حداثة و ديمقراطية

الرعوية والسلطة في غياب المواطنة والدولة .

قبل القرن السادس عشر الأوروبي، لم يكن ممكناً الحديث عن “الدولة” إلا مجازاً، فالتمايز بين حكام ومحكومين يكشف عن وجود السلطة لا الدولة، وإذا كانت كل دولة سلطةً، فليست كل سلطةٍ دولة. السلطة قوة يخلقها الوعي الجمعي، جوهرها الفكرة التي تمثل الغائية الاجتماعية، وليس “الأمر”، أما الدولة فنمط وجود للسلطة، بوصفها مؤسسة، تبدأ حين تكفّ السلطة عن التجسد في شخص، لتصبح تجريداً لا يتأثر بتبدل رجالاتها. عند ذلك المستوى من التجريد، يرفض الوعي الجمعي أن تستمدّ الشرعية من التطابق بين أعمال الرئيس وحاجات الشعب، ويعي خطورة الاستسلام لمخاطر السلطة الفردية، وعدم استقرارها مع تغير الشخصيات في كل انتقال للسلطة. أما المواطنة بالمعنى الحديث، فهي عضوية الفرد التامة والمسؤولة في الدولة، وتنتج عن هذه العضوية مجموعة من العلاقات المتبادلة بين الطرفين بصيغة حقوق وواجبات، لذا يقترن مفهوم المواطنة في الفكرين السياسيين، الحديث والمعاصر، بنشوء الدولة.

السياق التاريخي الأوروبي
تبعاً لموازين القوى والحسم العسكري، تنقّلت حدود الإمبراطوريات شرقاً وغرباً، ومعها تنقّل ولاء المجموعات البشرية من تاج لآخر. تحت سلطة الإمبراطوريات لم تصبح السياسة شأنا عاما، وظل البشر رعايا دون ضمان دستوري لهم في الحقوق والواجبات، وكان عليهم الانتظار حتى الاستقرار ضمن حدود جغرافية مُحددة ومعروفة للدولة القومية، التي تمتعوا فيها بهوية “قومية” أو “وطنية” واحدة.
مع اتفاقية ويستفاليا 1648، أصبح الاعتراف الدولي بحدود الإقليم جزءاً من مكونات السيادة الوطنية للدولة، وفقد التكوين الديمغرافي والانتماء الديني قيمته السياسية، وفصلت التداخلات الإثنية والدينية والتاريخية سياسياً، ومهد ذلك لتبلور “الأمة”، بوصفها المجتمع السياسي المتشكل ضمن حدود الدولة، وبعد حسم الصراع بين الكنيسة والملك، دلت كلمة “وطن” على شخص الملك والولاء له، بوصفهما أمرين يستحقان في سبيلهما أن يضحي الإنسان بحياته.
تبلور الحس الوطني أوروبياً في القرن السابع عشر، ومع سبعينيات القرن الثامن عشر شغف الأوروبيون بالبحث عن رموز تجسد وطنيتهم. فبدأ الطليان بكتابة تاريخهم الوطني، وأصبح للشعب السلافي البلغاري مؤلف عن تاريخهم، ونُشرت أول ميثولوجيا اسكندنافية باللغة الألمانية، وامتلكت فنلندا والنرويج أول نشيد وطني خاص بكل منهما، أما غوتز صاحب اليد الحديدية، فأصبح في مسرحية غوته “غوتز فون برليشنغن” رمزا وطنيا ألمانيا. تزامن كل ذلك مع صياغة صموئيل آدامز في ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأميركية برنامج الاستقلال والاتحاد. أما صعود الوطنية الفرنسية فينسبها جول ميشليه إلى جان دارك.
عززت الليبرالية مفهوم المواطنة وبرزت نظريات العقد الاجتماعي التي تفسر نشأة الدولة وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ورأى توماس هوبز أنه يجب على البشر التخلي عن حقوقهم وحرياتهم لصالح الدولة مجسدة في الحاكم المطلق، يخرج بهم من حالة الطبيعة الى حالة النظام ويحقق لهم الأمن والاستقرار، دون أن يكون من حقهم مساءلة الحاكم عن كيفية ممارسة الحكم. لكن جون لوك طالب بعقد اجتماعي يحد من سلطة الملك المطلقة، ويمنح الحريات على الصعيدين السياسي والاقتصادي، فالحريات المُطلقة والمساواة والمُلكيّة حقوق طبيعية للمواطنين.
من جهته، ذهب جان جاك روسو إلى أن مصدر الحريات، ومعيار كل شيء، هو المجتمع وليس الطبيعة، صحيح أن المواطن يولد بحقوق طبيعية، لكن هذه الحقوق بحاجة إلى عقد اجتماعي يجعلها تتواءم مع المجتمع الذي يعيش فيه، فالعقد الاجتماعي هو أداة لبناء المجتمع بصورةٍ يضع الفرد نفسه وأملاكه تحت توجه الجسد السياسي، وقوانينه، ودستوره المُتوافق عليه بحسب توجه الأغلبية. وعلى الأفراد التخلي عن حريّاتهم وحقوقهم لصالح الإرادة العامَّة التي تتجلى في الدولة، والحاكم ليس طرفاً في العقد، كما هي الحال عند لوك، بل هو خادم للإرادة العامة، التي تتمتع بخاصيتين: تكونُ ممثلة للجميع، وهي فوق الجميع، ومن يهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأحد. ومع فلسفة الأنوار، أصبحت كلمة “وطن” أكثر تجريداً، لتدلّ على جملة المؤسسات والقوانين التي تربط الدولة بأفرادها، فالوطن عند جان جاك روسوّ هو “علاقة الدولة بأعضائها”، والتي إذا ما انعدمت “اضمحل الوطن”، وبرزت المواطنة بوصفها علاقة بين فرد ودولة يحدّدها القانون، وتتضمن الحقوق والواجبات.

المواطنة العالمية
هددت الوطنية العالمية (الكوزموبوليتية)، كما برزت عند فولتير وكانط وغيرهما، المفهوم الوطني، لكن حروب الثورة الفرنسية حصرت فكرة الأمة في دائرة الوطنية القومية، بعد أن كادت تنحل في الوطنية العالمية. الرغبة المتبادلة في الانتقام، المستمرة باستمرار الصراع الفرنسي الألماني منذ معركة أيينا 1806، حولت الوطنية إلى أيديولوجيا، فاكتسبت الفكرة طابعاً شمولياً تحت اسم القومية، أوغلت مع النازية وغيرها في الشوفينية، ومهّدت لحربين عالميتين، وحذّر جورج برنارد شو من أن العالم لن يهدأ “حتى ينفد حب الوطن من نفوس البشر”.
طويلاً، برزت الدولة عقب الثورة الفرنسية فاعلا وحيدا في العلاقات الدولية، لكن تحولات النصف الثاني من القرن العشرين أذنت بتفكك الدولة القومية، وحلول نظام عالمي مكان النظام الدولي، فنافست الشركات متعددة الجنسيات سلطة الدولة، وأصبحت نشاطاتها الاستثمارية العابرة للقوميات مؤشرات، تفوق في أهميتها مؤشرات النواتج المحلية للدول. ومع الانتقال الحر للممتلكات والرساميل جرى انتقال حرّ للأشخاص، دون أن يشكل ذلك فضاء مفتوحا، حين اقتصر على أشخاص معنويين، هم ممثلو الشركات وعملاؤها، بغية توفير كل الفرص الممكنة لزيادة الأرباح وتقليص التكاليف. ونتيجة لتكثيف العلاقات بين الجماعات والأفراد، بات بالإمكان انطلاق مجتمع مدني عالمي.


العالمية وسيادة الدولة
لم يفرض النظام العالمي إعادة تعريف الدولة فقط، بل أيضاً سيادتها، التي تقلصت لصالح الكيانات العالمية، وقرارات وأحكام المنظمات الدولية، وأحيانا تم تجاهلها بالكامل. فالتدخل في الشؤون الداخلية للدول أصبح مع مبدأ ترومان في الخمسينيات أحد مبادئ هذا النظام العالمي، المقوّض لسيادة الدولة، وأعلنت البرجوازية الجديدة منذ التسعينيات أن السيادة لم تعد ملاذا آمنا، وأن على الدول أن تبادر إلى إضعاف سيادتها من أجل حماية ذاتها.
تدخلات المركز القائمة على المصالح السياسية والاقتصادية لا على القيم، فاقمت مشكلات الأطراف، أكثر بكثير مما قدمت حلولا لها. وعملت الأزمة الاقتصادية في العام 2008 على إعادة بعض الاعتبار للدولة القومية، وأجّلت سقوطها النهائي. أما مجتمعات كيانات ما قبل الدولة، ببناها التقليدية والاستبدادية المهيمنة، فراكمت أزماتها بوتيرة متسارعة، لتتفكك، وتنطلق منها باتجاه المركز موجات لجوء هي الأضخم منذ الحرب العالمية الثانية. وأكدت نماذج الهجرة المعولمة، بالنسبة لمنظّري الكوزموبوليتية، وتغيراتها المستمرة، أنه لم يعد بالإمكان النظر إلى الشعب كمعطى نهائي، وأنه ينبغي، داخل نظرية الديمقراطية، البحث عن حلول لمشكلة تكوّن الشعب وحدوده، أكثر عدالة وذكاء. وطالما أنه لا يوجد حتى الآن أي إجراء ديمقراطي، يتيح اتخاذ قرار ديمقراطي حول من يتوجب عليه أن ينتمي إلى الشعب، ومن لا يحق له ذلك، فإن المواطنة نفسها بحاجة إلى المراجعة. لقد أصبح إشراك الآخر أحد واجبات المجتمع المدني العالمي. وكان في وسع الأوروبيين المضي في “وطنية ما بعد الوطنية”، وتقبلوا الانتماء إلى مؤسسات سياسية، تتأسس على مبادئ كونية، أرساها دستور ديمقراطي، أفرز مؤسسات وقوانين، تجسدت في الاتحاد الأوروبي.

من القبيلة إلى الأمة
في شبه الجزيرة العربية كان حدث الولادة هو الأساس الذي نهض عليه المعتقد القبلي، واستمرت الحجارة رمزاً لتقديسه، ولتمجيد الأجداد المؤسسين للقبيلة، وعنت كلمة “رب” في الأصل سيد الأسرة، أو القبيلة، أو المالك. انتهى الماضي عند الجد الأول، مانح القبيلة اسمها، وتحولت الأحجار إلى موضوعات للتقديس والعبادة. كانت القبيلة خاصية أساسية، فعرّف بدوي شبه الجزيرة العربية عن نفسه بانتمائه القبلي، وأتاح الشعر الذي تطوّر، في القرن السادس الميلادي، عابراً لهجات القبائل، نشر المفاهيم الاجتماعية والتصورات الثقافية العامة وتكوينها، وتعزّز معه وعي ذاتي للمجتمع القبلي. لكن تقييمات العرب الاجتماعية بقيت مرتبطةً بالانتماء إلى الجذر النَسَبي المستقل، لا بالانتماء إلى وعي سلالي. وحتى مشارف القرن السابع الميلادي، لم يشكل العرب وحدة سياسية، وكان العربي يقدم نفسه من خلال عشيرته أو قبيلته. أما لفظ “العرب” فهو مُسمّى أطلقته الشعوب المجاورة على أولئك الصحراويين، لكن رابطة الدم، القيم والعقائد الدينية المشتركة، ووحدة التراث اللغوي والشعري، وغيرها، كانت عوامل ضرورية لاكتساب العرب وعياً سلالياً ذاتياً تاريخياً موحداً، في إطار الدعوة الإسلامية.
وكانت إحدى تجليات الوعي التاريخي للعرب، الموجه دينياً، بإعلان الله خالقاً للإنسان الأول، وكان آدم جذراً، اشتقت منه شجرة نسب سلالية موحدة لكل العرب. اكتسب التصور عن الماضي وحدته العضوية، لا سيما حين أصبح حدث هجرة النبي إلى المدينة، منذ عهد عمر بن الخطاب، نقطة حساب جمعية للزمن. وفي عصر التدوين، سيبدأ ظهور أولى المدونات التاريخية باللغة العربية التي تروي التاريخ العربي، وفق تسلسل زمني. بهذا الوعي، سيواجه العرب عدواً مشتركا لتحقيق سيادة الأمة، وكانت “الإسلامية” الفكرة التي ألهمت الحضارة العربية.

لم يدن القرآن التشتت السلالي “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”، بل كان الأهم هو تشكيل جماعة المؤمنين، بوصفها المضمون الحقيقي لمفهوم الأمة: “أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه”. وسيواصل الغزو، ذو الطابع المحلي، ممارسة دوره الاقتصادي في فضاء أرحب بقيمته المعدلة، ليصبح قتالاً في سبيل الله. وتوسعت جماعة المؤمنين مع الفتوحات التي كانت تعبيراً عن شمولية الفكرة الحضارية. كان العرب مادة الإسلام بتعبير عمر بن الخطاب، ولم يفرّق الأعاجم بين المسلمين والعرب. وكان تحدّث اللغة العربية رمز الانتماء إلى الجماعة المؤمنة، وأصبح الداخلون فيها من غير العرب عنصراً مكوناً. لكن، في المقابل، الانتقال إلى استعمال لغة جديدة يعني الانتقال من منظومة ثقافية قيمية إلى أخرى، أو إعادة بناء المنظومة التقليدية في ضوء رموز اللغة الجديدة.
استطاع النبي محمد، كأول قائد سياسي مدعوم بالوحي، أن يؤسس لتلك النقلة النوعية من القبيلة إلى “الأمة”، وشكل موته فراغاً مفاجئاً، واختباراً لمدى الاندماج في الجماعة المؤمنة التي لم تنجز بعد تحولات المرحلة الانتقالية. تمت السيطرة على ما بدا انشقاقاً يهدد وحدة الجماعة المؤمنة، وإن عاد ليظهر مضخماً، في ظل الصراع الأيديولوجي والسياسي اللاحق. وتم انتقال السلطة، بعد النبي، بأشكال مختلفة، لم تكن غريبة عن تقاليد العرب، بما فيها التوريث، وتمثّل الجديد على هذا الصعيد في البيعة التي أصبحت لاحقاً تقليداً شكلياً.


الأمة بين الديني والسياسي
مع الخلفاء الراشدين، استمر الطابع الثيوقراطي للحكومة، لكن الوضعي سيمارس دوره أيضاً، فعدل الخليفة الثاني نظام الغنائم الإسلامي، راسماً خطوطاً عريضة لاقتصاد ريعي قائم على الفتوحات العسكرية، ومعه ستجري عسكرة المجتمع على قدم وساق. سُجّل المشاركون في اقتصاد الفتح في سجلات ديوان الجند، وبرزوا “مواطنين” بامتيازات كاملة، على حساب غيرهم، وتعاظمت أهمية المدن المعسكرات، وتشكلت طبقة أرستقراطية عسكرية عربية بامتيازات واسعة، سوف تلعب أدواراً مفصلية في المراحل المقبلة.
لم يعد الفيء يقتسم بين الفاتحين وحدهم، وفق التشريع الأصلي، بل أصبح يذهب إلى بيت مال المسلمين الذي تحكم في عطاءات الفاتحين وحصصهم. وكانت سياسة عمر بن الخطاب هذه سبباً لتذمر مستمر من المقاتلة الذين شكل أغلبيتهم أهل الأمصار. ومع تزايد تراكم الثروة في يد الأرستقراطية القرشية التقليدية، في عهد عثمان، وتنامي الاستياء الشعبي، استغل المقاتلة، في العراق ومصر، النقمة الشعبية لإطاحته، بتحريض من بعض كبار الصحابة. وبعد استباحة المكانة الرمزية للمدينة (يثرب)، سيتنافس كل من العراق والشام على تصدر المشهدين السياسي والعسكري.
مع الأمويين، لم يعد الهدف توسيع أمة المؤمنين بإدخال شعوب جديدة، بل إخضاعهم، فكانت الجزية ضريبة أساسية دُفِعَت، بغض النظر عن الدخول في الإسلام. وفي أحيان عدة، لم تسقط عمن أسلم. ولم يتدخل الفاتحون في الشؤون الدينية للأعاجم، بل شاركوهم أعيادهم أيضاً. أما “الدولة” فهي الاسم الذي أطلقه العباسيون على حكومتهم التي اعتمدت على جهاز ضخم من الموظفين، نافست الأرستقراطية العربية التقليدية، واتخذت طابعاً ثيوقراطياً. كان العباسيون أقل تساهلاً حيال الاختلافات الدينية، وبدا أنهم أعادوا الاعتبار إلى الشريعة.
إلى جانب الرخاء الكبير في الدولة العباسية، كان هناك شقاء عظيم، ومزيد من التفاوت الطبقي، ولم تعد الشريعة الجامدة، والتزمت السلفي المدعوم من الدولة، يقدمان أي أمل للمحرومين والمضطهدين، ومنذ العصر العباسي الأول، جرت محاولات إعادة إحياء التراث الديني والفلسفي للشعوب غير العربية، واصطبغت مذاهب كالمزدكية والزرادشتية بصبغة إسلامية، وعلى الرغم من النزعة القومية، تمسكت الحركات الاحتجاجية “الشعوبية” بمطلب العدالة الاجتماعية، وحاول هؤلاء الاستقلال بولاياتهم التقليدية. تمكن البويهيون الذين اعتنقوا المذهب الشيعي من السيطرة على بغداد عام 946م. لكن اختفاء الإمام الثاني عشر قبل سبعين عاماً من هذا التاريخ، اضطرّهم إلى الإبقاء على الخليفة العباسي تحت سيطرتهم. وفي القرن الحادي عشر، غزا السلاجقة الأتراك العالم الإسلامي، وأقاموا إمبراطورية عسكرية جديدة، أطاحت الأرستقراطيتين العربية والفارسية، حاولت تحقيق الاستقرار بالعسكر، والتشدد الفكري، وإحكام القبضة على الحياة العامة.
وبعد أن بقيت المدن العربية بمنأى عن الاضطرابات العنيفة، اجتاحتها البلابل السياسية في القرنين العاشر والحادي عشر، في خضم الصراع على السلطة بين الأمراء في العصر السلجوقي، وعملت ثورات “الرعاع” و”العيّارين” كما وصفها كتّاب ذلك العصر، والنزاعات المذهبية الشيعية – السنية، على تقوية جماعات الأقرباء والنسب من السكان وانعزالها، فظهرت الأحياء المنغلقة ذات الأبواب، وانقسمت مدنٌ، كبغداد في القرن الثاني عشر إلى سبعة أحياء معزولة، واستمرت مزيد من الجماعات الإثنية والدينية في التحصّن في الجبال الوعرة والمناطق النائية.
فقدت المدن العربية التي أنهكتها الحروب الزعامة التجارية في حوض البحر المتوسط، لصالح المدن الإيطالية، وخرّبت بغداد والبصرة، أكبر مدينتين عربيتين، على يد المغول، وتأثرت معها سلباً أجزاء واسعة من سورية، ولم يستطع النهوض الاقتصادي المحدود للمماليك في القرنين 14 و15 الميلاديين تحقيق التقدم. بانهيار المدينة العربية، توقف الإنتاج الحضاري للعرب. استمر جدل السياسي والديني، ومعه استمرت الدعوة والبيعة رافعة للدويلات التي ظهرت منذ أواخر العهد العباسي، والمنافسة لحكومة بغداد، وبدا أنها سقطت أسيرة العصبيات، وحبيسة دور خلدوني (نسبة إلى ابن خلدون) عبر أجيال ثلاثة، من نشوء وازدهار ثم انحطاط.

بين سياقين تاريخيين
خرجت الدولة الأوروبية الحديثة من صلب المجتمعات الأوروبية، متّسقةً مع ظروفها، ومستوى تطورها الاجتماعي، السياسي والاقتصادي والثقافي، ولم تفرض عليها من الخارج، لتخط تاريخها الخاص، بعد مسار لم يخلُ من تعرجات وارتدادات، لتحقق نمواً مضطرداً، بعد أن وجدت الشعوب الأوروبية في الليبرالية فكرتها الحضارية التي انتهت بهم إلى استبدال علاقات المواطنة في مجتمع مدني، بعلاقات القرابة والقبيلة في مجتمع أهلي. أما شرقا، فاصطدمت سياسة الإصلاح العثمانية (التنظيمات)، بسقف الروح المحافظ، القائم على الريع العقاري وفائض الإنتاج الزراعي. واستمر الشعور القومي الذي أثارته الدول الاستعمارية لدى العرب ضد السلطنة العثمانية، إلى جانب العاطفة الدينية، محركاً للنضال من أجل استقلال لم يتعدَ حدود “سايكس بيكو”، فجاءت الولادة مشوّهة عبر مخاض غير طبيعي، إذ لم يرسم وعي الجماعة وما لديها من إرثٍ مشتركٍ حدودها القومية، وبدل أن تستدعي الأمّة الدولة عبر الحسّ الوطني الذي استقرّ في النفوس، وتجسّد في مؤسساتٍ موحّدة، كان على الدولة أن تستدعي الأمّة، حين أعلنت الماضوية الانتماء إلى دولةٍ لم تكن موجودة يوماً، فتاريخ “الدولة العربية الإسلامية” هو، في آخر تحليل، منذ الأمويين وحتى العثمانيين، ليس تاريخ الدولة، بل تاريخ الجماعات السياسية التي استأثرت بالسلطة والثروة، حيث عمل التناقض بين معيارية الشريعة وواقعية السياسة على الحيلولة دون نظريةٍ في الدولة، أما استعادة الخصائص القومية من أنماطٍ أنجزها الآخرون في سياق تاريخي مغاير فلم تكن كافية لبناء الدولة- الأمّة.

رعايا لا مواطنون
عجزت الدولة الوطنية (القُطرية) ضمن حدود سايكس- بيكو عن تحقيق الاندماج والمواطنة، وتناقضت، منذ البداية، مع المشاريع الأيديولوجية الكبرى (الإسلامي والقومي والليبرالي والاشتراكي)، بنزعتها الكلية القومية. لم يعترف الإسلاموي إلا بالولاء لدار الإسلام التي ترسمها حدود الجهاد في سبيل الله، ولمّا كان الولاء لجماعة المؤمنين، انقسمت الأرض إلى دارين، دار إسلام، يحكمها المسلمون، وتجري فيها أحكام الإسلام، ولو كان جميع أهلها كافرين، ودار كفر أو حرب، هي على النقيض من ذلك. وكانت هجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة، كتوبته وانتقاله من الكفر إلى الإيمان (ابن تيمية). هذه العقيدة في الولاء والبراءة تجد امتدادها عند حسن البنا، الذي يقول: “نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة… فكل بقعة فيها مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله وطني، عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره”، وتبنت الحركات السلفية الجهادية هذه الصور الأشد تطرفاً لـ”لوطنية الدينية”.
أما القومي فأراد، باستعادة خصائص قومية من أنماط أنجزها الآخرون، إحياء ماض هو، في نهاية التحليل، تاريخ للجماعات السياسية والدينية التي استأثرت بالسلطة والثروة، منذ الأمويين وحتى العثمانيين. اصطدمت شمولية الفكرة الوطنية (القومية) بحقيقة وجود الإثنيات التي لم تجد نفسها أقليات إحصائياً وحسب، بل وأيضاً، حقوقياً وقانونياً، والتي إن تقبلت “الإسلامية”، لم تجد في “العروبة” فكرتها الحضارية. أما الفتوحات العربية فلم تعد ممكنةً في عصر تتأسس فيه المجتمعات على المواطنة والعيش المشترك، لا سيما وأن العرب لم يعودوا مُؤيدين، لا باختيار السماء، ولا بالحداثة السياسية.
أثبتت فشل التجارب الوحدوية أن الوحدة بحاجة إلى توحيد المؤسسة، لا الاكتفاء بتوحيد السلطة. وبينما جعل المشروع الإسلاموي الأوطان خارج التاريخ والجغرافيا، بقيت الحدود واقعاً جغرافياً وسياسياً، واستمرت الخلافات على ترسيم حدود برية، وتعيين أخرى بحرية، ولم يخلُ الأمر من نزاعاتٍ مسلحة. لم تتوفر سياسات حقيقية لتأهيل الإقليم، أما الجهد الوطني، وعملية إنتاج إرث مشترك، وتجسيد الشعور الوطني في مؤسسات ديمقراطية، فكانت عوامل مغيّبة، ما أعاق بناء الدولة بوصفها نظاماً سياسياً، والأمة بوصفها تنظيما اجتماعياً. كانت الدولة أداة لتكريس السلطة، ولم تكن وسيلة اندماج وطني تسكّن هويات ما قبل الدولة لصالح هويةٍ وطنيةٍ جامعة، عبر تنمية متوازنة جغرافيا، وعدالة توزيعية، وفرص متساوية.

***

تعيد الدولة التسلّطية إنتاج نفسها باختزال الوطن/ الدولة بالسلطة، والمجتمع المدني بكتل من أفراد معزولين في حالة قطيعة. في دول الاستبداد العربي، بقيت الفكرة الوطنية شاغرة لصالح الولاءات الفرعية، وغاب المواطنون حين مورست السلطة من أعلى إلى أسفل، وحين قامت العلاقة بين السلطة والشعب على الرَعَويّة (نسبة إلى كون الإنسان رَعيّة)، لا على المواطنة، بوصفها نظاماً متكاملاً من الحقوق والواجبات يكفلها الدستور الذي يجسّد المواطنة واقعياً وقانونياً، ويضمن معاملة كل أعضاءً في المجتمع على قدم المساواة، ويمنع أي تعديات على حقوقهم المدنية والسياسية، ويوضح سبل قيام الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق العدالة والإنصاف، ويسمح للأفراد بالمشاركة بفاعلية في اتخاذ القرارات السياسية.
ولا تقف المواطنة عند حدود التوافق أو القوالب السياسية التي تعكسها النصوص القانونية، بل هي أيضا المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وقد تحولت الى قيمة اجتماعية وممارسة سلوكية في نظام سياسي ديمقراطي. وحدها دولة المواطنة تستطيع تحويل التناقضات في مجتمعها إلى تنوع وتعددية يشكلان أساسا قويا لاستمرار الدولة قوّة بشرية واقتصادية مؤثرة على المستويين المحلي والدولي. عدا ذلك، تتحول تلك التناقضات في الدولة المختزلة في السلطة، ومواطنوها هم مجرد رعايا، إلى قنبلة موقوتة تهدد شعبها ومحيطها. ولعلنا نشهد انفجاراً لهذه القنابل الموقوتة منذ حوالي عقد من الزمن.

ضفة ثالثة-موقع حزب الحداثة و الديمقراطية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate