حداثة و ديمقراطية

السيادة الرقمية تشكل خريطة جديدة للعام.

تحرك الدول جيوشها وطائراتها وأساطيلها، للدفاع عن سيادتها فى البر والجو والبحر، وعلى مدى التاريخ البشرى كله، كانت (سيادة) الشعوب والقبائل على أوطانها، هى ذلك الشرف الرفيع، الذى لا يسلم من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم، وفى العلاقات الدولية تعد السيادة الوطنية (شرعية السلطة وسلطة الشرعية) للدرجة التى يمكن أن يعترف فيها العالم بدولة بلا أرض ولا شعب ولا حدود على أى خريطة، لمجرد أن لها سيادة.

الجديد أن الذى نعيش فيه هذه الأيام، أصبح له بعد رابع، لم تعد الدول هى تلك التى ترسم على خرائط اليابسة والماء والسماء، وإنما باتت تحيا فى الفضاء الرقمى، وأصبحت الحاجة ملحة، لأن يكون لكل دولة حدودها التى تمارس داخلها سلطتها ونفوذها وتحافظ على هويتها الوطنية، وتحد من أطماع الآخرين، الذين يريدون تهديد أمنها وسلامتها ووحدة أراضيها وشعوبها، بشكل جديد من العدوان اسمه (الاحتلال الرقمى)!

لعوامل تتعلق بالهشاشة، كانت قارة أوروبا ـ من جديد ـ هى أول من طرح فكرة السيادة الرقمية على المائدة، وهكذا عرف العالم (التنظيم الأوروبى العام لحماية البيانات) الذى كرس قواعد التعامل مع البيانات الرقمية المتعلقة بالأفراد والشركات الأوروبية، وهو التـنظيم الذى امتد لتأسيس مفهوم السيادة الرقمية حول العالم، وطالب المتعاملين الأجانب فى مجال البيانات الأوروبية بالانصياع لقواعده.

على المستوى الفردى استهدف هذا التنظيم المعروف اختصارا GDPR تعزيز ملكية الأفراد لبياناتهم، وسيطرتهم على الطريقة التى تستخدم بها وفيها، هذه البيانات، بردع الشركات عن استغلالها لجنى الأرباح، وعلى مستوى الدول أصبحت السيادة الرقمية محورا رئيسيا فى عصر الإنترنت، وتحولت معها المعلومات داخل الدول إلى قضية أمن قومى!

وبموجب هذا التنظيم الذى أقره البرلمان الأوروبى، أصبحت حدود الأمن القومى الرقمى لقارة أوروبا، تبدأ من الصين، وتنتهى فى الولايات المتحدة الأمريكية، وفى تقرير كتبه فيليب جرول، ونشر فى دورية يورواكتيف الألمانية فى 17 سبتمبر الماضى، بعنوان (أوروبا الجيوسياسية تستهدف توسيع سيادتها الرقمية من حدود الصين) كتب أن المفوضية الأوروبية تنوى العمل كلاعب جيوسياسى قوى عندما تلتقى مع الصين، وكى تنجح فى ذلك يتوجب عليها أن تتمدد بسيادتها الرقمية.

وأضاف: أن الاستقلال الإستراتيجى كان يرن كجرس فى قاعات المؤسسات الأوروبية فى بروكسل لشهور طوال، وبلغة فصيحة لم تعد أوروبا راغبة فى أن تتمسح بذيل القوى العظمى، وأن تنزوى تحت الجناح العسكرى للأمريكيين، أو تشاهد النمو الصينى بسلبية، وهكذا فإن اللجنة السياسية برئاسة جان كلود يونكر والتى تلتها اللجنة الجيوسياسية برئاسة أوروسولا فون ديرلين، تنتوى من الآن العمل بنشاط على تشكيل النظام العالمى، وعلى الرغم من أن هذا الاستقلال له أوجه متعددة، فإن أهم وجوهه هو (السيادة الرقمية) ونقل الكاتب عن إريك موريس مدير مكتب بروكسل لمؤسسة روبرت شومان قوله: إن العالم الرقمى يلمس كل نواحى حياتنا اليومية، فإن أرادت أوروبا الاستقلال فعليها أن تملك السيطرة على هذه التكنولوجيا التى تلعب دورا مهما ومتناميا فى حياة مواطنيها، وهذا يعنى بعبارات واضحة، أن على أوروبا أن تعرف من يسيطر على هذه التكنولوجيا، وأن تضمن أن استخدامهم لها يتوافق مع قيم وأهداف الاتحاد الأوروبى.

واشنطن وراءكم.. بكين أمامكم
إنها الهشاشة من جديد، ذلك أنه ـ وفق التقرير نفسه ـ يقوم أغلبية المواطنين الأوروبيين بتخزين بياناتهم لدى مزودى خدمة الإنترنت فى الولايات المتحدة، وأشهرهم أمازون وجوجل، ووجه الكارثة أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية يمكنها ببساطة استخدام هذه البيانات بموجب (قانون السحابة) أو (cloud act) ولهذا السبب فإن محكمة العدل الأوروبية فى يوليو الماضى انكرت اتفاقية (درع الخصوصية) التى سمحت بتحويل البيانات بين الأوروبيين والشركات الأمريكية من دون أن تقدم الحماية القانونية.

البديل، جايا إكس Gaia x، وهو مشروع فرنسى ـ ألمانى يقدم نفس الخدمات الأمريكية وفق المعايير الأوروبية بحلول 2021، وهكذا يستقل الأوروبيون عن أمريكا وغيرها من خلال هذه المنصة التى تحمى بيانات وقيم مواطنى قارة أوروبا، لكن تظل المصيبة الأعظم هى: تقنية 5G الصينية.

الشركات الأمريكية من الممكن التفاهم معها: الإذعان للشروط الأوروبية مقابل السماح لها بدخول سوق الإنترنت، أما تقنية 5G فعلى الرغم من أنها ستوفر سرعات إنترنت أعلى بأسعار منخفضة، مما يتيح لأوروبا تطوير كثير من الاختراعات بما فيها السيارات ذاتية القيادة.

المشكلة الأضخم هى فى الاستثمار مع الصين، فإذا ما كان على الأوروبيين العمل فى الصين، فهناك مخاطر من نقل التكنولوجيا بالإكراه، حيث يمكن أن تنتهى المبتكرات الأوروبية لأيدى الصينيين.
الخلاصة أن المأزق الجيوسياسى الذى يهدد سيادة أوروبا الرقمية على بلدانها وشعوبها، يكمن فى الاختيار ما بين احتلال الشركات الأمريكية لمعلومات وبيانات الأوروبيين، وبين الانسحاق أمام نفوذ الصين التى تملك الإنترنت ذاته، وهى هزيمة كاملة، لكن هل يقف الأمر هنا، الحق أن ما خفى هو الأعظم والأخطر!!

عمليات التأثير الإستراتيجى

فى السيادة الرقمية، يوجد لدى الدول شعوب تحمى خصوصية بياناتهم، وتوجد بنية رقمية يتوجب حمايتها من الاختراق، لكن هناك بعد ثالث يتعلق بمحتوى ما يتعرض له المواطنون أعضاء المجتمع الرقمى، مستخدمو التكنولوجيا، من خلال ما يسمى (التواصل الاجتماعى)، هنا مكمن الخطر الحقيقى.

عمليات التأثير هى واحدة من أخطر أساليب (حرب المعلومات)، وهى عبارة عن سلسلة قتل سيبرانى، وفقا لأفضل تعريف طرحته مؤسسة راند للأبحاث، وثيقة الصلة بالبنتاجون الأمريكى، وهذه العمليات فى غالبيتها تديرها مخابرات دول على السوشيال ميديا، وتقوم بالتركيز على عناصر نوعية، قد تكون الجماعات التى يمكن أن تتفاعل مع الأخبار المفبركة، أو على عدد التغريدات التى ترسل إليهم، إنها عمليات تمزج ما بين التكنولوجيا وأنماط السلوك الفردى والجماعى.

إن مصطلح “المقاتل السيبرانى” بات الأكثر شيوعا فى الأدبيات العسكرية الأمريكية، وحتى وقت كتابة هذه السطور، يسعى الجيش الأمريكى لضم أكبر عدد من المتخصصين فى العمليات المعلوماتية لحيازة قدرة أضخم للتأثير على ما يصفه المسئولون العسكريون بلفظ (بيئة المعلومات)، الفريق ستيفن فوجارتى، قائد القيادة السيبرانية للجيش الأمريكى، صرح فى 28 أكتوبر الماضى بالحرف: كما نقوم بالعمليات الهجومية دعما للقادة المهاجمين فى الميدان، فنحن أيضا نقوم بعمليات سيبرانية يكون لها أثر بالغ فى بعض الأحيان، لكننا لاحظنا بالفعل أنه لا تزال هناك حلقات مفقودة!

الفريق فوجارتى، وصف اندماج “القبائل” المختلفة للعمليات السيبرانية بالعمليات النفسية والعمليات المعلوماتية، بأنه حشد لعمليات التأثير التى أتت ثمارها بالفعل فى أفغانستان، لكنها فى القتال ضد داعش أثارت العديد من القضايا المتعلقة بنوعية من يقاتلون فى هذا المجال حتى اليوم.

إن عمليات التأثير الإستراتيجى، هى عمليات من شأنها إلحاق الهزيمة بالخصوم، وهى عمليات – شأنها ككل عمليات المخابرات – تتم قبل الهجوم لا أثناءه وبعده.. والمشكلة أنه لا يوجد على وجه الأرض مجتمع واحد يتمتع بالحصانة ضد الأخبار المفبركة وتضليل تويتر وفيسبوك.

هكذا نعود لانتهاك السيادة الرقمية، وفى دراسة قامت بها لورا روزنبرجر، التى سبق لها العمل فى الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومى الأمريكى كخبيرة فى الشأن الصينى، قالت تحت عنوان “التدخل الأجنبى إستراتيجية وليس تكتيكا”، فى 26 أكتوبر الماضى، إن الوضع الجيوسياسى فى العقود المقبلة، سيتحدد من خلال المواجهة بين الديمقراطيات والأنظمة الشمولية، وهى مواجهة تدور بالفعل على الأصعدة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، بنفس القدر الذى تدور فيه على الصعيد المعلوماتى، حيث تكمن كل الفرص وكل المخاطر، وعندما يتعلق الأمر بأمريكا، فإننا نخاطر بالغابة من أجل الأشجار، ذلك أن أغلبية النقاشات بشأن عمليات النفوذ التى تقوم بها الدول، تركز على الحملات التى تتم من خلال وسائل التواصل الاجتماعى والتدخل فى الانتخابات على نحو ما جرى عام 2016 فى الانتخابات الرئاسية لترامب، فوفقا لتقديرات المخابرات الأمريكية، كان هدف روسيا من عمليات التأثير، هو أن يفقد الأمريكيون إيمانهم بالعملية الديمقراطية الأمريكية، بما فى ذلك تقويض فكرة (الحقيقة) ذاتها.

وأضافت: أن أخطر الهجمات على الديمقراطية، هى بالأساس ما يتعلق بممارسة الدولة الوطنية لصلاحياتها من خلال المعلومات. إن تكنولوجيا المعلومات وبنيتها – من أنظمة 5G للاتصالات إلى وسائل المراقبة المعلوماتية، سواء من داخل السيوشيال ميديا أو خارجها – تؤثر على كل مناحى حياتنا اليومية، إن بناء هذه المنصات المعلوماتية يؤثر على طريقة استخدامنا لها، وبالذات محتواها، وهكذا فإن استخدام الأنظمة الشمولية لعمليات التأثير، يتوجب فهمه على أنه عمل إستراتيجى كبير لإعادة تشكيل الفضاء المعلوماتى، إنهم يسلحون المعلومات للقتال ضد الديمقراطيات، وللأسف الديمقراطيات فشلت أمام الصين وروسيا.

بغداد.. وإن طال المسير
إذن.. أمريكا تولى أهمية لعمليات النفوذ الإستراتيجى، خصوصا أن فى جيشها «قيادة متخصصة» تعانى من العمليات المضادة، والصراع هنا هو لحماية الأمن القومى وصيانة السيادة الرقمية لأمريكا على أراضيها وشعبها، وبينما تتاجر الشركات الأمريكية ببيانات مواطنى العالم، بمن فيهم مواطنو أمريكا، تسعى المخابرات لاختراق دول العالم – ديمقراطية أو غير ذلك بما فيها دول الاتحاد الأوروبى – فيما الطرف الوحيد الذى يبدو واثقا من النصر.. الصين وروسيا.

وفى عالمنا العربى، وحتى وقت كتابة هذه السطور، تدور المعركة من بغداد، حيث يناقش البرلمان العراقى قانونا، قالت عنه إحدى “منظمات المجتمع المدنى” إن من شأنه أن يحبس نصف الشعب العراقى، اسمه “قانون المعلوماتية”، وهو قانون تقدمت به الحكومة العراقية منذ سنوات يتعلق بمحتوى الإنترنت، وحماية العراقيين من الأخبار المفبركة وحملات التضليل، بعبارة أخرى: صيانة الأمن القومى الاجتماعى من عمليات النفوذ الإستراتيجى.

وفى مصر.. تدور حرب شائعات على منصات التواصل الاجتماعى، تواجه فيها الحكومة قرابة 30 ألف شائعة شهريا، بخلاف الصراع على إعادة الهندسة الاجتماعية من خلال تطبيقات إنستجرام وفيس بوك وتويتر، حيث يتصدى مكتب النائب العام المصرى – تقريبا شهريا – لظواهر اختراق اجتماعية عبر منصات التواصل الاجتماعى، القضية باتت “أمنا قوميا”، والهدف هو انتهاك اسيادة الرقمية لأكبر وأعرق دولة عربية فى المنطقة، صاحبة النفوذ الإستراتيجى الأكبر فى العالم العربى وشمال إفريقيا.

وإذا كان الجيش الأمريكى يتوجس من عمليات النفوذ الإستراتيجى فى العالم الرقمى الكبير، فإن مزيدا من الدم يمكن توقعه خلال السنوات المقبلة لحماية السيادة الرقمية للولايات المتحدة الأمريكية، وكما سكبت الدماء فى واحدة من أخطر عمليات النفوذ الإستراتيجى المعلوماتى، فيما يطلق عليه “الربيع العربى”، فإن كل دول العالم باتت مطالبة اليوم قبل غد، بإعلان سيادتها الرقمية على كامل أراضيها، قبل أن ترسم الدماء حدود هذه السيادة!! العالم اليوم يحاول أن يتخذ “درعا” تحمى خصوصيته وأمنه القومى، لكنه غدا وبشكل حتمى، سيشهر سيفاً للدفاع عن حدوده الرقمية.

بوابة الاهرام- موقع حزب الحداثة و الديمقراطية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate