المرأة

تحديات المرأة في تولي المناصب الإدارية العليا

لماذا تجد المرأة صعوبة في الوصول وتقلد مناصب عليا ولماذا يتطلب التغيير وقتا طويلا.

اعتمدت أوروبا على أسلوب المحاصصة من أجل تحقيق التوازن بين الجنسين في مجالس إدارة الشركات، وذلك بهدف زيادة تمثيل المرأة في الإدارة. ولكن الحقيقة تبقى في أن التمثيل النسائي على مستوى العالم لا يزال نادراً بصورة مثيرة للجدل على صعيد إدارة الشركات.

يعتبر التمييز بحسب الجنس أمرغير قانوني في الولايات المتحدة ، ففي يونيو 2014 أفادت مجلة “فورتشن”،  أن نسبة تقلد المرأة لمناصب تنفيذية عليا وصلت إلى مستوى تاريخي بنسبة تصل إلى 4.8 % ووصفت ذلك بأنه “تقدم كبير”، ففي العام 1998  كانت تدار شركة واحدة فقط من قائمة أكبر خمسمائة شركة من قبل امرأة. ولكي نكون أكثر دقة ،يعتبر أي تغيير إيجابي تقدماً بارزاً خاصة عندما يبدأ المرء من الصفر.

حتى في الدول الاسكندنافية التقدمية على الصعيد الاجتماعي يبقى حضور المرأة غير كاف، إذ تكشف دراسة أجريت مؤخرا أن 3 % فقط من مجموع 145شركة كبرى تعمل في السوق الاسكندنافي تديرها إمرأة. وينطبق الشيء نفسه على فرنسا. وعلى ما يبدو يطرح السؤال ذاته في جميع أنحاء العالم ، لماذا تواجه المرأة الكثير من العقبات خلال مسيرتها لتقلد منصاب عليا؟

الدافع من كتابة هذا المقال هو النتيجة الصادمة التي أظهرتها الأبحاث مؤخراً، والتي سلطت الضوء على الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة سواء من خلال التحيزات ( في الواعي واللاوعي) ضد المرأة من كلا الجنسين، والتوقعات العالية لأداء الذكور في العمل، وعدم وجود الرعاية الكافية للمرأة. وتشكل هذه الحواجز حلقة مفرغة تلعب دوراً كبير في بقاء المرأة بعيدة عن تقلد المناصب العليا.

التحيز ضد المرأة في بيئة العمل

نشرت “كلوديا غولدين” أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفرد، العام الماضي دراسة دقيقة تبين أنه في أغلب المهن وفي نفس التخصص الوظيفي ، تتقاضى المرأة أجراُ أقل من الرجل بمعدل 25%. الأمر الملفت في هذا البحث هو ثبات الفجوة في الأجور على مدى العقد الماضي. وكذلك محاولة إسكات أي صوت يعلو بشأن تقاضي المرأة أجوراً منخفضة. هذا يفسر 15٪ فقط من هذه الفجوة وفقا لـ “غولدين”. ولكن الأسوأ من ذلك، تميل الفجوة إلى أن تصل إلى أعلى مستوياتها بنسبة 35% في القطاع المالي، وفي المقابل تبلغ 11 %  في مجال التمريض.

أكدت دراسة علمية أخرى أجراها كل من ” ديساي” و “تشاغ” و “بريف” عام 2014، على الدور السلبي الذي يلعبه الرجال أصحاب السلطة على الترقية والتطور الوظيفي في معظم الشركات. حيث أشارت النتيجة (من عينة اختبار شملت مختلف الأعمار في المناطق الأنجلوسكسونية) إلى أن زوجات الرجال اللواتي يعملن كربة منزل يميلون لاتخاذ قرارات من شأنها أن تعيق التطور الوظيفي للمرأة المؤهلة لذلك.

وعلى الصعيد ذاته أجرى كل من “روبن” و “سابينزا” و “زينغاليس” اختبارات ، حيث طلبوا من “أرباب العمل” توظيف أشخاص للقيام بالمهام الحسابية، ولاحظوا أنهم يفضلون اختيار الذكور الأقل مهارة على حساب النساء من ذوي الخبرة والاختصاص. وفسروا ذلك أن المرأة ليست جيدة في الرياضيات. هذا التحيز الجماعي الغير الموضوعي (من قبل الغالبية العظمى من الرجال والنساء) والذي يتجاهل الحقائق،  يساعد على فهم سبب عدم تقلد أي امرأة لمنصب قيادي في مختبر الفيزياء الدولي “سيرن” ومقره جنيف ، وسبب انخفاض نسبة شغرها لمنصب عالي في الأبحاث إلى ما دون 7%، وكون المرأة تشغل 17٪ فقط من مجموع الموظفين الأكاديميين.

بالطبع “سيرن” لا تتحيز ضد المرأة صراحة ، ولكن العقلية الجماعية تؤمن في الوعي واللاوعي أن المرأة أقل شأنا في الرياضيات. حتى عند تقديم المرأة لأوراق اعتمادها بدرجات متميزة في الرياضيات (لا يتم اختيار المرشحينفي شركة كيرن بشكل عشوائي بل يجب عليهم تقديم أوراق اعتماد، لذلك لا يجب أن يكون هناك تحيز)، يبقى عليهم مواجهة الأحكام السلبية الضمنية ضدهم – في حين يستفيد الرجال من الأحكام الضمنية المعاكسة في صالحهم.

تعتبر طبيعة التحيزات التي تواجهها المرأة في العمل مماثلة وواسعة الانتشار شأن التحيزات الأخرى. فعلى سبيل المثال، التحيزات التي يواجهها الأشخاص المسلمين بسبب الربط بصورة متكررة بين الإسلام والإرهاب الأصولي. وبالمثل، هناك العلاقة العميقة والغير واعية التي كونها ضباط الشرطة في الولايات المتحدة بين الأشخاص السود وتهديد الحياة بالخطر، والتي تختلف بشكل جوهري عند المواجهة مع شخص أبيض.

تباين المسار الوظيفي بين الرجل والمرأة

تعزى المعاملة الغير العادلة للمرأة إلى تحيزات عقلية ذات صلة بعلاقتها بالأرقام، ولكن هناك أيضاُ قضية تباين المسارات الوظيفية.

غالباً ما يكون المسار الوظيفي للرجل على الشكل التالي:  يكتسب الرجال خبرة مهنية من ثلاث إلى خمس سنوات قبل حصولهم على درجة الماجستير في سن الثلاثين، ثم يعرض عليهم منصب قيادي في عمر 35 عاماً، ويكتسبون خبرة دولية قبل توليهم لمنصب قيادي كبير ما بين 40 و 45 عاماُ، ويتقلدون منصب تنفيذي ما بين 45 و 50 عاماً.  وأصبح هذا المسار بمثابة نهج للجميع.

لاحظ كل من “لوسي” و “هيوليت” الباحثين الأمريكيين، من خلال دراستهما للمسارات المهنية لعدد كبير من النساء، أن التنفيذيين من الإناث يميلون إلى اتباع مسارات في حياتهم المهنية يتخللها فترة انقطاع عن العمل. وتختلف لأسباب تتعلق بالأمومة، أو طبيعة مهنة الزوج، والالتزامات العائلية من رعاية الأطفال أو العناية بالآباء، أو لأسباب شخصية. وتعتبر النساء هذا الانقطاع عن العمل لفترة مؤقتة أمر طبيعي. ومع ذلك، فعودتهن للعمل أو إيجادهن لوظيفة تتناسب مع مهاراتهن أمر في غاية الصعوبة.

لا يوجد علاقة بين هذه العقبة ومستوى المهارات في هذه الحالة، ولكنه يرتبط بالانحراف عن المسار الوظيفي المطلوب والمصمم بطريقة تناسب الرجل. فهذا التوصيف الخاطئ (في الوعي واللاوعي) يضعها في هذه الخانة، فتجد المرأة نفسها مصنفة على أنها غير قادرة على تحمل المسؤولية، وتفتقر إلى الالتزام المهني، أو صاحبة خبرة كافية تتناسب مع سنها. هنا يكمن الحل في تغيير المفاهيم الخاطئة ووضع عدد من “الخطوات” التي من شأنها أنه تسمح لها بالعودة مرة أخرى إلى المسار الوظيفي.

المشاكل المتعلقة بالرعاية

تظهر مسألة الرعاية ( الكفالة) كعقبة ثالثة تقف في طريق تقدم المرأة مهنياً، فهي المفتاح الأساسي لتولي المهام التي تسمح للفرد إظهار جدارته في تولى منصب تنفيذي.

حيث أكدت البحوث التي أجرتها مؤخرا ” هيرمينيا ايبارا” من كلية إنسياد، بالاشتراك مع “نانسي إم اكارتر” و”كريستين سيلفا” نائب الرئيس ومدير الأبحاث في “كاتاليست” – منظمة لتعزيز فرص المرأة في مجال الأعمال- على أنه بالرغم من حصول المرأة على نفس التوجيه والتدريب الذي يحصل عليه الرجل، إلى أنه يوجد اختلافات جوهرية لما يعرف بـ”الكفالة” حيث يحصل الرجال على مستوى أفضل من الرعاية. هذا ويميل الرجال إلى حد كبير لكفالة أشخاص من جنسهم، بينما يواجه هؤلاء اللذين يكفلون امرأة نظرة رجعية تفسر سبب كفالتهم لها على أنه اعجاب.

يؤكد “هيكمان” و “فو” على أن الأقليات من القياديين (بما فيهم النساء)، الذين يتكفلون بآخرين من الأقليات (بما فيهم النساء) يصنفوا على أنهم أقل كفاءة من أقرانهم الأقل اهتماما بالأقليات.

نصل إلى استنتاج واضح مفاده أن العقبات التي تقف في طريق تقدم المرأة في العمل ( سواء من سلوكيات وتصنيف وتحيز وغيرها ) ، لها جذور متأصلة وعميقة ، وذات تأثير سيء، وموجود في كل مكان … وواسعة الانتشار أكثر بكثير مما نتصور .

يتطلب القضاء على التمييز بحق المرأة إلى الفهم والإبداع والالتزام والمثابرة، وقبل كل شيء العمل الإيجابي من جانب كلا الجنسين. وكما أشار زميلي “جان فرانسوا مانزوني”: “نحن لا نرى العالم كما هو، بل نراه من خلالنا” وهذا يعني أننا بحاجة في المقام الأول إلى رؤية الواقع على حقيقته. ففكرة أن التمييز سوف ينتهي بشكل طوعي يناقض ما أشرنا إليه في بحثنا، فهو نهج متأصل، ويجب علينا كسر هذه النوعية من الأنماط.

knowledge- موقع حزب الحداثة و الديمقراطية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate