اصلاح ديني

“التجديد الديني” ضرورة تفرضها حركة الزمن ومستجداته

يُطرح مفهوم التجديد في المجال التداولي الإسلامي، باعتباره مفهوما أصيلا، وردت الإشادة به والثناء على فاعليه في حديث نبوي رواه أبو داود في سننه. 

ولئن كانت كلمات الحديث تقول “إنَّ الله يبعثُ لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”، فإن تحديد المراد بالتجديد موضع بحث ونظر، اختلفت بشأنه الاجتهادات وتعددت حوله الرؤى والمقولات.

تحمل مفردة “التجديد” المرتبطة برأس كل مائة سنة، دلالة واضحة وظاهرة على أثر حركة الزمن وأهميتها في عملية التجديد، وهو ما يتماهى مع جوهر الحداثة الغربية في استجابتها للزمن وتأثيراته، طبقا لتعريف الشاعر والناقد الفرنسي بودلير، بأنها “نقطة التقاطع بين الأبدي والعابر” (أي الثابت والمتغير).

وبحسب باحثين في الفكر الإسلامي المعاصر، فثمة اتجاهات تتباين في رؤاها ومواقفها من قضية “تجديد الدين” بين رفض التجديد باعتباره رديفا للتغريب، واتجاه آخر يروم باسم التجديد هدم القديم بكل ما فيه، والتحلل منه، واتجاه ثالث وسط بينهما، يأخذ بالتجديد لتهذيب الدين مما علق به عبر الممارسة التاريخية، ليعود إلى نقائه في صورته المنزلة. 

ومع أن منطوق الحديث النبوي يتحدث عن تجديد الدين، فإنه يُلاحظ في السنوات الأخيرة تعالي الأصوات المطالبة بتجديد الخطاب الديني، باعتباره إنتاجا بشريا يعتريه النقص، ويداخله القصور، فيجمد على أفكار ورؤى فات زمانها، ويتقاصر عن ابتكار ما يتواءم مع متطلبات الراهن ومستجداته المتلاحقة.

فما هو مفهوم التجديد الديني المشاد به والمطلوب فعله؟ ومن هم أولئك المجددون الذين يبعثهم الله على رأس كل مائة سنة ليجددوا للأمة دينها؟ وما هي طبيعة التجديد الذي يقومون به؟ وما هي المجالات والميادين التي يمكن للمجددين أن يشتغلوا عليها فيكون تجديدهم مطلوبا ومحمودا؟ وهل يمكن إنتاج حداثة إسلامية تنطلق من مفهوم التجديد وتبني عليه؟

مفهوم التجديد: إحياء وتنقية ومواكبة

تتسم معالجات العلماء الشرعيين لقضية التجديد برد الأمور إلى ما كانت عليه في عهدها الأول، مع تحذيرهم الشديد من اتخاذ هذا المصطلح الذي يعدونه “شرعيا ودينيا”، ذريعة لتمرير دعاوى “هدم القديم” وإحداث قطيعة مع الموروث والثورة على المنظومة الأصولية، وابتداع مناهج حديثة تفضي إلى تعطيل الشرائع والأحكام الثابتة طبقا لما هو متداول في كتابات وبحوث شرعية عديدة.

في هذا السياق، يرى أستاذ الحديث وعلومه المساعد في جامعة الملك خالد في السعودية، الدكتور لطفي الزغير، أن “المقصود بالتجديد هو إعادة الأمور إلى ما كانت عليه في بداية ظهورها، إذ إنه ورد في الشروح قولهم: “إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما”. وجاء في كتاب تجديد الفكر الديني: “إحياء وبعث ما اندرس من الدين، وتخليصه من البدع والمحدثات، وتنزيله على واقع الحياة ومستجداتها”.  

وطبقا للزغير، فإن مصطلح التجديد لغة يدل على تجدَّد الشيء، بمعنى أنه “صار جديدا”، وجدَّد الشيء أي صيَّره جديدا، كما في الصحاح للجوهري، والتجديد شرعا أو اصطلاحا لا يخرج عن هذا المفهوم.

وأوضح الزغير كذلك، أن التجديد يمكن فهمه باعتباره إحياء وبعثا وتزيينا لما هو موجود، وتخليصه من الشوائب، ويمكن فهمه أيضا باعتباره هدما وتغييرا لما هو قائم، وإعادة بناء جديد على أنقاضه، وهما فهمان مشهوران في المسألة، لكن المعاني اللغوية والشرعية تؤيد الفهم الأول وترد الثاني. 

وأضاف الزغير أن “التجديد بمعنى إعادة الأمور إلى حالتها الأولى عندما كانت جديدة أمر مطلوب ومرغوب، أما التجديد بمعنى التغيير الجذري، أو الثورة على كل قديم وموروث ورفضه، فلا شك أن هذا أمر مرفوض”، مؤكدا أن الدعاة إليه يسيئون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

وجوابا عن سؤال حول تحديد مفهوم التجديد بكلام أكثر دقة، قال الزغير إنه “يمكننا فهم التجديد بثلاث كلمات مفتاحية؛ إحياء، وتخليص، ومواكبة. فالإحياء يكون بتفعيل وإحياء أمور جوهرية في الدين أهملها الناس أو اندرست لقلة التداول والممارسة، أما التخليص فيكون بتخليص الدين مما علق به من شوائب وانحرافات في أفهام المسلمين، والمواكبة تكون بإنزال الدين وتطبيقه في واقع الحياة.

التجديد بين الجمود والانفلات

تستبد بكثير من العلماء الشرعيين مخاوف شديدة بشأن بعض دعاوى ودعوات التجديد التي يصفونها بالمتفلتة والمرادفة “للتغريب” ويعتبرونها ثورة على القديم، ويعدونها محاولات “مشبوهة” تستميت في هدم “الموروث الديني”، لأنهم يرون أن البناء الجديد لا يكون إلا بعد هدم القديم بحسب الدكتور اليماني الفخراني، أستاذ أصول الدين بجامعة الأزهر.

وحول بيان مواقف الاتجاهات الفكرية من قضية التجديد، أوضح اليماني أن “مفهوم التجديد من أكثر المفاهيم التي وقع الاختلاف حولها بين التيارات الثقافية والفكرية المختلفة، والذي لم يأخذ حقه من الفهم الصحيح”.

يصنف اليماني مواقف تلك الاتجاهات بثلاثة أصناف: أولها يمكن تسميته بأعداء التجديد الرافضين له، والمخاصمين لدعاته، رافعين شعارات من قبيل “ليس بالإمكان أفضل مما كان” و”ماترك الأولون شيئا للاحقين”، ولسان حالهم يقول: “إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون وسائرون..”، وأغلبهم من مقلدي المذاهب، المتعصبين لها. 

أما الصنف الثاني طبقا لليماني فهم “الذين يريدون نسف كل قديم، والتجديد عندهم مرادف للتبديل، والنسخ والإلغاء، والتغيير بإطلاق، ولسان حالهم يقول: إن البناء الجديد لا يقوم إلا بعد هدم القديم وإزاحة أنقاضه..”، وهم الذين يعبثون بالنصوص وثوابت الدين، كما تطفح بذلك مؤلفات مقلدي الفكر الغربي وأنصار التغريب الذين ينادون بإحداث قطيعة مع الفكر الماضوي، من أمثال نصر أبو زيد. 

وتابع الفخراني حديثه بأن “بين الصنفين السابقين يوجد صنف ثالث، يرفض جمود الفئة الأولى، ويرد نكران الفئة الثانية، ويبحث عن الحق أينما كان، ما دام هذا الحق يدور في فلك الإسلام..”.

يشرح الفخراني المراد بالتجديد عند الفئة الثالثة التي استحسن موقفها وأثنى عليه بقوله: “إنه العودة بالدين إلى الأصل النازل من السماء، أي إلى ما كان عليه عند بدايته وظهوره لأول مرة من صفاء ونقاء وجلاء، وتنقيته مما شابه وعكر رونقه، من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين”. 

التجديد لا يكون بالترقيع وإنما بإعادة البناء 

لكن في مقابل تلك الرؤى والأطروحات المتوجسة والمحذرة، التي تأتي في غالبها من العلماء والدعاة الشرعيين، فإن ثمة من يصف تلك الأطروحات بالأعمال الترقيعية التي غالبا ما تدور في حلقة مفرغة، لا يتولد من رحمها بعث حقيقي، ولا تُنتج نهضة ترقى بالأمة إلى مستوى الأمم الحية والناهضة، بحسب الباحث في الفكر الإسلامي محمد البيطار.

وأشار البيطار في حديث له إلى أن ما جرى في أوروبا يتمثل في أن النظام الديني لم يستطع بعد لحظة الحداثة والتحديث احتواء النظام الاجتماعي بتطوراته المتلاحقة وتحولاته المتسارعة والسيطرة عليه، فوقع الصدام المعروف بينهما.

ووفقا للبيطار، فإن طبيعة العلاقة في عالمنا العربي بين النظامين الاجتماعي والديني، يمكن وصفها بالحالة المتوترة، المرشحة لوقوع الصدام على غرار ما حدث في أوروبا، والسبب يعود إلى أن ما يقال عنه إصلاحات دينية ليست ذات معنى جوهري، وهي غالبا ما تدور في حلقة مفرغة غير منتجة. 

وأوضح البيطار أن محاولات الإصلاح الديني في عالمنا الإسلامي تنحصر في تقديم قراءات جديدة للنص الديني، وإعادة إنتاج وسائل الاجتهاد، كما فعل محمد شحرور وعدنان إبراهيم وسامر إسلامبولي، قرآنيا، وكما فعل عداب الحمش وصلاح الدين إدلبي وحسان عبد المنان، في نقدهم الحديثي المتقدم، لافتا إلى أن تلك المحاولات غالبا ما تُقابل بالطعن والتشكيك والازدراء. 

ولاحظ البيطار أن المصلحين الدينيين في عالمنا العربي، لا يجرؤون على إبداع أقوال واجتهادات لم يسبقهم إليها المتقدمون، بناء على المقولة السلفية الشائعة: “لا خير في قول لم يسبقك به إمام”.

وردا على سؤال حول إمكانية التأسيس لحداثة إسلامية، فقد استحضر البيطار رؤية الفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه “روح الحداثة.. المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية” التي تعد فتحا في هذا الباب، يمكن البناء عليها في إحداث تجديد نوعي وإصلاح ديني جوهري.

في سياق مقارب، قدم الدكتور محمود السماسيري، أستاذ الإعلام في جامعة اليرموك الأردنية رؤية نقدية للخطاب الديني السائد، داعيا في كتابه “نظرية الخطاب (الفكر) الإسلامي” إلى “إعادة بناء الفكر الإسلامي على نحو يمكنه من الاقتراب من الفهم الصحيح والمتكامل للإسلام”.

و أوضح السماسيري أن ما يطلق عليه محاولات إصلاح وتجديد، لا تعدو أن تكون ترقيعا جزئيا، والأمر يتطلب إعادة بناء متكاملة للارتقاء بالخطاب الإسلامي وإخراجه من حالة التشظي والتشتت والتجزئة.

لبسام ناصر.

عربي21- موقع حزب الحداثة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate