيادة الأنشطة الترفيهية.” وتخلى السياسيون، من جهتهم، عن خطابهم المتعالي وعن الدروس البيداغوجية المجردة، ولغة الخشب، والأدوار المتفاصلة والتقليدية لصالح “خطاب مؤنسن” يساير السلوك ما بعد الحداثي للإنسان الديمقراطي. والأمر ذاته يسري على مجمل مناحي الحياة اليومية؛ فقد تلاشت، في زمن الإبهار، تلك التناقضات الصلبة، بين الحقيقي والمزيف، وبين الجميل والقبيح، وبين الواقع والوهم، وبين المعنى واللامعنى، وأصبحت المتضادات عائمة. ففقد الإنسان صلته بالمعنى وبات يخبط خبط عشواء متحررا من ربقة أي هدف أو غاية سامية، وقصّر اهتمامه على تأمين صحته وحماية وضعه المادي والتخلص من “العقد” وانتظار العطل، واختزل حياته في شعار دال مقتضاه “حيث كانت الأنا ينبغي أن أصير”. وبذلك تكون النرجسية قد توفقت في إفراغ الأنا من آخر معاقل المقاومة لديها، وصَيَّرتها كائنا لا حول له ولا قوة إلا ما يسعفه في تلبية مآرب يقتصر عليها في تحمل حياةٍ عبثا يحاول أن يقنع نفسه بأنها سعيدة. ولعل واقع الحال يكشف بما لا يدع مجالا للشك بأن الإنسان المبادر، الحر، المتحكم في اختياراته، الواعي، العاقل بدأ في الانحسار، في ظل فضاء جديد، لم يعد التفكير فيه ممكنا، إلا في غياب الإنسان. وهذا الغياب يعزى في المقام الأول إلى المفعول الذي تحدثه “إيديولوجيا الاختراق” كما سماها المفكر الراحل محمد عابد الجابري، والتي تعمل على إثارة إدراك الفرد واستفزاز انفعاله وحجب عقله، مُحَوِّلة إياه إلى فرد مستسلم أُخضعت نفسه، كما أُخضع بدنه بأحاسيسه وانفعالاته واشتهاءاته، فركن إلى نفسه، واختار، أو لِنَقُل بأنه دُفع دفعا إلى اختيار الخيار الشخصي، وبِاسْم الحرية، كرس النزعة النرجسية التي ليست حسب ليبوفتسكي “إلا الدرجة الصفر من الحياة الاجتماعية”. على أن ذلك لا يفيد أن هذه النزعة تسقط حق الآخر أو تتنكر له، بل كل ما يعنيه أنها تعمد إلى “النسخ التدريجي للواقعين الفردي والاجتماعي في مدونة الذاتية” في انسجام وتناغم تامين مع القيم الفردانية الديمقراطية التي روج لها الاستهلاك الجماهيري على نطاق واسع.

لد.عبد القادر ملوك.

منر الاسلام-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate