المرأة

حق الفتيات والنساء في التعليم هو الحياة لهن.

“منذ قرون وتعامل النساء بظلم وعدم مساواة، وتسلب كرامتهن الإنسانية من قبل رجال دين من مختلف الأديانوفيما تعتبرهن المجتمعات القبلية والأبوية ممتلكات، جعلت منهن الرأسمالية الحديثة سلعة. وتاريخيا، يعتقد أن المرأة ضعيفة جسديا، وسيئة أخلاقيا ومملة عقليا. هذا كذب وانحياز تام”، أكدت مدرسة ملالا يوسيف زاي الباكستانية مريم خليق، في مداخلتها أمام المناقشة التي استضافتها لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة (سيدوا) حول الحق في التعليم للنساء والفتيات.

والمناقشة التي استمرت لمدة نصف يوم، والتي جمعَت معلمين وطلابا وخبراء في التعليم وحقوق الإنسان من جميع أنحاء العالم في قصر الأمم في جنيف، تهدف إلى مساعدة سيدوا على وضع توجيه رسمي إلى الدول بشأن تنفيذ التزاماتها القاضية باحترام وحماية وإعمال الحق في التعليم للنساء والفتيات، وذلك في إطار المادة 10 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال  التمييز ضد المرأة.

وبسبب التمييز بين الجنسين، تحرم المرأة من العديد من حقوق الإنسان الأساسية، فليس لديها الحق والحرية في أن تكون نفسها، وتحقق أحلامها للعب دور في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأهم من ذلك، لا تملك الحق الأساسي في التعليم الذي يفتح الباب لجميع الحقوق الأخرى.

مريم خليق تسرد بعض الوقائع المؤلمة التي تعيشها الفتاة الباكستانية في بلدتها سوات نتيجة هذا التمييز:

“في وادي سوات، هناك 1014 مدرسة للبنين وفقط 603 مدارس للبنات في حين أن عدد السكان من النساء أكبر من الرجالوهذا يعني أن نصف الفتيات ليس لديهن مدارس حتى لو كنّ راغبات في الذهاب إليهامعظم الآباء لا يحبون التعليم المختلط وتبقى الفتيات في المنزل إذا لم تتوفر مدرسة للبنات في الحيوتحتاج فتاة في سن المراهقة إلى ذكر لاصطحابها إلى المدرسة وإلا فستبقى دون أي تعليم. تلميذتي زينب أوقفها أشقائها بعد الصف الخامس عن متابعة الدراسة. كانت حزينة للغاية ولكن لم تكن لديها حيلة.”

النصف العالمي الجنوبي والنصف العالمي الشمالي مختلفان حقا عندما يتعلق الأمر بحق الفتيات في الحصول على التعليم، تشير مريم خليق. ففي العالم المتقدم من غير المقبول اجتماعيا وغير القانوني أن يبقى الطفل في المنزل خلال ساعات المدرسة دون أي سبب، بينما في كثير من البلدان النامية، توضح مدرسة ملالا، فالعكس هو الصحيح:

“رأينا كيف قصف المتطرفون أكثر من 2000 مدرسة ومنعوا الفتيات من الذهاب إلى المدارسفي عام 2009، كانت الفتيات تخفي كتبهن تحت شالاتهن ويتظاهرن بأنهن ليسن طلاب مدارسأما حركة طالبان فكانت تستخدم راديو أف أم الخاص بها للإعلان عن أسماء الفتيات اللاتي أقلعن عن الذهاب إلى المدارس بعد الاستماع إلى خطبها ضد تعليم الفتياتوكانوا يثنون علنا على الآباء ويهنئون الفتيات لترك التعليم الغربي.

وكانت نافي بيليه، المفوضة السامية لحقوق الإنسان قد افتتحت المناقشة التي استضافتها سيدوا بإعلان حقيقة مرّة، وهي أن الكثير من الفتيات في أنحاء العالم لم يحصلن بعد على حقهن الطبيعي في التعليم:

“حاليا أكثر من 35 مليون فتاة لا يذهبن إلى المدرسة. ثلثا هؤلاء الشابات هن من الأقليات العرقية. والعديدات يتم استثناؤهن بسبب الحرمان الاقتصادي، وموقع المدرسة، أو وضعهن العائلي. ولكن هناك أيضا عوامل أخرى: فاحتمالات قيامهن بأعمال بدون مقابل في المنزل تزيد كثيرا عن الفتيان، بما فيها الطبخ والتنظيف وتقديم الرعاية. وتقل احتمالات أن يلحقهن آباؤهن بالمدرسة. كما أن الآباء والمدرسين والمرشدين غالبا ما لا يدعمون بشكل قوي المشاركة الأكاديمية للفتيات بما يجعلهن أكثر عرضة للتسرب من المدرسة. وحتى داخل المدرسة، فقد تجد الفتيات أنفسهن معرضات للعنف والتحرش فضلا عن الشعور السائد بأنهن لا ينتمين إليها.”

من جهتها أشارت مديرة المكتب الإقليمي لصندوق الأمم المتحدة للطفولة لأوروبا الوسطى والشرقية  في جينف ماري بيار بوارييه إلى أن أكثر من نصف ال 57 مليون طفل في سن المدرسة الابتدائية وغير الملتحقين بها هم من الفتيات.

وأوضحت بوارييه أن أهم الحواجز التي تعوق حصول الفتيات على التعليم الابتدائي والثانوي في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء هي المناهج العمياء التمييزية والممارسات التعليمية، والعنف القائم على نوع الجنس والممارسات التقليدية الضارة، والبيئات غير الكافية وغير الآمنة، ونظام التعليم الذي لم يصل إلى معظم الأطفال الضعفاء الذين يعيشون في خطر. وأضافت:

“يمثل الزواج والحمل المبكر في سن المراهقة أيضا عقبات كبيرة تحول دون إكمال الفتيات المرحلة الابتدائية والانتقال إلى التعليم الثانوي، وخاصة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا.

ولفتت المديرة الإقليمية لليونيسف الانتباه إلى أن صندوق الأمم المتحدة للطفولة واليونسكو وشركاء أخرين قد اتخذوا عددا من التدابير في إطار “مبادرة تعليم الفتيات”  للحد من هذه الظاهرة، بما في ذلك إلغاء الرسوم المدرسية، ومنح للفتيات، والدعوة إلى وضع برامج للتعليم الشامل للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وأولئك الذين ينتمون إلى الشعوب الأصلية الفقيرة والأقليات اللغوية.

“في أفريقيا جنوب الصحراء، لعبت اليونيسف دورا هاما في الدعوة إلى إعادة وضع سياسات تحمي وتبقي الفتيات الحوامل والأمهات الصغيرات في المدرسة. وفي أنحاء القارة، أعادت البلدان ملايين الفتيات إلى المدرسة عبر حملة “العودة إلى المدرسة” واستراتيجيات أخرى.”

هذا وشددت ماري بوارييه على أن إبقاء الفتيات في المدارس يتطلب من الآباء وأعضاء المجتمع، والمربين، وصناع السياسات والشركاء معالجة القضايا في سياقها الأوسع…

وفي العقد الماضي، كان العالم قد شهد تقدما ملحوظا في تحقيق المساواة بين الجنسين في التعليم الابتدائي، وقدمت مناقشات جدول أعمال التنمية لما بعد عام 2015 فرصة فريدة لضمان الالتزام نحو تحقيق المساواة بين الجنسين في التعليم.

وفي هذا الإطار أشار عبد العزيز الموزياني مدير مكتب الاتصال لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) في جنيف، إلى أن المساواة بين الجنسين هي  واحدة من بين الأولويتين العالميتن لليونسكو للفترة ما بين 2014-2021؛ وأوضح قائلا:

“تعتبر اليونسكو المساواة بين الجنسين في التعليم حقا أساسيا من حقوق الإنسان وشرطا مسبقا لتحقيق جميع حقوق الإنسان الأخرى. التعليم يمكّن الفتيات والنساء. والحق في التعليم يؤدي إلى نتائج مضاعفة. فضمانه وتنفيذه يسهل الحصول على الحقوق الأخرى. أما إنكاره فيؤدي إلى الحرمان من حقوق الإنسان الأخرى وإلى إدامة الفقرلهذه الأسباب، فإن تعزيز حق الفتيات والنساء في التعليم نحو السعي إلى تحقيق الهدف النهائي المتمثل بالمساواة بين الجنسين هو أساسي في جهود اليونسكو الرامية إلى تحقيق “التعليم للجميع”.”

هذا وأعرب عبد العزيز الموزياني عن أمله في أن تسهم المناقشة العامة في صياغة توصيات محددة وملموسة على أساس الدروس المستفادة بهدف معالجة التحديات المنهجية والمستمرة التي أعاقت جهود تعزيز حق الفتيات والنساء في التعليم من خلال نهج قائم على حقوق الإنسان….

… لم يفشل العالم فقط في تحقيق الهدف الثالث من الأهداف الإنمائية المتعلق بالمساواة بين الجنسين، لكن من غير المرجح أيضا أن يتم الحصول على نتائج أفضل لهدف التعليم المقترح حديثا لما بعد عام 2015 وأهدافه ما لم يتم دمج نوع الجنس بشكل كامل في هذا الهدف.

هذا ما أشارت إليه بأسف بابربارا بيلي، رئيسة الفريق العامل بسيدوا.

“إن الأكثر أهمية هو حقيقة أن التقاريرَ الدورية صامتة تماما حيال السبل التي تمكّن نظام نوع الجنس للمدارس، والمكرس كما هو من خلال الأيديولوجيات الأبوية الراسخة والممارسات والهياكل، وهو يشكل التجربة اليومية للفتيات في المدرسة ويعرضهن، كما هو الحال منذ 10 أعوام، إلى بيئة، يمكن أن تكون مسيئة جسديا وعاطفيا وجنسيا، وبالتالي يحرمنهن من التمتع بحقوقهن داخل الساحة التعليمية.”

وأوضحت بيلي أن العنف ضد المرأة، هو الشغل الشاغل للمادة 5 من اتفاقية سيداو وتتم معالجته في حوارات بناءة مع جميع الدول الأطراف؛ وعلى الرغم من الإيذاء الجنسي للفتيات في المدرسة أو في طريقهن إليها، هي ظاهرة عالمية موثقة في تقارير تؤكد تأثر حوالي 60 مليون فتاة سنويا، غالبا ما تبقى هذه المسألة غير مبلغ عنها وتظهر فقط في الحوار البناء الذي تثيره اللجنة، وفقط مع دول من مناطق جغرافية معينة.

“أي تدقيق في حقوق المرأة من خلال التعليم يجب أن يوضع بجانب حقيقة أن كل مؤتمر أممي كبير منذ عام 1985 حول المساواة بين الجنسين، أشار إلى مركزية التعليم باعتباره وسيلة لتمكين المرأة وأداة لتجهيزهن لفهم فرص المشاركة الكاملة في عمليات التنمية. في هذا النموذج التحويلي، ينظر إلى التعليم باعتباره الوسيلة التي من خلالها يمكن تحويل محور القوى بين الجنسين لتحقيق نتائج أكثر إنصافا للإناث إلى ما بعد المدرسة؛ ولكن، أود أن أشير إلى أن هذا التحول ليس بالسلاسة المقترحة.”

ويفي تحسين وصول المرأة إلى التعليم بحق من حقوق الإنسان الأساسية وقد أنتج فوائد متميزة في خفض معدلات الخصوبة ووفيات الأمهات والرضع والأطفال، وزود النساء بمهارات أفضل لرعاية أطفالهن، ولكنه لم ينجح كثيرا في تحويل موقعهن في كل من القطاعين الخاص والعام إلى الأفضل بحسب بابرارا بيلي التي أشارت إلى أن التعليم بدلا من أن يتحدى الهياكل والنظم الأبوية يقوم بصفة عامة بتعزيز النظام الاجتماعي والمحافظة على التمييز القائم على أساس الجنس وهياكل السلطة المجتمعية من خلال الاستنساخ الهيمنة الذكورية /النسائية والتبعية الهرمية.

وقالت بيلي إنه حتى الآن، لم تتم معالجة الحاجة الاستراتيجية لتمكين المرأة بأية وسيلة من خلال العملية التعليمية. لذلك من المشجع أن ندرك أن السياسة الجنسانية الجديدة لليونيسف تتناول هذه المخاوف.

وكانت مريم خليق، مدرسة ملالا يوسفزاي، التي قدمت شهادة حية عما تتعرض له الفتيات في بلادها من انتهاك لأبسط حقوقهن، قد أعلنت من على منبر الأمم المتحدة أن التعليم لا يعتبر فقط تحضيرا للحياة، بل هو الحياة نفسها، لذلك لا يجب حرمان الفتيات من حياتهن…

الأمم المتحدة -موقع حزب الحداثة و الديمقراطية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate