حداثة و ديمقراطية

لماذا نجحت الحداثة في اليابان وأخفقت في بلاد الإسلام والصين؟

يعتقد المفكر الراحل هشام جعيط أنَّ الحداثة واحدة في جميع أبعادها، فليست هناك حداثة غربية، وحداثة إسلامية، وأخرى صينية، وأخرى هندية أو إفريقية. أنْ يجري الحديث عن الخصوصيات لدحض قيم الحداثة، فهذا نفاقٌ كبيرٌ وتضليلٌ عظيمٌ، فيقول: “لا يهمّنا كثيراً في آخر المطاف أن نعرف لماذا حصلت الحداثة في أوروبا وليس في غيرها من الرقاع، فهي مسألة بسيطة وغير مجدية، كما أنّه لا يهمّنا أن نستكشف لماذا حصلت الثورة النيوليتية في الشرق الأوسط وليست في مكان آخر. وهذا يعني أنّ مصلحي الإسلام كمحمّد عبده أو شكيب أرسلان وغيرهما لم يطرحا السؤال كما يجب، بل إنّ سؤال “لماذا تقدم غيرنا وتأخرنا؟” غير جائز.

كما أنّ الجواب، جواب عبده، وإنْ كان له معنى في زمانه، فهو ليس بمقنع في حدّ ذاته أي الرّجوع إلى الإسلام الأصلي النقي من الشوائب. فالمسألة ليست دينية، والحداثة ارتكزت على نفي الدين بتاتاً في فرنسا وإخراجه أكثر فأكثر من اللعبة السياسية والاجتماعية في البلدان الأخرى. والأوروبيون الذين عرفهم عبده ليسوا بممثّلين للديانة المسيحية، بل للحضارة الأوروبية ولأممهم الخاصّة المتفوّقة بشيء كان يُدعى آنذاك بالتمدّن ـ وهو مفهوم لا معنى له ـ الذي هو الحداثة، أي هذا التحوّل الذي ابتدأ في الخفاء من القرن السابع عشر في العلم المادي والفكر السياسي والأخلاقي الجديد، فالثورة الصناعية، فالتقنية والاكتشافات العلمية، وفقط في فترة متأخّرة (آخر القرن التاسع عشر) محاولة السيطرة على كلّ الكوكب.

على كلَّ، صحيح أنَّ الاتساعية الأوروبية كانت تقليدية وفظّة بدءاً من 1850، ولئن كانت تبشّر بـ”الحضارة”، هذا الذي نعني به الحداثة، فلقد كان السلوك سلوك هيمنة واستغلال. وهذا ما فهمه جيّداً قادة الحضارات القديمة الكبرى، فأحسّوا بالخطر وقاموا بردود فعل غير مجدية باستثناء اليابان. ذلك أنّ اليابان كان له شعور حادّ بالذاتية، فلم يغزه أحد منذ وجوده، وفي الآن نفسه لم يُبدع حضارة خاصّة بل أخذ كلّ شيء عن الصين. وهو في ثورة “مَيْجي” قرّر أن يأخذ كلّ شيء عن أوروبا حفاظاً على استقلاله وهويته، أي أن يأخذ بوسائل الآخر المهدَّد. ونجحت العملية هنا لأسباب متعدّدة منها أنّ فترة ما قبل ميجي (1600 ـ 1867)، وهي فترة التوغوكاوا، نظمت اليابان اجتماعياً وقامت بإبداعات كبيرة. ولئن اعتمدت على الإقطاعيين والمحاربين، فلقد أطلقت العنان لطبقة التجّار كي يثروا ثراء كبيراً، فاّنبثقت بالتالي رأسمالية يابانية. والحال أنّ اليابان أغلق الأبواب أمام الأوروبيين باستثناء الهولنديين، فعوّل على نفسه لسياسة اموره.

لقد اعترف مفكرو الصين الحديثة بأنهم أمة كغيرها من الأمم، وطوروا تصورهم لكونفوشيوس فمنحوه صفة نبوية. ولكن المصلحين صاروا يبدون شكوكاً في صحة النصوص القديمة. وقامت ثورات مضادة للغرب، وانقسم المجتمع إلى أنصار الغرب وأنصار التقليد. وسرت فكرة إصلاح المؤسسة السياسية، لكن الإمبراطورية هنا كانت راسخة القدم خلافاً لليابان حيث أرجعت إلى الوجود فحصلت مقاومة لكل إصلاح وأخفق هذا تماماً، فلم يبق الباب مفتوحاً إلا للتيار الثوري.

والجديد في إصلاح ميجي أنّ المصلحين، وقد أحسّوا بالخطر المحدق، أطاحو بالنظام القديم والتفوا حول المؤسسة الإمبراطورية المضروب على أيديها سابقاً، واستعملوا ما هو قديم وعتيق للتجديد الجذري بالذات. وحقيقة المر أنهم اختاروا من التراث ما يخدم مصلحة الإصلاح كإحياء “الشنتوية” وربطها بعبادة الإمبراطور، وترويج لإيديولوجيا الساموراي ظاهراً في حين أنهم دمروا هذه الطبقة وحولوا نشاط الإقطاعيين إلى نشاط اقتصادي وصناعي، كما قاموا بالشيء نفسه إزاء طبقة التجار.

وبما أن الذهنية اليابانية ذهنية شكلية على آخر درجة، فلم يأخذوا عن الغربيين التقنية فقط، بل وأيضاً، وظاهرياً على الأقل، الألقاب الفخرية والموسيقى والأدب والمعمار بلا خجل وبلا تخوف على فاتيتهم. هم مقلدون كبار كما كانوا في الماضي، ونجحوا بالتالي في هذه العملية باسم الجديد والحديث، لكن أيضاً باسم الرجوع إلى التراث “الصحيح”، وهو تراث مستنبط. 

لقد حاول الصينيون الرجوع إلى الأصول أيضاً. لكن ما دام الإصلاح هنا كما في العالم الإسلامي يطال الفكر فقط والسياسة دون النشاطات الأخرى في المجتمع، فمن غير الممكن أن يحصل تجديد جذري. وكانت الصين تحس بنفسها قلب العالم كما أن الإسلام يشعر أنه دين الحقيقة. وهاتان الحضارتان مستهما أوروبا بضراوة كبيرة للقرب في خصوص الإسلام وطمعاً في خصوص الصين.

الحداثة المهزومة عربيًا

1ـ إصلاحات متأثرة بأوروبا تتحدى الواقع الإسلامي المتأخر تاريخيا

كانت أول محاولة للتماسك ووعي الذات في الوطن العربي، محاولة الانبعاث العربي (النهضة) والتحديث على الطريقة الأوروبية، التي قادها محمد علي، عقب حملة نابليون، وإدراك العرب حقيقة الخطر الكولونيالي الأوروبي. فقد حصلت محاولة التحديث هذه في ظل اندحار الطبقة التجارية العربية، التي ازدهرت بفضل  التجارة البعيدة، والتي أسهمت في صنع الحضارة العربية، وانتقال مركز التجارة العالمية من الوطن العربي والبحر المتوسط إلى المدن الإيطالية والمحيط الأطلسي، ومجيء الرأسمالية المركنتيلية الأوروبية التي قادت إلى تدمير الوطن العربي، خصوصاً في ظل سيطرة العثمانيين. 

ولقد كان في التطور التجاري لأوروبا المركنتيلية خراب لعالم العرب التجاري. فقد هزلت المدن وأخذت الأرياف تحتل بكل تنافراتها مقدمة المسرح وتوقفت مراكز التفكير الممكن  حول انحطاط عالم المشرق عن الوجود. وجاءت اليقظة عنيفة موجعة في مطلع القرن التاسع عشر مع قدوم حملة نابليون في مصر.

وفي الواقع، فإنَّ تجربة محمد علي في عملية التحديث خارج العالم الأوروبي، بالاضافة إلى محاولة اليابان، كانت تقودها الطبقة الحاكمة المصرية ـ ذات الأصول الأجنبية، أتراك ـ ألبان ـ وشركس، المتكونة من البيروقراطية العسكرية التابعة للباشا، لا على طبقة براجوازية مصرية منتجة تحمل في صيرورتها نظام إنتاج رأسمالي قائم بذاته، وتجسد عملية الانتقال نحو تطور رأسمالية صناعية بطريقة تدريجية، وبإنشاء مشاريع رأسمالية صناعية جديدة، وتحقيق عملية التراكم الرأسمالية، الذي يمكن القيام بالاستثمار الفعلي الإنتاج الصناعي. والحال هذه، لم يكن محمد علي قادراً على خلق طبقة برجوازية مصرية سائدة بالمعنى الاقتصادي للكلمة وبالمعنى السياسي، متناقضة تناقضا مطلقاً مع اقطاع ذلك الزمان.

وطالما أرضية الاصلاحات، والرأسمالية، والتحديث، التي دشنها محمد علي أقيمت على الالتحام مع الاقطاع، وكنتيجة للظروف الخارجية، حيث لم تكن الظروف الاقتصادية ـ الاجتماعية مهيأة لانتاج ضرورة الثورة البراجوازية كنتاج طبيعي للتطور الداخلي في مصر، وفي باقي البلاد العربية، لإقامة ديمقراطية حديثة، فإن طريق التطور والتحديث الاقتصادي والاجتماعي خضع لآلية ودور الدولة في عملية تحقيقه، إذ أن الدولة أصبحت عاملاً أساسياً في تكوين رأس المال الصناعي، وفي تطوير القوى المنتجة، باعتبارها المحفز الرئيس لازدياد الانتاجية في المرحلة المبكرة للرأسمالية، في ظل غياب  طبقة راسمالية، وعلاقات انتاج رأسمالية في ذلك العصر.

من هنا تتجلى سيرورة النهضة في تجربة محمد علي كمحاولة أملتها إسقاطات العوامل الخارجية الناجمة بدورها عن عملية الانخراط في النظام المركنتيلي الرأسمالي العالمي ما قبل الاحتكاري، باعتبارها محاولة سلكت طريق “الثورة من فوق”، وقادتها الدولة، التي اضطلعت بدور التصنيع، ولكن مع امتصاص ريع عقاري مرتفع لمصلحة الطبقة الحاكمة، التي أصبحت مصدرة للمنتجات الزراعية، وورطت البلاد في نظام تبعية وتبادل غير متكافئ على حساب التراكم الداخلي، على نقيض محاولة اليابان في التحديث التي قادها ميجي، والتي اتبع فيها الطريقة البروسية، أي طريق التطور الرأسمالي اليونكرزي، حيث أن بعد اليابان الجغرافي عن المركز الرأسمالي الأوروبي، جعلها بعيدة عن المطامع الأوروبية المبكرة، في الوقت الذي كانت فيه تشكيلتها الاجتماعية تمكنها أيضاً من تفريخ رأسمالية محلية من الداخل.

وهنا تكمنُ واحدة من أكثر التركات النابليونيةِ ديمومةً في الشرقِ الأوسطِ. لم يناقش الحكامُ ذوو العقليةِ الإصلاحيةِ ـ مثل السلطان العثماني محمود الثاني ومحمد علي في مصر وولي عهد إيران الأمير عباس ميرزا ـ المعاييرَ الثقافية أو الهياكلَ الإنشائية التي يرتكزُ عليها النظامُ التقليدي.

وبدلاً من ذلك اعتقدوا أنّ الإصلاحات العسكريةِ والإداريةِ على النمطِ الأوروبي ستمكّنهم من ترسيخ سلطتهم المحلية وحمايةِ دولهم من التهديداتِ الخارجيةِ بفعاليةٍ أكبر. بيدَ أنّ هذه الإصلاحات تطلّبت إدخالَ الممارسات الغربية إلى المجتمعاتِ الإسلاميةِ وفرضت تحديات على هياكلِ السلطةِ القائمة، لأنها أدخلت الحكومةَ المركزيةَ في الحياة اليومية لرعاياها بشكلٍ أكثر مباشرة وعلى نطاقٍ أوسع من أي وقتٍ مضى.

ولهذا السببِ فإنّ العديد من المجموعات ـ بمن فيها علماء الدين والسعوديون في وسطِ شبه الجزيرةِ العربيةِ والانكشاريون العثمانيون والنخبُ التقليديةُ في إيران- أبدت ردَّ فعل سلبياً للغايةِ، فرفضت حتى تلك التغييرات التحديثية التي كان من الممكن أن توفّر حمايةً أفضلَ لدولها. وقد أصبح يُنظرُ بشكلٍ متزايدٍ إلى هذه المواجهة بوصفها نزاعاً من أجلِ جوهرِ الطريقةِ الإسلاميةِ في الحياةِ. ولا تزال آثارها العميقة ـ إضافةً إلى جوانب أخرى من إرثِ نابليون ـ تتردّدُ أصداؤها إلى اليومِ في الشرقِ الأوسط.

يقول المفكر الراحل هشام جعيط في تحليله لهذه الظاهرة: “الذي حصل هو اهتزاز كبير في النظرة إلى الذات وفي الصورة الذاتية للأنا. فأنْ تخضع الصين لمتطلبات ونزوات الغرب وكذلك المسلمون، اعْتُبِرَ هذا أمرًا عظيمًا. فاتجهت كل القوى الثقافية إلى التفكير في صيغ تجديدية ودفاعيةفي الصين مثلما في اليابان مثلما في السلطنة العثمانية. فكانت الثقافة ثقافة كينونة أكثر بكثير مما كانت ثقافة كسب وعطاء بحت،وبقيت الأمور على حالها إلى الآن في مجال الفكر. إلا أن المجهود أعطى ثماره في ميادين حساسة كالدولة و النظام العسكري والاقتصاد والبنية الاجتماعية وهُمِّشتْ الثقافى العليا كإبداع ملتصق بالمنظورة الحضارية الجديدة.

ويضيف جعيط قائلاً: “ورجوعًا إلى مقولة الحداثة كعملية كبرى في مجرى التاريخ، فلنتذكر هنا بأنَّ أسسها كانت ثقافية، وذلك من قرنين قبل الثورة الصناعية و الثورة الفرنسية، فالفسلفة الغربية تجاوزت بأشواط  الفلسفة اليونانية و أنشىء العلم الأوروبي على فكرة كوسمية هي لا نهائية العالم و على المنهج التجريبي!…لقد تكاثر الكلام عن التصنيع و النمو الاقتصادي ، وكذلك عن الديمقراطية وقبل ذلك نيل السيادة.وكل هذا محبذ، لكنَّ لااقتصاد و لا ديمقراطية بدون ثقافة .

2ـ غياب الإنتاج الثقافي الملتصق بمنظومة الحداثة الجديدة

لقد فتح محمد علي إمكانيات النهضة في مصر بقوة الدولة، ومهد لظهور ما يسمى حركة النهضة العربية ممثله بالنهضة الفكرية ـ السياسية، التي من أبرز قادتها رفاعة الطهطاوي ـ خير الدين التونسي ـ جمال الدين الأفغاني ـ محمد عبده. وكانت السمة العامة لإصلاحات محمد علي من القوة والعظمة ما جعلت لوتسكي يشبهها بإصلاحات بطرس الأول، باعتبارها إصلاحات تحمل طابعاً تقدمياً بالرغم من أنها كانت عبئاً ثقيلاً على عاتق جماهير الشغلية المصرية، المستغلة بلا رحمة من قبل الدولة الإقطاعية، وكبطرس الأول، لم يقض محمد علي على نمط الانتاج الاقطاعي، إلا أنه قضى على مخلفات القرون الوسطى الأكثر رجعية، وعمل في الوقت ذاته، على تعزيز دولة الملاكين والتجار، وأنشأ جيشاً وأسطولاً قوياً وجهاز دولة قوياً، وقام بعدد من الاصلاحات التي جعلت من مصر دولة مكينة ذات قوة حيوية. 

إن أوروبا كانت ماثلة في ذهن محمد علي حيث أن نمط تفكيره كان منشداً نحو أوروبا يسألها سبل تقدمها ـ وفي ذهن النخبة المصرية كتحدي خارجي. لكن هذا التحدي لم يكن مباشراً بعد، ولم يكن الوعي محكوماً بهذا العامل تماماً. لذا يمكن القول إن سؤال النهضة انطلق من شعور الحاجة إلى التقدم. وهنا تقبع أهمية هذا المنطلق. علماً بأن مفهوم التقدم عند مفكري النهضة العربية ” لم ينتقل إليهم ابتداء من فلاسفة عصر التنوير الأوروبيين من أمثال: فولتير وكوندورسيه ومونتسكيو وغيرهم، وإنما جاءهم من مصدرين أساسيين لم تكن أفكار التنويريين إلا رافداً ثالثاً لهما. 

أما المصدر الأول فهو وعيهم للهوة التي باتت تفصل عالم العرب والشرق والاسلام عن عالم الغرب الذي لاحظوا أنه يحث الخطى بثبات واطراد في  طريق الرقي والتقدم والتمدن. وأما المصدر الثاني، فهو قراءتهم لابن خلدون التي تحتل فيها مشكلة أفول العمران أي التقهقر الحضاري، المرتبة الأولى. وبين قراءتهم لابن خلدون ووعيهم لحالة التدني والتقهقر لم يكن لابد من أن تجد آراء فلاسفة التنوير بعض الرجع والصدى . ولذلك بدأت محاولات جدية للاصلاح الإداري والسياسي، وأبرز محاولتين لدراسة مفهوم التقدم وبخاصة في شقة العمران، هما رفاعه الطهطاوي وخير الدين التونسي…. 

حاول رواد عصر التنوير العربي بلورة مشروع ثقافة حديثة تنقل حياة العرب من نموذج المجتمعات التقليدية السلطانية والقرسطوية إلى النموذج الحديث، وإعادة تشكيل حياتهم بحسب القيم والمعايير الحديثة، الأخلاقية والاجتماعية والسياسية. لكنَّ هذا المشروع اصطدم بمعوقات بنيوية حقيقية.

إنَّ سؤال النهضة سؤال محلي ارتبط بمشروع سياسي يصل مصر بالمشرق العربي، في سيرورة بناء دولة مركزية شرقية قوية ومتأوربة تطمح إلى الاستقلال الكامل عن السلطنة العثمانية المتزعزعة والمحتضرة، وهذا ما أرهب السلطان العثماني والغرب الأوروبي في آن معاً، حول خطورة هذا المشروع السياسي، الذي يعمل لتحقيقه نظام محمد علي المركزي. ويلاحظ هنا وقوف أوروبا الغربية الحديثة بقيمها العقلانية والديمقراطية، والحاملة لرسالتها الكونية، رسالة الديمقراطية المسماة بالليبرالية وذات النزعة الفردية ضد مشروع نهضوي تحديثي عقلاني في مصر وسورية بزعامة الحاكم المستنير، وتحالفها مع قوة تقليدية متخلفة ممثلة بالسلطان العثماني، مجافية لكل مبادئ الديمقراطية الليبرالية. 

وهذا يعني أوروبا لم تكن أمينة لقيم ومثل الثورة الديمقراطية البرجوازية المتناقضة جذرياً مع الدولة الاقطاعية وكل مخلفات القرون الوسطى، بل هي أمينة لمصالحها الاقصادية والاستراتجية الجيو ـ سياسية. وهذه المداورة الانتقائية للديمقراطية الليبرالية، ولمفهوم حقوق الإنسان، أصبحت سياسة متأصلة عند الغرب، الذي يحرك آلة حرب “حقوق الإنسان” ضد الأنظمة في الوطن العربي التي يصنفها معادية له من وجهة نظره، سواء كانت قومية علمانية أو جذرية، ويضرب جدار من الصمت على الأنظمة الموالية له، حتى لو كانت ديكتاتورية ومعادية للحرية والديمقراطية، وتطبق الشريعة الإسلامية على الطريقة المتشددة. 

رغم ثقل العوامل الخارجية، وأهميتها، ولاسيما التحالف بين السلطان العثماني والغرب الأوروبي، إلا أن العوامل الخارجية لا تكفي لتفسير إجهاض محاولة محمد علي في بناء دولة مصرية عربية جديدة وحديثة. فالعوامل الداخلية، وعلى رأسها طبيعة الدولة التي بناها محمد على، دولة مركزية استبدادية محدثة، وضعف اندماج الأفكار الإصلاحية والتنويرية في المجتمع. 

لقد تضمنت تجربة محمد علي الكثير مما يسمى “القومية التنموية ” بكل ما  تنطوي عليه من مركزية وتعبئة في سبيل البناء العسكري والتنمية الاقتصادية من منطلق قومي. ولو كان محمد علي مصرياً لسارات الأمور بطريقة أسرع. وقد بلغ نظامه حدًّا من المركزية دفع باقتصادي مصري في الأربعينات إلى تسمية ” الاشتراكية الحكومية” .وقد آمن محمد علي بأنه لابد من إدارة مصر عن طريق سلطة مركزية عليا، لأن التعدد والتفسخ كادا أن يؤديا إلى انهيار فكرة الحكومة نفسها في البلاد.

فالدولة المركزية التي بناها محمد علي لم ترتكز على فكرة المجتمع السياسي المستند إلى العقد الاجتماعي، أو الميثاق الوطني، مثلما لم تكن ملتزمة باحترام الحريات التقليدية السائدة في الغرب، كالحرية السياسية، وحرية القول، وحرية الفكر، وحرية العقيدة، وحرية الفرد في اختيار دينه ونمط حياته ومن يمثله سياسياً، وحرية العمل وغيرها. وفضلاً عن ذلك، فإن كتلة المجتمع ظلت غارقة في الجهل والأمية، ويسودها التفكير الخرافي والأسطورة اللاعقلانية، في حين كانت النخبة قد أحرزت تقدماً ملحوظاً. ويعود السبب في هذه الهوة بين النخبة وكتلة الشعب، إلى ضعف الجسم السياسي وهزاله. كما أن عملية التصنيع التي تمت هي بالأحرى عملية تحديث تكنولوجي، فلم يندمج العلم القادم من الغرب مع تكنولوجيا على ضعفها وبساطتها بالعمل، ولابالايديولوجية العربية الإسلامية ليعمل على تحديثها. وظلت هذه الازدواجية قائمة في المجتمع العربي إلى يومنا، تأخر إيديولوجي سياسي، وإيديولوجية تقليدية مهيمنة من جهة، وتطور تكنولوجي ترافقه نزعة علموية من جهة أخرى. 

ولعبت الإيديولوجية العربية الإسلامية دوراً وازناً في لجم عملية الانتقال من نمط الإنتاج شبه الاقطاعي القديم إلى علاقات انتاج رأسمالية حديثة. وعلى نحو خاص، ذلك أن حرية الفرد، وحقوق الإنسان التي كانت أساس النهضة الغربية غير معروفة وغير معترف بها في هذه الايديولوجيا. ويمكن القول أن محاولة النهضة العربية لم تسجل قطيعة معرفية ومنهجية وثقافية مع النظام المعرفي والثقافي العربي، الذي كان سائداً منذ عصر انحطاط الدولة العباسية وحتى ” العصر الحديث “، مثلما فعلت النهضة الأوروبية. وكانت محاولة النهضة هذه تستند إلى نزوع أو إلى تطلع نحو التقدم ومحاكاة الغرب دون أن يكون الإنسان العربي مركز هذه العملية التاريخية. وربما كان هذا الغياب والتغييب لمفهوم الإنسان، وحرياته السياسية، وحقوقه المدنية، دور أساسي في انتاج وإعادة انتاج الدولة ذات النظام الأبوي القائمة على جهاز الأمن الداخلي، المخابرات، التي تقوم “بضبط مجريات الأمور المدنية والسياسية”، وفي ضعف عدم تكون المجتمع المدني الحديث المتحرر من طغيان وهيمنة الدولة المحدثة عن السلطنة الأبوية التقليدية. 

ورغم كل ذلك، ظهر في العالم العربي والإسلامي عصر أنوار النهضة العربية الأولى في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين،وكان من أبرز قادته مفكّرون أمثال رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، ومحمّد عبده، وشبلي شميّل، وسلامه موسى، وطه حسين، وعلي عبد الرزّاق، وعبد الرّحمن الكواكبي، وفرح أنطون…إلخ . فقد استمد رواد النهضة العربية الأولى أفكارهم من مرجعين أساسيين:

الأول التراث الفكري والفلسفي والثقافي العربي العقلاني والمستنير الذي أشعله قديماً فلاسفة ومفكّرون عرب كابن خلدون وابن رشد والكندي وابن سينا وابن حيّان وغيرهم.

والمرجع الثاني: فلاسفة عصر التنوير الغربي الأوروبي في القرن التاسع عشر، الذين أسهوا في بناء الثقافة الحديثة العقلانية الفكريّة والعِلميّة والسياسيّة والاقتصاديّة من خلال ذلك المخاض العظيم في غرب أوروبا، الذي حوَّلها من عصور الظلام في القرون الوسطى إلى عصر الأنوار في القرن التاسع عشر،إذْ إِنَّ الحضارة الغربيّة ذاتها شربت عروقها من ماء الحضارات القديمة التي سادت ثمّ بادت، ومنها الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وحضارة ما بين النهرَين، والحضارة الصينيّة و الحضارة الهندية وغيرها.

جد أن النهضة العربية الحديثة للمجتمع العربي المتأخر، الذي واجه الصدمة الغربية، كانت نتاج هذه الصدمة الغربية، التي اعادت الحياة المجتمعية العربية وفق منطق التطور الرأسمالي اللامتكافئ، أي أن المحرك الرئيسي لهذه النهضة هوالعامل الخارجي الممثل بالتهديد الغربي، العوامل الداخلية التي كانت تحتل مرتبة ثانوية.

حاول رواد عصر التنوير العربي بلورة مشروع ثقافة حديثة تنقل حياة العرب من نموذج المجتمعات التقليدية السلطانية والقرسطوية إلى النموذج الحديث، وإعادة تشكيل حياتهم بحسب القيم والمعايير الحديثة، الأخلاقية والاجتماعية والسياسية. لكنَّ هذا المشروع اصطدم بمعوقات بنيوية حقيقية.

إنَّ المشروع النهضوي التحديثي الذي ارتبط بالطهطاوي وخير الدين اللذين ينتميان إلى بلدين عربيين، تعرضا منذ وقت مبكر إلى تهديد قوة الغرب الأوروبي، وتوسعه الرأسمالي الاستعماري، لم يكن مشروعاً قومياً تاريخياً للنهضة العربية الشاملة، بقدر ما كان مشروعهما يريد تحقيق الربط الشامل بين أقطار العرب الحديثة والمدنية الغربية في سبيل السير في طريق الترقي العمراني، وبواسطة مساءلة التقدم الحديث بالنسبة للمجتمع العربي الإسلامي، الذي أصبحت تفصله هوة سحيقة بينه وبين الغرب، في مختلف مجالات الحياة، ومن دون تحقيق القطيعة مع الماضي أي مع المدنية الإسلامية بالذات التي أصبحت مهددة في وجودها من قبل العامل الخارجي، أي الغزو الاستعماري الغربي. 

والواقع أن هذا المشروع النهضوي التحديثي على الصعيد العربي، الذي تحكمت فيه رؤية إزدواجية قائمة في جوهرها على النزعة التوفيقية بين القيم الإسلامية والقيم الغربية الحديثة، والمصالحة بينهما، لم يكن تعبيراً  عن صراع داخلي عميق بين قوى اجتماعية راديكالية جديدة تمثل القوى المنتجة الثورية، التي بلغت درجة معينة في تطورها الاقتصادي والاجتماعي، وبين قوى تقليدية رجعية ممثلة للعلاقات الانتاجية، التي أصبحت معيقة ومتناقضة مع سياق التطور التاريخي للمجتمع برمته، يتطلب والحال هذه تصفية الحساب معها عن طريق تجاوزها ديالكتيكيا تاريخياً وسياسياً ،باتجاه الانشداد نحو المستقبل.

ولهذا، من الصعب جداً أن نحلل ونفسر المشروع النهضوي التحديثي في الوطن العربي انطلاقاً من العوامل الداخلية وفي مقدمتها العوامل الاقتصادية والاجتماعية، وصراع قوى التقدم مع قوى التأخر التاريخي، مثلما هو الأمر الذي حكم حركة النهضة الأوروبية، التي كان الصراع الداخلي العنيف هو محركها الأساسي، الأمر الذي مكنها من تجسيد قطيعة معرفية ومنهجية مع الماضي القديم، وتجازوه جدلياً هو والحاضر، وتوجهها نحو المستقبل لبناء مشروع مجتمعي جديد، وثقافة جديدة، وتراث جديد، في ظل غياب كامل لعنصر التهديد الخارجي. 

وعلى النقيض من هذا، نجد أن النهضة العربية الحديثة للمجتمع العربي المتأخر، الذي واجه الصدمة الغربية، كانت نتاج هذه الصدمة الغربية، التي اعادت الحياة المجتمعية العربية وفق منطق التطور الرأسمالي اللامتكافئ، أي أن المحرك الرئيسي لهذه النهضة هوالعامل الخارجي الممثل بالتهديد الغربي، العوامل الداخلية التي كانت تحتل مرتبة ثانوية. 

ولما كان العامل الخارجي، أي الغرب هو المحرك الأساسي في المشروع النهضوي التحديثي، على الرغم من بروز مظهريه المتناقضين في عقل رواد النهضة العربية، مظهر يمثل العدوان والغزو الاستعماري والهيمنة … إلخ، ومظهر يمثل الحداثة والتقدم بكل قيمها العصرية المادية والمعنوية كالتقنية والعلم والديمقراطية والحرية، فإنه أصبح يمثل العدو والنموذج في آن معاً، بالنسبة للنهضة العربية، حسب قول المفكر الراحل محمد عابد الجابري.

” هذه المزدوجة ـ للعامل الخارجي، العدو والنموذج في الوقت نفسه، قد جعل موقف النهضة العربية من الماضي والمستقبل معاً مزدوجاً كذلك، فالتبس وتداخل فيها ميكانيزم النهضة الذي قوامه الرجوع إلى ” الأصول ” للانطلاق منها إلى المستقبل، مع ميكانيزم الدفاع الذي قوامه الاحتماء بالماضي والتثبت في مواقع خلفية … إلخ هذا على صعيد الوعي والفكر، أما على صعيد الواقع التاريخي والصراع الاجتماعي فإن الحضور المستمر للعامل الخارجي وطابعه المزدوج والمتناقض قد جعل العلاقة بين قوى ” التقليد ” وقوى “التجديد” في المجتمع العربي علاقة متموجة متداخلة لاتنمو في اتجاه التجاوز والانفصال بل على العكس تتحرك في تشابك، ذهاباً وإياباً مما جعلها أقرب إلى الاستقرار والركود منها إلى الدينامية والتقدم “.

لتوفيق المديني

عربي21- موقع حزب الحداثة و الديمقراطية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate