اصلاح ديني

الدبلوماسية الروحية والإبراهيمية ترسم خارطة الشرق الأوسط 1

مقدمة

في عصر المتغيرات السياسية وانتشار ظواهر تجسّدها أحداث صنعتها أطراف دولية عميقة، ظهر

مصطلح التطرّف بمسميات عديدة ومختلفة، حيث يتم توظيف الإيديولوجيات والأفكار في سبيل تحقيق

الهيمنة على الشعوب والدول، ومع انتشار بؤر التوتر واستمرار النزاعات وتزايد وتيرة الصراعات،

خاصة في منطقة الشرق الأوسط، بات الحديث عن السلم العالمي مجرّد ضرب من الخيال، وأصبح العالم

مهدّداً من جوانب عدة نظراً لخطورة ظاهرة التطرّف وتنامي التنظيمات الإرهابية التكفيرية وتكاثرها،

المرتبطة بأجندات تديرها دول إقليمية ذات صبغة إسلامية راديكالية.

لذلك يمكننا التفكير بشكل مغاير في نوع من الدبلوماسية تحمل في مضمونها مفهوم التسامح بين الأديان

والمعتقدات الدينية، وخلق فرص التواصل الروحي بینهم وفرض احترام الإنسان وقدسيته.

وبالرغم من أن الواقع الحالي لا يعطي وزناً للأديان داخل مسارات الحياة السياسية، لكن يعتبر الدين محركاً

رئیساً حاکماً في العلاقات الدولية، ولە أهميته في صنع السياسة الخارجية وخاصة لتلك الدول التي تحمل

صبغات وتوجهات دينية.

ومن جانبه يمكننا أن نرى أن حوار الأديان الذي يُطرح بين الفترة والأخرى يلعب دوراً مهماً في ترسيخ

التعاون الإقليمي، وخلق المشتركات بين الدول التي تختلف في سياساتها، إنها الدبلوماسية الروحية، نعم

لأنها تمثّل أحد الروافد الحيوية لترسيخ قيم تجمع المشترك الإنساني لمواجهة تحديات تهدّد جميع الشعوب

والدول، واليوم نطرح التساؤل التالي: إلى أي مدى يحتاج الشرق الأوسط الدبلوماسية الروحية؟ وهل يمكن

لهذه الدبلوماسية القيام بالإصلاحات الديمقراطية وحماية البيئة ومبادرات بنّاءة تدعم الحوار والتواصل

الإنسانيين، وتهدف إلى بناء سلام عالمي؟ وهل يمكن لهذه الدبلوماسية القضاء على النزاعات ذات المنبت

الديني ورفع الاقتصاد وتنمية الحسّ الأخلاقي، وتحقيق التنمية المستدامة والمساواة والعدالة الاجتماعية

والسلام وبناء الشراکات الدولية؟

هل يمكن للدبلوماسية الروحية الترکيز على جمع المشترك بين الاختلافات المذهبية والدينية، وتوظيفها في

خدمة القضايا المجتمعية والإنسانية والسياسية؟

وهل يمكن للدبلوماسية الروحية مكافحة الإرهاب عبر تغيير النظرة الدينية في التربية، وتفكيك التطرف

المتراکم في العقول عبر التاريخ الدموي للصراع، وهل يمكن لهذه الدبلوماسية تحويل المجتمعات لقبول

الآخر وتشجيع الدعوة على الانفتاح على العالم، بما يخدم قضايا الإنسان وحمايته من التهويمات

الأيديولوجية المتمثلة في التعامل مع الوقائع بعقلية الأفكار المطلقة.

وهل يمكن للدبلوماسية الروحية المحافظة على السلام العالمي؟

من هذه المقدمة يمكننا البحث عن أهم الأفكار والجهات والمراكز التي روّجت وما تزال تروّج الدبلوماسية

الروحية والإبراهيمية كطريق الحل، باعتبارها تتبنى الدبلوماسية الروحية مذهباً.

بداية وبصرف النظر عن نجاح الدبلوماسية الروحية من عدمها، فالواضح أن التدخل الديني دليل على أن

العالم اليوم، بمؤسساته الدولية الراهنة وبعلاقاته الحالية، غير قادر على تدبّر الحلول للأزمات السياسية

الكثيرة المتداخلة، ليس فقط للوهن الشديد الذي أصيبت به المنظومة الدولية، وعجزت من خلاله عن تدبّر

حلول لأزمات تجاوز عمرها عشرات السنين، بل لأن المنظومة الدولية ذاتها، بتشابكاتها الاقتصادية

والإعلامية والسياسية، هي جزء أساسي في صنع هذه الأزمات وتوليدها، بالتظافر مع المعطيات الداخلية.

هنا نتساءل هل تصبح لهذه الدبلوماسية الروحية، رغم كل الاعتراضات التي تواجهها وستواجهها لاحقاً،

محاولة لتعويض القصور الدبلوماسي العالمي في تبيّن الحلول لتصدّعات العالم الكثيرة؟

أولاً: الدبلوماسية الروحية والنظام العالمي الجديد

بعد قرون طويلة من استخدام الدين في العلاقات بين الدول، أصبحت محدّدات العلاقات والتوازنات داخل

السياسة الدولية مختلفة، فالمدرسة السياسة الواقعية التي ترفض وجود أي دور للدين في العملية السياسية،

وتحمل شعار فصل الدين عن الدولة، تأتي اليوم بمفهوم “الدبلوماسية الروحية” كمفهوم يؤكّد أنّ الدين

مصدر الصدام قد تغيّر وتطوّر ليكون مدخلاً للحلّ والتسوية، وبدأ الحديث عن “السلام الديني العالمي”

المقرّر الوصول إليه عبر مفهوم “الدبلوماسية الروحية”، وما ستقدّمه من حلّ غير تقليدي للصراعات

الدينية. فحلّ طرح “المشترك الإبراهيمي” أو “الديانات الإبراهيمية”، يشير إلى الأديان السماوية الثلاثة،

ضمن مفهوم جديد لحل النزاعات والصراعات الممتدة والقائمة على أبعاد دينية متشابكة، أي “الدبلوماسية

الروحية”، لتمثّل خلاله الأديان الإبراهيمية أحد أبرز أركان هذا المفهوم الجديد.

وفي تزاحم التسميات والمصطلحات، التي تُعدّ إحدى أخطر التحدّيات الفكرية والثقافية، كثُر استخدام

مصطلحات مثل “المشترك الإبراهيمي”، و”الدبلوماسية الروحية”، و”السلام الديني العالمي”، خلال

السنوات الأخيرة في خطاب الدبلوماسية العالمية وفي أدبيات بعض مراكز الدراسات والجامعات في

الولايات المتحدة الأميركية و”إسرائيل” وقطر وتركيا، وقد تكون المصطلحات “برّاقة”، ظاهرها رحمة

لكن مضمونها ظُلمة وتضليل، فهي تُستخدم لتوظّف الدين في خدمة السياسة العميقة في المنطقة.

خلال بحث جدّي ومُحكم تُطالعنا به، أنّ الدبلوماسية الروحية و “الإبراهيمية” المزعومة المُنادية

بـ”التسامح”، تُمهّد لتغييب التناقض الوجودي بين المشروع الصهيوني العنصري، وبين الحقوق التاريخية

للشعوب العربية عموماً في المنطقة؛ ومصطلح “الدبلوماسية الروحية” إنّما يروّج لحقوق الإنسان

و”السلام” ولمواجهة العنف والإرهاب ليسامح “إسرائيل” ودول أخرى عن كل ما مارسته ولا تزال

تمارسه من أحقاد ومجازر وانتهاكات لحقوق الإنسان.

ثانياً: الدبلوماسية الروحية والسلام الديني العالمي

جاء الحديث مراراً حول المشترك الإبراهيمي، وفق مرتكزات وركائز تعريف كمدخل فكري مهم، تدعمه

الحكومات الأميركية المتعاقبة بحثياً منذ عام 1990 مع خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش الأب عن

“النظام العالمي الجديد” عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، والحرب الأميركية ضدّ أفغانستان والعراق وحرب

الخليج الثانية. وأخذ الأمر منحى جديداً مع الألفية الجديدة كبداية للتنفيذ والدعم توّجت بتأسيس داخل وزارة

الخارجية الأميركية عام 2013.

ثالثاً: الدبلوماسية الروحية والمخطط المتمثّل بـ “القوى والمطامع الغربية”

هذه تحرّكها دوافع متطرّفة ترفعها الصهيونية المسيحية الداعمة لـ”إسرائيل” كإطار للقرن الجديد والنسق

العالمي الجديد، الذي أعلنه بوش الأب، حيث لا يمكن قراءة مفهوم الدبلوماسية الروحية بعيداً عن النظام

العالمي الجديد.

هنا، لا بُدّ لنا من الإشارة إلى أنّ مصطلح “المشترك الإبراهيمي” و “السلام الإبراهيمي” يعود استخدامه

لأول مرة، إلى دراسة نشرها الرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر، في عام 1985 في كتاب حمل

عنوان “دم أبراهام”، بتأثير واضح لما يُعرف بالصهيونية المسيحية التي تُقارب التاريخ من زاوية الروايات

اليهودية التلمودية، وأسهب كارتر في كتابه في مناقشة المشترك الإبراهيمي بين أبناء المنطقة كحلّ

للوصول إلى “السلام”.

رابعاً: الولايات المتحدة الامريكية والدبلوماسية الروحية

إن اهتمام الولايات المتحدة الأميركية بالدين، يمكن تفسيره من خلال آراء العديد من المؤرّخين والمحلّلين

الأميركيين، إنّه نتيجة سيطرة الصهيونية المسيحية على السياسة في الولايات المتحدة التي تؤمن بفكرة

العودة الأصولية المتجدّدة للجذور، كأساس حركة التاريخ بالعالم. وتُعتبر مهمة أعضاء هذه الحركة وأتباعها

تدبير وتهيئة كل الأمور التي تطرح فكرة إمكانية عودة المسيح إلى الأرض، ومن ثم السيطرة على العالم،

ومن ثم تعتبر أن ما يتمّ داخل السياسة الدولية ما هو إلاّ تكليف إلهي، فأضحى الدين مدخلاً لتفسير الدور

الأميركي في العالم، بوصفه محرّكاً ومبرراً ومفسراً.

في السياق ذاته، يعتبر الباحث الأميركي جيمس روزينوه، أن مستقبل العالم سيرتكز على السلام العالمي

الذي سيتحقق عبر الديانات الإبراهيمية والعقائد المتداخلة، كمدخل جديد لحل النزاعات في العلاقات الدولية،

وكطرح بديل لنظرية “صامويل هنتنغتون” حول “صدام الحضارات”، ونظرية “فرانسيس فوكوياما” حول

“نهاية التاريخ”؛ بل ليعكس نهجًا جديدًا داخل علم العلاقات الدولية كانت أهم ملامحه ظهور مفاهيم جديدة؛

كالتسامح العالمي، والأخوّة الإنسانية، والحب، والوئام، كمفاهيم جديدة مطروحة داخل هذا الحقل.

لشيماء رياض أبو زيد.

الشرق الأوسط الديمقراطي- موقع حزب الحداثة و الديمقراطية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate