اصلاح ديني

عندما يسرق وحش الإرهاب وجهك: مقاربة في فكر عبد النور بيدار

وصف هاشم صالح، المفكر الفرنسي من أصل إسلامي، “عبد النور بيدار“: بأنه مصاب بالمشكل الإسلاميّ؛ بل و(موجوع) على طريقة الكبار، من أمثال؛ كيركيجارد، أو نيتشه، أو محمد إقبال. تشعر حين تقرأه كأنه يكتب بعروقه ودمه، وأنه يبحث عن حل أو علاج، وهنا تكمن سمة المفكرين الحقيقيين.

هذا الوصف المعبر الجميل، يجد مصداقه بمقاربة (عبد النور بيدار) النقدية، وهي مقاربة عمليَّة، حيث كانت الأحداث الأخيرة في فرنسا قد أثارت الكثير من عوامل التهديد المجتمعي والسياسي، مما أثار ردود فعل فرنسية، كانت آثارها واضحةً على الجالية الإسلاميَّة في فرنسا، مما جعل الأصوات تتعالى، وهذه المرة للتأكيد على أنه آن الأوان، بالنسبة إلى أفراد هذه الجالية، لتجاوز الطريقة التي تتعامل بها، فهذه الجالية مازالت تراوح بين ردود الفعل أو التشكي، كما تبعتها آليات تعاملها مع الأحداث الإرهابيَّة الأخيرة، وهي بين التنديد بالعمليات الإرهابيَّة، وبين التأكيد على أن الإسلام وغالبية المسلمين براء من هذه العمليات. وحين لا تجد الآليتين السابقتين، تميل إلى الثالثة، وهي تصور نفسها ضحية أو (كبش محرقة) للأفعال الانتقاميَّة، التي تثيرها الأعمال الإرهابيَّة فتميل إلى التشكي.

حال الجالية، هو حال كل عالمنا العربيّ، فالمناطق التي ينطلق منها الإرهاب، دائمًا ما تدعي أنَّها مسلوبة الإرادة، أو أنَّها لا تجد أنَّ الإرهاب يمثلها أو يمثل الإسلام، وهي وسائل للتهرب أو التنصل من مواجهة شجاعة ضد الإرهاب. وعملية الخلط الموجودة لدى شرائح كثيرة في المجتمع الفرنسي، بشكل خاص، ومجتمعات البلدان الغربيّة عمومًا، بين مقترفي العمليات الإرهابية من جهة، والإسلام والمسلمين من جهة أخرى، أدَّت إلى ظهور أصوات كثيرة من النخبة، منها؛ صوت غالب بن شيخ رئيس المؤتمر العالمي للديانات من أجل السلام، وصوت الفيلسوف عبد النور بيدار، ويدعو كلاهما المسلمين إلى تجاوز حدود الشكاوى، من الخلط بين الإرهابيين من جهة، والإسلام والمسلمين من جهة أخرى. وتجاوز المقولة التي مفادها أن الإسلام براء مما يحصل، ويدعو كلاهما المسلمين إلى عدم الانكماش، والتعلق بالقيم الإنسانيَّة، والانخراط بشكل عملي في منهجيَّة جديدة، تصنفهم في صف المساهمين الفعليين في التصدي للإرهاب، لا في صف الذين يتوقفون عند حدّ البكاء والتشكي.

من هنا، تنطلق أُطروحته في مواجهة الوحش الكامن في التراث القديم، وهو يتفجر عنفًا ضاريًا اليوم.

هذه الأطروحة جعلها الفيلسوف (عبد النور بيدار) على صعيدين: صعيد النظريَّة، وصعيد الممارسة. أمَّا النظرية؛ فقد كَتب خمسة كتبٍ أمَّنت له مكانةً مرموقةَ في الوسط الثقافيّ الباريسيّ، وقذفت به إلى القمة، حيث يخوض المفكرون المهمومون بالفكر الإسلامي، ومستقبل الإسلام ككل.

أمَّا على صعيد الممارسة؛ فقد انخرط ضمن مجموعة من الأصوات في المجتمع المدني، لدى مسلمين يشاطرون هذه الرؤية، منها صوتا؛ بسام برايكي، ولطيفة بن زياتن. لقد مارسوا دورهم في مواجهة الإرهاب، وحثوا على الفعل الإيجابيّ، وهذا ما عبر عنه (عبد النور بيدار) على المستوى المدني، وانخراطه في الإعلام من أجل تغيير الصورة؛ لهذا عرف بوصفه: فيلسوفًا وكاتبًا فرنسيًّا متخصّصًا بنقاش الإسلام والدين، واشتهر بالهجوم على صحيفة شارلي إبدو، وحين كتب مقاله بعنوان “رسالة مفتوحة للعالم المسلم” في 2015، بسبب وفاة عبد الوهاب المدب، كان مكلّفًا ببرنامج “ثقافات الإسلام” على إذاعة فرنسا ثقافة، وقد لا يعجب هذا الأسلوب من النشاط، ويحاول بعضهم السخرية منه، كما وصف من قبل بعض الدراسات الصحفية، بالقول: (من حين لآخر تخرج الرموز العلمانية المسلمة، بمبادرات جريئة لخدمة الإسلام، وإنقاذه من التردّي الذي يرتكس فيه، حسب وجهة نظرهم، وفي هذا السياق وجّه من فرنسا الفيلسوف (عبد النور بيدار) ما أسماه “رسالة مفتوحة إلى العالم الاسلامي” في أكتوبر 2014، ضمّنها وصفة سحرية لحلّ مشكلات المسلمين، اتّسمت بدرجة كبيرة من العجرفة والغرور. اعتقد أنَّ مرد السخريَّة يرجع إلى أن هذا الأنموذج من الإسلام غير معروف، وهو أنموذج أوربيّ، كما دعى إليه، (أوليفيه روا) بقوله: (تيار يطلق عليه اسم “إسلام الأقلي”، ومصاديقه المسلمون المهاجرون إلى الغرب، والذين قرروا الاستيطان نهائيًا في البلدان التي هاجروا إليها، حيث يشكلون أقلية، ويسعون لإقامة هويتهم الدينية في مجتمعات علمانية، وذات أصول مسيحية، ما يجعل سعيهم معقدًا: هو الاسلام الأوربي).

وهو هنا، ممثل (عبد النور بيدار) الذي طرح سؤال في رسالته تلك: (أنا أنظر إليك من ذاك البرزخ الواقع بين بحري الشرق والغرب، وماذا أرى؟ ما الذي يمكنني رؤيته أفضل من غيري، لأنّني أنظر إليك من بعيد بما يتيحه التنائي من حدّة نظر؟ أراك في حال شديدة من البؤس والمعاناة تثير أشدّ أحزاني، وهي الحال التي تجعلني، أيضًا، أشدّ قسوة في حكمي عليك كفيلسوف؛ ذلك أنّني أراك بصدد ولادة وحش، ينتحل اسم الدولة الإسلاميّة، ويفضّل البعض تسميته باسم (شيطان داعش). ولكن الأسوأ هو أن أراك تضيع نفسك، وتضيع وقتك وشرفك، في رفض الاعتراف بأنّ هذا الوحش هو سليلك، وليد ضلالاتك، وتناقضاتك، وتمزّقك بين الماضي والحاضر، وعجزك الدائم والمفرط عن تبوّأ مكانتك في الحضارة الإنسانيّة).

إنَّه هنا، في هذا المفتتح من الرسالة، يشخص طبيعة المرض الذي تعاني منه الأمة في تاريخ من القراءات الأصوليَّة العنيفة، التي تعالت على التاريخ، وانسلت اليوم في ثقافتنا المعاصرة عبر التربية والتعليم والتواصل الاجتماعيّ، وتجلت في ظاهرة العنف الذي سرق وجوهنا، وأخذ يمثلنا على أنه الإسلام، وهي بالتأكيد خطابات عنيفة، تنبعث من الماضي، وتضرب بعنف تعايشنا اليوم، وتقسم مجتمعاتنا على أسس من صراعات قديمة. إنه الوحش الذي تم استعادته من الكتب الفقهيّة القديمة من أيام بعيدة، فهو يعيننا على التشخيص بذهنية الحكيم الفيلسوف الذي يرصد ويعيش آثار هذا العنف في حياتنا، مثلما يعيشه في حياته، فهو مثقف مهموم بهذا الهاجس، كما وجدنا أركون من قبل، وهو مهموم بالعقلنة في قراءة التراث، وكشف الأصوليات الكامنة فيه، من أجل ما أسماه (المساهمة في تحرير المعرفة التاريخية من إطار القصة ومجرياتها، من أجل جعلها تتوصل إلى وظيفة الكشف عن الرهانات الحقيقية للتاريخية).

فهذه المعرفة تساهم في التشخيص، الذي يفترض بعده الاعتراف بالمرض، لكي يسهل معالجته. فالتشخيص: أن المليار ونصف من المسلمين في العالم كلّه، يعانون مرضًا خطيرًا لم ينجُ منه إلا قلّة قليلة من (المستنيرين)، هو داءُ المسلمين الأول الذي جعلهم عرضة، أو مصدرًا، للتخلف والإرهاب، وهو قائم على مقام عالٍ من الشموليات والأصوليات التي تحتكر الحق، وغيرها في الضلالة. هذه الأصوليات تستعبد الإنسان، من أجل ارتهانه إلى ملفوظاتها الصراعيَّة، على الرغم من أنَّ القرآن الكريم طاقة تحرير كبيرة، حاربت العبوديّة، وأطلقت شعار الحرية والعشق، ومنحت الإنسان دورًا كبيرًا، ولكنَّ المدونات الفقهيَّة تحاول استعباد الإنسان المسلم وإخضاعه إلى التكفير.

إنَّ بيادر هنا، فيلسوف تحرر من عبودية الكراهيَّة، ومدوناتها الفقهيَّة بكل أُصولياتها، واتجه إلى إحياء الجانب الوجودي من الإسلام؛ أي إحياء دور الإنسان الحر، ودور الإيمان بكل طاقته على التحرر؛ من اغتصاب تلك المدونات، إلى إنسانية الإنسان المسلم، ودوره في الاختيار وحريته في تمثيل ذاته بانفتاحه، وتنوع القراءات من أجل مواجهة وحش الكراهية، على الرغم من كل أشكال النكران التي تعتمده، وأنت تقول: “هذا ليس أنا!، هذا ليس الإسلام”. أنت ترفض أن تُرتكب جرائم هذا الوحش باسمك، وتسخط على نفسك أمام هذه الفظاعة، وتثور على اغتصاب الوحش هويّتك، وأنت، لعمري، محقّ في ذلك. إنّك تلوذ بآليّة الدفاع عن النفس دون أن تتحمّل، بصفة خاصّة، مسؤوليّة النقد الذاتي، وتكتفي بالسخط، في حين كان يمكن لهذه اللحظة التاريخيّة أن تكون فرصة عظيمة لمساءلة نفسك! وكالعادة، أنت تتّهم بدلًا من أن تتحمّل مسؤوليّتك: “توقّفوا، أيّها الغربيّون، ويا أعداء الإسلام جميعًا، عن ربطنا بهذا الوحش؛ فالإرهاب لا يمثّل الإسلام، والإسلام الحقّ لا يعني الحرب؛ بل يعني السلم”.

هذه الرؤية غاب إدراكها عن الكثير من النقاد، وبدل من دراستها وتدبرها، تناولتها الدراسات الصحفية بلغة ساخرة من قبل، وهي لا تميِّز بين الإسلام التاريخيّ، والقراءات التاريخيَّة التي كتبها فقهاء ومتكلمون من البشر، لهم انحيازاتهم ومواضعاتهم من أهل السياسة، ويتعامل معها الكثيرون على أنها الإسلام، وأي نقد لها كأنه للإسلام.

ويعلق واحدٌ من الباحثين على الرسالة، ويحاول أن يوجِّه لها نقدًا على أنها تمثل تعاليًا وهيمنةً، ويسخر من الرسالة بتنميطها، فيقول: (الذي حرّف القرآن، إذن، وحوّل الإسلام إلى آلة جهنمية تنتج التقتيل والتخريب؛ هم، بكل ّ بساطة، علماء الدين منذ فجر الإسلام، ويكمن العيب الأكبر، حتى اليوم، في ترك التحدث باسم الدين لجهلة منغلقين شكلتهم الذهنية الدينية. فما الحلّ إذن؟ ومَن المؤهل لتفسير الإسلام؟ إنهم فقط المفكرون من أصل إسلامي، الذين يعيشون في الغرب ويتبنون قيمه وثقافته، وتتلخص المهمة الموكلة إليهم في (علمنة الإسلام وأنسنته)، حتى لا تبقى له صلة بالوحي والمقدّس والتاريخ الذي صنعه المسلمون في كنفه. فمستقبل المسلمين، ومعه البشرية، قاتم إذا بقي الإسلام ينتج وحوشًا، بسبب عدم تكيّفه مع الحضارة الغربية).

وهذه رؤية تعتمد على نقد تهافتي، يقوم على تحجيم الآخر، وتعرية مقدماته وتحويلها إلى مجرد انحياز (إيديولوجي متعالي كونيالي)، في حين أنَّ الأمر ليس بهذه الآلية؛ بل العكس صحيح، فكل مدافع عن هويةٍ ثابتةٍ متعاليةٍ، يعاني بالتأكيد من التمركز واحتكار العلميَّة؛ فالعلماء في الإسلام ليسوا خارجين على التاريخ وانحيازاته، فهؤلاء مهمومون بانحيازاتهم، وقراءتهم لا تخرج عن انحيازاتهم المذهبيَّة الفقهيَّة أو الكلامية؛ أي عن البنية الفكريَّة والمنهجيَّة، والحقل التاريخيّ والعقائديّ وممكناته المعرفيّة والسياسيّة؛ أي، في كل الأحوال، هم من أهل الماضي بكل ظروفه وإشكالاته. وفي النتيجة لا يمكن اعتبارهم يمثلون الإسلام؛ بل هم علماء من البشر باحثون في الدين، وهم لا يخرجون عن كونهم بشر، ومعرفتهم لا تتعالى عن تاريخيتهم. ومن ناحية أخرى؛ فإنَّ أيَّة واقعةٍ هي وليدة ممكناتها العلمية، فالقراءات في ظل تقدم المناهج في علم الاجتماع والمعرفة، لا يمكن أن تكون واحدةً؛ فالغرب أكثر تقدمًا في مجال العلوم، والمناهج عند أجدادنا أكثر تقدمًا منه يومًا.

وهو ما أشار إليه أركون حين اقترح حقلًا جديدًا للبحث اسماه “الإسلاميات التطبيقيَّة”، وعلّل هذا كونها، أي “الإسلاميات التطبيقيَّة”، تسعى إلى نقد العقل الإسلاميَ، باعتباره عقلًا دوغمائيًّا، وهذا العقل هو عقل الإنسان المسلم اليوم، والذي مازال منغلقًا داخل السياج الدوغمائي المنغلق، ويدعو إلى نفس ما يكرره (عبد النور بيدار) هنا، ويحاول أركون في مشروعه النقدي، الدعوة إلى إسلام جديد معافى بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وهناك دراسة نقديَّة “السيد ولد أباه يرد على رسالة عبد النور بيدار الموجهة إلى المسلمين” تنتقد تأصيل الإرهاب وإرجاعه إلى الفترة الكلاسيكيَّة، وهنا يقدم دليلين؛ الأول: تم استقاؤه من أطروحة (الباحث الفرنسي أوليفيه روا)، مفاده: (إن السمة المميزة للتنظيمات الإيديولوجية الإسلامية: هي أنها تنزع إلى تصفية الدين من كل حوامله الثقافية، من منظور طوبائي راديكالي يدعي وهم الوصول إلى النموذج الإسلامي الأصلي، بالقطيعة مع كل التراث التأويلي للمسلمين، بما توظف له الأدبيات السلفية الكلاسيكية بطريقة مفتعلة وخاطئة. ما يبينه “روا”: هو أن هذه التيارات في نزوعها الأصولي، تعتبر المؤسسة الدينية التقليدية عدوها الأول، وتعتبر التراث الإسلامي الوسيط تأويلًا منحرفاً للدين).

والثاني: من دون الخوض المفصل في تبيان أوجه الاختلاف بين خطاب الإيديولوجيات الإسلاميَّة الراديكاليَّة، والتقليد الإسلاميّ المتبع في نظام التدين الجماعيّ لدى المسلمين، نكتفي بالإشارة المقتضبة إلى مفهومين مركزيين في هذا الخطاب، وهما؛ مفهوم الإمامة السياسيَّة (فكرة الخلافة)، ومفهوم التكفير (أساس رؤية العالم).

الفكرة الأساسية التي يعتمد عليها الدكتور “السيد ولد اباه” برده على رسالة عبد النور بيدار الموجهة إلى المسلمين: “هي فكرة تحاول فصل الإسلام السياسيّ، كقراءة إيديولوجية معاصرة لها إشكاليتها الفكريَّة المعاصرة، وقد مرت بتطورات من مشروع الخلافة مع الشيخ رشيد رضا (1282-1354ه-1865-1935م)، مع تطوير الفكرة إلى الدولة الإسلامية، على الرغم من أنَّه تم أخذها من قبل “عم رشيد رضا”، بعد تعديل تحولت فيه من خلافة (ممتنعة وطوباوية، إلى دولة إسلامية ممكنة وواقعية). وهكذا أتت مقولة الحاكمية عند سيد قطب بعد تأثره بالممدودي وصولًا إلى دولة الخلافة.

ويبدو أنَّ أوليفيه روا يريد هنا، عزل هذه التطورات عن التراث الكلاسيكيّ، وربطها بالفكر الراهن، ثم إنَّه يقارن بين مفاهيم الإمامة، وتلك المفاهيم، ويرى أنها مختلفة عما هو موجود في الفهم الإسلامي في العصر الوسيط، وكذلك يفصل بين الفهم الإسلاميّ اليوم للتكفير، والفهم القديم، ويأتي بمثال من الغزالي، يقول: (أما الكفر، كما بين حجة الإسلام الغزالي؛ فهو الجحود والعناد، لا عدم التصديق في ذاته، ما دام الاعتقاد اقتناعًا عقليًّا حرًّا وصادقًا).

أي إنه يؤكد القطيعة بين الإسلام السياسيّ المعاصر، والتراث الإسلامي، في رده على بيدار، من أجل الدفاع عن التراث الوسيط الإسلامي، وبهذا مارس الإقصاء إلى فكر معاصر إسلاميّ من دون أن يناقشه. هنا، أتذكر مقولةَ الشيخِ البنَّا وتأكيدَه على هويتِهِ السلفيَّة، في قوله: (نحن سلفيون من أتباع الشيخ رشيد رضا)، وقوله: (الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمين، يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على الإرشاد، وقديمًا قال الخليفة الثالث رضى الله عنه: “إن الله ليزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن”، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر).

ويبدو أنَّنا إزاء موقفين؛ الأول: يفصل بين الإسلام السياسيّ والإسلام الكلاسيكيّ، وينتقد الأول ويدافع عن الثاني، وهو، هنا، يمثله الدكتور “السيد ولد اباه”. والموقف الثاني: ربط الإسلام السياسيّ بالإسلام الكلاسيكيّ، ولا يفصل بينهما، وهو ما يمثله “عبد النور بيدار”، وينطلق من رؤية معاصرة في مقاربة التراث الإسلامي مقاربةً نقديةً وجوديًّة، فيقترب من “محمد أركون”.

وفي النتيجة؛ إنَّنا إزاء قراءة “عبد النور بيدار”، الذي له إشكالية ورهانات مختلفة، وقد توفرت له من الممكنات ما يمكنه من أن يبصر ماهو غير مفكر به لدينا، وتوفر له من الحرية ما لم يتوفر لدينا، فهذا أمر بديهي، ولكنَّ هذا لا يعني نفيه والسخرية منه؛ بل محاورته، واستثمار ما يمكن أن يخرج به من تشخيصات، وما يقترحه من حلول، فهو مشتبك معنا؛ لأنه مسلم عليه تقع آثار الإرهاب، ويتعرض إلى النفي والتخوين؛ لكونه مسلم فرنسي، فهو شريك بالجرح ومهموم به. ونعود إلى رسالته التي فيها من الصراحة والعمق الشيء الكثير، ومنها سؤاله:

(كيف تراه، أو لا تريد أن تراه؟ وهذا ما يدفعني إلى طرح سؤال؛ بل السؤال الكبير: لماذا سرق هذا الوحش وجهك؟ لم اختار هذا الوحش وجهك بالذّات لا وجهًا آخر؟ لِم لبس قناع الإسلام دونًا عن غيره؟ ذلك أنّ صورة الوحش هذه تُخفي في الواقع مشكلة كبيرة، لا يبدو أنّك مستعدّ لمواجهتها، ومع ذلك يجب عليك مواجهتها، ويجب أن تمتلك الشجاعة على ذلك). فهو سؤال حيويّ؛ فكثيرًا ما تقول: إنه لا يمثل الإسلام، لماذا ظهر هنا في ثقافتك من دون غيرها؟! بمعنى أنه، لم يأتمن الخارج بفعل تآمر خارجيّ، مثلما تفعل الكثير من الجهات في التهرب منه، في حين إنّها بذرت بذوره، وأعادت تنشيطها وتوظيفها، من أجل مشروعيَّة دينيَّة وسياسيَّة.

نعم، إنها مشكلة جذور الشر التي قلبت الأرض هنا، وخلقت الكثير من الحروب، على الرغم من بعدها الدنيويّ، من أجل السلطة، ولكنَّها وظَّفت الدين الرأسمالي الجمعي المعنوي من أجل تعاليها على الأرض، عبر ربطها بأصولية تقوم على فتوى وتنظير كلامي. ويجيب فاهم سؤاله، من أين تنبع هذه الجرائم الإرهابية؟ فيقول: (سأجيبك يا صديقي، ولن يسرّك ذلك، ولكن واجبي كفيلسوف يقتضي إجابتك؛ إنّ جذور هذا الشرّ، الذي يسرق وجهك اليوم، تكمن فيك؛ فالوحش خرج من رحمك، والسرطان يسكن جسمك ذاته).

نعم، إنَّه اختار لقب الفيلسوف، ليس لغرض التعالي؛ بل استعاره من نيتشه، إنَّ الفيلسوف: هو من يشخص المرض، وهو الطبيب الحكيم. يوم انتقد نيتشه الثقافة الغربيَّة، وشخَّص المرض متمثلًا بإيديولوجية (أرست الشرّ حين أرسى القيم المرضية، والأفكار السلبية، وردود الفعل. وهكذا، انحطت الفلسفة، وظهر الفيلسوف “الخاضع” بدل “المشرع”، وظهر “الميتافيزيقي” بدل “الطبيب”، وظهر “الأستاذ العمومي” بدل “الشاعر”…، هكذا ظل تاريخ الفلسفة تاريخ إخضاع طويل للبشر).

ومن هنا، جاء العلاج لدى نيتشه بتجاوز قيم الشر التي تم فرضها، والتي (تعني في آن واحد؛ أصل القيم وقيمة الأصل، بحكم الاختلاف في أنماط الوجود التي حددت التاريخ، من خلال فرضها لسلسلة من المعاني المتعاقبة).

ونجد المنهج نفسه في الحفر في أصول الشر اليوم لدي بيادر، يقول مشخصًا المرض: (من رحمك المريضة ستخرج في المستقبل وحوش جديدة، أسوأ منه بكثير، ما دمت ترفض مواجهة هذه الحقيقة، وطالما تباطأت في الاعتراف بها، ولم تعزم على اقتلاع هذا الشرّ من جذوره!). فهذا التشخيص الفلسفي للطبيب الذي يدرك بعمق أزمة هذه الثقافة، كونها خاضعةً إلى هيمنة الماضي، الذي أصبح لا شعوريًّا وكامنًا، ويعاد استنباته من أجل استثماره سياسيًّا وإيديولوجيًّا، وتحاول إنتاج تمثيل الوجود الذي يكثر فيه العنف الرمزي بحق الآخر، سواء كان؛ أقليات، أم نساء، أم أفكار تحاول إحياء دور الإنسان، والتي يتم قمعها بعنف من خلال المؤسسات العائلية والتربويّة والمجتمعيَّة والسياسيَّة كلها، وتعمل من أجل المحافظة على استمرار التأويل القديم، كما هو، وكأنه متعالٍ على الزمان والمكان.

فهو مدرك لهذه الأزمة من الداخل، كونه مسلمًا (إذا كنتُ أنتقدك بكلّ هذه القسوة، فليس لأنّني فيلسوف غربي؛ بل لأنّني واحد من أبنائك الواعين بكلّ ما فقدته من عظمتك التي طواها الزمن، إلى درجة أنها أضحت مجرّد أسطورة!)، ومن الخارج، كونه باحثًا، يعتمد على آليات منهجية متقدمة، يتشارك بها مع العقل العلميّ، ولكنَّه يختلف مع الكثير من الغربيين في تحديد دور الدين في واقعنا الإسلاميّ، وهو يشخص هذا بالقول: (فحتّى المثقّفون الغربيّون، حين أقول لهم هذا، فإنّ لديهم صعوبة في رؤية ما أرى؛ فأغلبهم نسي ما للدّين من سطوة، في الخير والشرّ، وعلى الحياة والموت، إلى درجة أنّهم يقولون لي: “لا، مشكلة العالم الإسلامي ليست الإسلام، ليست الدين؛ بل السياسة، والتاريخ، والاقتصاد، …إلخ”. إنّهم يعيشون في مجتمعات بلغت درجة من العلمانيّة لا تجعلهم يتذكّرون البتّة؛ أنّ الدين يمكن أن يكون هو قلب مفاعل حضارة إنسانيّة، وأنّ غد البشريّة لا يتعلّق، مستقبلًا، بحلّ الأزمة الماليّة والاقتصاديّة فحسب).

بعد التشخيص، يأتي تقديم العلاج:

كان قد طرح فكرة تشير إلى إمكانيات الإصلاح؛ إذ صدر له مؤخّرًا، كتاب جديد: (النسّاجون) مع عنوان فرعي: “أن نُصلح معًا النسيج الممزّق للعالم”، عن منشورات “ليليان كي ليبار” في باريس؛ يطرح فكرة تكتنز استعارة النساج، وما فيه من تعاون وتواصل جماعيّ، يحقق رتق وإدامة ما هو ممزق، من أجل صناعة تعايشٍ بعيدٍ عن “حروب الهويات”؛ إذ يخاطب بيدار الفرديَّة، باعتبارها أرضيةً للخروج من هذا الوضع، فيقول: “أنا، وأنت، وأنتم، نحن النسّاجون”، كل طرف من هؤلاء يتوجّب عليه أن يمسك قطعة من القماش لإصلاح العالم. لابد من حوار عميق يزيل الأحكام المسبقة، ويحقق التواصل الذي يبدأ من داخل المجتمع الفرنسي ذاته، بما فيه من مكونات، إحداها المسلمين، فمن أجل محاربة الخوف من الإسلام، لابد للفرنسين من معرفة الآخر المسلم، بدون أحكام مسبقة تجلب الكراهية والتطرف، مثلما على المسلمين أن يواجهوا ذاتهم بالنقد، ولا يهربوا من الوحش الذي سرق وجوههم، واتخذ منهم أقنعة وكباش فداء. لهذا يقول مخاطبًا المسلمين: (إنّني أرى فيك أيّها العالم الإسلامي، قوى هائلة مستعدّة للنهوض من أجل المساهمة في هذا الجهد العالمي، لإيجاد حياة روحيّة للقرن الحادي والعشرين! إنّ فيك حقّاً، رغم شدّة مرضك، ورغم زحف الظلاميّة التي تريد أن تغطّيك بظلالها، عددًا كبيرًا واستثنائيًّا من الرجال والنساء، مستعدّين لإصلاح الإسلام، لإعادة اكتشاف عبقريّته فيما وراء أشكاله التاريخيّة).

لعامر عبد زيد الوائلي

مؤسسة مؤمنون بلا حدود-موقع حزب الحداثة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate