حداثة و ديمقراطية

الشباب وقود حرب الكهول

إن تحشيد الشباب عن طريق التعبئة العامة ظلَّ عبر تاريخ الحرب توظيفًا حتميًا ومقصودًا بقصد تحقيق مكاسبَ عسكرية وهو أمر يُفهم كثيرًا ليس لمجرد أن هذه الفئة العمرية تمتلك المقومات البدنية للحرب بل لأنها تمتلك الاستعداد النفسي لها وإن بشكل نسبي.

عادةً يُضرم الكهول من ساسة وجنرالات عسكريين نيران الحرب ليكون الشباب وقودها، تنتهي الحرب، يُقتل الشباب في مقتبل أعمارهم، ويعود الكهول للاستمتاع بما تبقى من أعمارهم والتفكير في حروب مستقبلية. وكثيرا ما امتنع هؤلاء عن توظيف هذه الطاقة البشرية الهائلة في مشاريع ونشاطات تساعد في خدمة البشرية وإعمار المجتمعات، فنجدهم بين الفينة والأخرى يقودونهم مكرهين إلى حروب لا رابط بينهم وبينها.

إن تحشيد الشباب عن طريق التعبئة العامة ظلَّ عبر تاريخ الحرب توظيفًا حتميًا ومقصودًا بقصد تحقيق مكاسبَ عسكرية وهو أمر يُفهم كثيرًا ليس لمجرد أن هذه الفئة العمرية تمتلك المقومات البدنية للحرب بل لأنها تمتلك الاستعداد النفسي لها وإن بشكل نسبي.

فالفرد في مرحلة عمرية كهذه يكون غير مكتمل على صعيد الخصائص النفسية؛ فهو قليل التجربة وفي مسيس الحاجة إلى تحقيق ذاته وعليه فإن المؤسسة العسكرية والسياسية الساعية للتحشيد تستغل هذه الثغرة من خلال تصوير الحرب بوصفها نشاطا يحقق للشاب ذاته عبر تبني خطابات تعلي من شأن المنخرط فيها، وليس بغريب أن تمارس مؤسسة الساسة والجنرالات حربا أخرى ضد أي نشاطات تمكن الشاب من تحقيق ذاته عبرها وهو ما يحصل اليوم في ساحة الحرب.

إن إمكانية تحشيد الشباب لجبهات القتال في مجتمعات تمكن الشباب في نشاطات علمية وإبداعية ومهنية أمر يصعب كثيرا، فالشاب المكتمل في ذاته والمقدر لها والمنسجم مع نشاطه العلمي أو الإبداعي أو العملي لا يمكن له قط أن يرى في الحرب معنى، ولذا تصر مؤسسات الحرب على تعطيل هذه النشاطات الأخرى في سبيل التحشيد لحروبها التي تقضي قبل كل شيء على الشاب نفسه. ولعل هذه المؤسسات تستخدم كل الأساليب الممكنة لإقحام الشاب في حروبها العبثية من خلال تقليص فرص العمل وتحصيل الرزق، فلا يجد الشاب بُدا من الانخراط في الحرب لتحصيل رزقه وإن كان ذلك دونما رغبة حقيقة منه.

إن الحرب بالمحصلة وبقراءة نفسية أكثر عمقا ليست سوى نمط من أنماط التجلي لغريزة القتل والعنف في سلوك الإنسان وفقا للنظرية السلوكية والتحليلية النفسانية، فأي إنسان يخلق باستعداد نفسي للقتل وبالتالي للحرب، وما يحول دون ذلك أو يحفز له يكون ناتجا عن الثقافة التي يربى عليها الإنسان بما تتضمنه الكلمة من اتجاهات وأنماط سلوكية وطرق استهلاك لدى أفراد المجتمع، ولذا يكون الشاب أكثر عرضة لظهور غريزة القتل – الحرب – لديه بفعل قصور تجربته واستعداده البدني واحتياجاته المتزايدة أيضا.

وانطلاقا من قراءة كهذه تكون عملية التحشيد للحرب أيضا من خلال تفخيخ ثقافة الشباب بمضامين تدفعهم للقتال عبر خطابات الكراهية والعداء للآخر مما يجعلهم مستعدين لشن الحروب ضد من رأته تلك الثقافة عدوا. ولعل خطورة تحشيد الشباب ودفعهم نحو الحروب لا تكمن فقط في كون هؤلاء سيصبحون حطبا لها بل إن الخطورة تكمن في ضرب ثقافة السلم المجتمعية وتبديدها وهو أمر سيجعل من حالة الاقتتال دائمة ونتيجة حتمية تظهر بين الفترة والأخرى وهو ما يجعل أفراد المجتمع بكل تقسيماته الديمغرافية والإثنية مستعدين للحرب وخوضها دون هوادة.

إن الناظر لما يحدث في حرب كهذه وهي الحرب البشعة التي نعيشها يدرك أن جميع القوى المتحاربة على الساحة دفعت بأدوات الدعاية نحو تحشيد الشباب – كما غيرهم – في صفوف متقاتلة دونما قراءة لمستقبل هؤلاء في حياتهم الفردية والجمعية فما الذي يمكن أن يقدمه شاب تشبع بدماء الآخر مستقبلا لنفسه ومجتمعه؟

وفي الخلاصة يجب القول إن على جميع الأطراف المتحاربة أن توقف تحشيد الشباب ودفعهم صوب الحروب وأن تبحث عن استثمار حقيقي لهذه الطاقة البشرية الهائلة في أنشطة تخدم المجتمع وتساهم في نهوضه ووصوله لحالة من السلم المجتمعي وأن تستفيد من تجربة الاستثمار الحقيقية في هؤلاء كما دأبت الشعوب المتقدمة.

لصلاح الدين الروحاني

علمانيون يمنيون – موقع حزب الحداثة و الديمقراطية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate