حداثة و ديمقراطية

ملخص كتاب ما السياسة لحنة ارندت

1- ما السياسة؟

إن جميع علماء الإنسانيات أو الأنثروبولوجيا يربطون السياسة بالتنوير وانفتاح العالم، ويعتبرونهما أمورًت حتمية للجنس البشري كي يندمج في الكون ويؤدي أفضل ما عنده ويساهم في الإنتاج، فهما ترابط أخلاقي لمنظومة القوانين التي تنتجها البشرية، كما أنهما يقومان بترسيخ دعائم الحرية لممارسة النشاط الإنتاجي، واحترام الذات وتقديرها، فقد تم اعتبار الإنسان صورة مصغرة من الله على الأرض ووظيفته الأساسية هي تحقيق مدينة الله المثالية أو اليوتوبيا على الأرض وإسعاد الإنسان وتوفير كل سبل الراحة له.

ونظرة الفلسفة والثيولوجيا ( الأديان ) إلى الإنسان هي نظرة تعتبر أن السياسة فطرة طبيعية في الإنسان، أي أن الإنسان حيوان سياسي؛ فهو من أنتج تلك المنظومات لحاجته لممارسة السياسة، كما أن الإنسان كما يعتبر علماء الإنسانيات يمثل صورة الله على الأرض؛ لذلك فقد ولدت معه الرغبة في التنظيم وإحكام السلطة على الأشياء وتحريكها. ولكن نظرة الفلسفة لم تكن صائبة، أي أنها لم تجب بشكل صحيح على سؤال “من أين أو كيف بدأت السياسة؟”، فالسياسة نشأت بعد تكون الجماعات، أي أنها نشأت في فضاء خارج الإنسان سنطلق عليه ” الفضاء السياسي”، إن هذا الفضاء هو حصيلة النظر إلى الجماعات وليس الإنسان.

فكما ذكرنا أن علماء الانثروبولوجيا أو الإنسانيات، ينظرون إلى السياسة على أنها نتاج احترام الذات الإنسانية، ولكن إذا نظرنا إلى السياسة بعمق وعن كثب، سنجدها مختصة فقط للحفاظ على الجماعات، فهي لم تقدس الإنسان باعتبار أنه الإله الأصغر وإنما قدست الجماعة والعائلات، أي بمعنى أكثر وضوحًا: إذا كان الإنسان هو الإله الأصغر والسياسة نشأت لمنحه الحرية والقدرة على الإنتاج وهي بالأصل نابعة من الإنسان كفطرة متواجدة به، فإننا كان من المفترض أن نجد أن النظم السياسة تجعل الفرد هو السيد في عالمه، ولا يكون هدفها فقط هو إبقاء الجماعات في ازدياد دائم وفي تناغم وعمل مشترك.

لكن الواقع أن السياسة دائمًا تتجه نحو إبقاء الجماعة في تناغم بأفضل صورة ممكنة، أي أنها قدست العائلة لاحتوائها الفرد عاطفيًا وضمان تكاثره الدائم، واتجهت لتكوين المؤسسات والشركات في العمل وليس العمل الفردي، فلم يصبح الفرد سيد عمله، وإنما هو يؤدي جزء صغير ويحصل على مقابل مادي جزئي صغير بالنظر إلى العائد المادي الكلي، فالسياسة إذًا إنما هي نتاج التعددية الإنسانية، وهي التوضيح الفعلي للخلق الإلهي في الأرض التي جعلتنا نرى التبادل بين الإنسان والطبيعة وبين البشر وبعضهم البعض، أي أن السياسة هي المكونة للتاريخ.

2- النشأة التاريخية للسياسة في ظل الأحكام المسبقة – الجزء الاول

إن العملية السياسية اليوم يمكننا أن نقول أنها تستبدل السياسة بنهاية السياسة، أي أننا يمكننا أن نقول عليها نهاية العالم، وليست حركة التقدم والاندماج في الكون، فقد تم ربط السياسة منذ بضعة عصور ببعض الأحكام المسبقة التي تضر بالسياسة ولا تنفعها، كما أنها تتواجد داخل أي نقاش سياسي على أنها أحكام ثابتة لا يمكن تغييرها وهي الأصح، أو أن ذلك بكل بساطة امر متعارف عليه بحكم العادة ولا يمكن استبداله. وواقع الأمر أن ما جعلنا لا نستطيع مناقشة تلك الأحكام هي أنها تمسك بزمام الأمور الآن وتظهر على أنها هي السياسة بالرغم من أن هذا الأمر من عدم النقاش منافٍ تمامًا لمفهوم السياسة التي نشأت لتعيش الجماعات في تناغم. فمن تلك الأحكام المسبقة المرتبطة بالسياسة نستنتج أن السياسة عبارة عن علاقة “مُهَيمِن” بـِ “مُهَيمَن عليه”، وهذا ما سمح لبعض الدول بامتلاك الأسلحة وخوض الحروب؛ فهي الأقوى. والسياسة علاقة بين قوي وضعيف، وإذا حاولت ضحد تلك الفكرة بالحجج المنطقية والأساليب الفلسفية والقول بأن السياسة ليست متواجدة في مثل تلك العلاقة، فلن تفلح حججك لأن ذلك هو ما يحكم العالم الآن. وببساطة سيتم إبطال حججك بحجة أن التاريخ هو من يصنع السياسة، وبما ان التاريخ انعطف هذا المنعطف، فإذًا تلك هي السياسة، ومن إحدى المغالطات التي يرتكبها المنظرون للسياسة الحالية هي أن هنالك قانون عالمي ومنظمات مثل الأمم المتحدة تحكم العلاقات بين الدول وتحل الصراعات بطريقة تسلسلية وإدارية أكثر، ولكن هذا حل طوباوي أو مثالي اكثر من اللازم، وذلك هو الواقع؛ فالأمم المتحدة لم تقدر يومًا على منع الدول الكبرى من التدخل بالحرب في شئون الدول الصغرى، كما لم تمنع الحروب بين الدول الكبرى ذاتها، وأصبح العالم الآن كما لو أن جميع اطرافه في حالة نزاع دائم، دون أن يتم مراعاة البشر الذين يتورطون في تلك النزاعات.

إن السياسة الداخلية الآن تتمثل في الإحكام على العنف أو شرعنته، بمعنى أن الدولة بمؤسساتها الأمنية هي المفوضة الأولى والوحيدة في استخدام العنف تجاه رعاياها. ولمدة طويلة جدًا تقرب من القرنين، كانت السياسة الداخلية ترتكز على البروباجندا واحتكار العنف فقط، كما أنها ترتكز على صناعة القرارت الاقتصادية والسياسية بما يناسب مصالح الدولة لا مصالح الشعب، فيمكن للدولة أن تدخل حربًا لزيادة نفوذها السياسي أو لزيادة مستعمراتها الخارجية، أو للاستيلاء على حقول بترول بأي منطقة كانت. وهذا القرار لا يتم عن طريق إرادة شعبية أو عدم إرادة شعبية، إنما يتم عن طريق اتفاق النخبة، وهذا ليس ما تعنيه السياسة بالأساس، فالسياسة إنما تعني إدارة حكم البشر بما يناسب استقرارهم المعيشي وراحتهم، أي أن الحروب في الواقع إنما هي أولى صور الفساد السياسي الداخلي.

إن الصورة التي يرى بها العالم السياسة إنما هي صورة مبتورة، تجعل البشر عبيدًا للأحكام المسبقة عما هو سياسي؛ فالعالم الغارق في الأحكام المسبقة هو بحكم العادة عالم يتم فيه تهميش الفرد جدًا وجعله آلة في مصنع كبير، أي أنه عالم مستهلك كبير، وعالم مخيف لا يشعر فيه الإنسان بالاطمئنان للنظم التي تحكمه، ولا يأمن مصيره في أي بقعة من الأرض، بسبب النزعة الاستهلاكية العالمية. إن واجب السياسة أو الفعل السياسي في الحقيقة إنما هو هدم تلك الأحكام المسبقة، أو فك قيود الناس منها، حتى يتثنى لهم اعتناق ما شاءوا منها ونبذ ما كرهوا.

إن صورة السياسة المتكونة بفعل الأحكام المسبقة تجعل الإنسان والعالم في جهتين متضادتين، أي أنها تضع الإنسان في خلاف العالم؛ فكلما توسع العالم صغر الإنسان وتم تهميشه وليس إعلاء من قيمته كما من المفترض أن يحدث. أما السياسة بمفهومها الصحيح فإنها تعظم الإنسان بحيث أن يسأل هو في ذاته سؤال القلق حول العالم، بمعنى أدق يصبح الإنسان هو المعني أو المهتم الأول بتقدم العالم للأمام أو ثباته على وضعه أو رجوعه للوراء، وليس الإنسان هو رد الفعل الناتج من تغير الأنظمة الحاكمة، وبمعنى آخر لا يصبح البشر هم عبيد التاريخ يتغيرون وفقًا لتغير النسق الاجتماعية حولهم، ولكن يصبح البشر هم صانعي النسق الاجتماعية والسياسية الجديدة.

هل لا زال للسياسة في النهاية معنى؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate