ثقافة

في ماهية النقد الادبي

إن النقد هو ذلك الفن الذي يتناول الأثر الأدبي بالدرس بهدف تقويمه، وبيان ما فيه من جمال أو قبح، وتفسير نواحيه الأدبية، ثم الحكم عليها. وهو قديم منذ كتب أرسطو كتابيه «فنَّ الشعر» و»الخطابة» ووضع فيهما الأسس التي يجب أن يراعيها كل من الشاعر والخطيب. وعلى هذا الأساس فإن النقد الأدبي هو الذي يروم الكشف عن مواطن الجمال ومكامن القبح، حيث يسلط الناقد نظرته الفاحصة، وذوقَه المرهفَ على الأثر الأدبي فيسبرَ أغوارَه ويحاول أن ينفُذ إلى عمق نفس الأديب ليستخرج خباياها، بما اكتسبه من ثقافة عميقة، وقوة حاذقة على التحليل والتفسير والموازنة والحكم المبرّأ من شوائب الهوى.
وإذا كان النقد الأدبي يقوم على دراسة النصوص الأدبية والتمييز بين الأساليب المختلفة، وهو روح كل دراسة أدبية، لكونه يظهر خصائص صياغة الأدب ويحلله، فإن النقد المنهجي يقوم على منهج تدعمه أسس نظرية وتطبيقية عامة، ويتناول بالدرس مدارس أدبية أو شعراء أو خصومات، يوضح عناصرها، ويبصِّر بمواضع الجمال فيها، ومكامن القبح فيها. وقد سلك العرب قديما في العملية النقدية مسلكا محمودا، حيث أقيمت دراسات عديدة حول فحول الشعر العربي، ولها فيه مكانة خاصة، وعند نقاده من سلف منهم ومن خلف منزلة مرموقة. مثل كتاب «الموازنة بين الطائيين» للآمدي الذي بدل جهدا نقديا متميزا ينم عن إلمام كبير باللغة والنحو، ودراية واسعة بالعلوم الدينية، ومعرفة عميقة بالموازنة الأدبية.
ومما لا ريب فيه أن الخصومة العنيفة التي نشبت بين أنصار أبي تمام من جهة، وأنصار البحتري من جهة أخرى، لم تكن وحدها التي جعلت النقد في القرن الرابع الهجري يبلغ درجة النضج والازدهار، فقد كان إلى جانب هذه الخصومة خصومة أخرى لم تكن أقل حماسة من الخصومة الأولى، ألا وهي الخصومة التي قامت حول شاعر كبير ترك في المعاصرين له أثرا بالغا، وكان لشعره دوي غطى على أصوات الشعراء في عصره، ذلكم هو المتنبي الذي أثار بقدرته الفذة على صياغة الشعر مجالا خصبا لحركة نقدية مماثلة لتلك التي أعقبت الخصومة حول أنصار أبي تمام والبحتري؛ إذ خلفت لنا هذه الحركة النقدية إنتاجا غزيرا في دراسة أوجه الخلاف بين مذهبين في الشعر، يختلف الواحد منهما عن الآخر لشخص المتنبي وشعره، والخصومة التي قامت بين أنصاره ومعارضيه.
والنقد لم يكن حكرا على النحاة واللغويين والأدباء والشعراء، بل هناك طائفة ثالثة ركبت طريقه في عصر بني العباس، وهي طائفة الكتّاب، وقد أثنى الجاحظ على سلامة بصيرتهم ودقة ذوقهم، ونفى القدرة على تذوق الشعر عمن عداهم من الرواة واللغويين والنحاة، وذلك في عبارته الشهيرة: «طلبت الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يحسن إلا غريبه، فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار، وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند الأدباء.
عبارة الجاحظ هذه تشفع لنا بالقول إن طريقة الكتّاب والأدباء في النقد أسهمت إلى جانب طريقة الشعراء في إيصال النقد العربي، إلى مرحلة النضج والازدهار، فأصبحت له أسس يعتمد عليها، وقواعد يستند إليها. كما أن الموازنة بين الشعراء أضحت تعتمد على التحليل والتفصيل، وتضع الأساس للنقد الموضوعي، حيث لا عصبية، ولا هوى جائر، ولا انحراف عن الحق رغبة أو رهبة، وإنما هو الشعور الهادئ، والتحليل والدليل، وذكر أسباب التفاضل.
هذه بعض ملامح تطور النقد المنهجي عند العرب قديما، أما في العصر الحالي فإننا نلفي بعض الدراسات الأكاديمية التي تتوسل بمناهجَ نقدية حديثة تروم استجلاء القضايا النظرية والمنهجية، التي تطرحها الأعمال الإبداعية بغية استشراف أفق بعيد، يتهيأ به التفكير في الموضوعات المتباينة والمقومات الجمالية المختلفة. وفي هذا الإطار تعد مسألة المنهج من القضايا الشائكة التي ما فتئت تحظى باهتمام الباحثين، في مختلف مجالات المعرفة. وتكتسب أهميتها، من كون المنهج ليس أداة فحسب، بل هو رؤية لوجود، تسندها خلفية معرفية وفكرية تؤطره وتحدد أهدافه ومراميه، ومن هنا يصبح المنهج هو المفتاح الرئيس للتحكم في الأعمال الإبداعية والتقدم بها، والطريق الأمثل لتوليد الدلالات والأفكار الجديدة. بيد أن القارئ غدا يلمس في الآونة الأخيرة تهافت بعض الدارسين والباحثين على إفراز القراءات الانطباعية، دون التوسل بآليات المقاربات النقدية الحديثة التي تهدف إلى تحديد رؤيا المبدع للعالم، انطلاقا من ربط الإبداع الأدبي بالذات في تمظهراتها الواعية وغير الواعية، ومعرفة تصور المبدع للحياة والوجود الإنساني، في شكل مقولات ثيماتية محورية وموضوعات بارزة. وهذا النوع من النقد يحركه فن المجاملة والمحاباة للمبدع.

يبدو جليا أن الكاتب يبدع لقارئ معين فينبعث بينهما سياق للتواصل والتفاعل، يظل كامنا في النص في شكل طاقة جمالية تبحث باستمرار على أن تنبثق وتتفجر خلال تاريخ تداول النص.

وما يجب الإشارة إليه هو أن القراءة الجادة هي التي تسعى إلى إخراج النص إلى عالم الممكن. فالقراءة ليست مسحا بصريا للنص، ولا تفسيرا معجميا لألفاظه واستنباطا لمعانيه المباشرة، فهي فعل خلَّاق/ كالإبداع نفسه يقوم على الهدم والبناء بدرجة أولى، وليست أبدا تقمصا لتجربة ما، ومن ثم، فإن تلقي الأدب يتطلب مرونة نظرية وذخيرة علمية. وعموما فإن عملية القراءة ينبغي أن لا تتجه نحو الألفاظ بمعزل عن سياق تأليفها، إذ من شأن هذا الإغفال أن يحجب عن القارئ إبداعيتها وفنيتها، ولهذا فإن فعل القراءة يقتضي من الباحث جهدا غير يسير، وهذا الجهد يتدرج عبر معرفة اللغة وتركيبها وضروب القول فيها. وتحقيق هذه الغايات يستدعي من القارئ خبرة تساعده على إدراك جمالية الإبداع.
يبدو جليا أن الكاتب يبدع لقارئ معين فينبعث بينهما سياق للتواصل والتفاعل، يظل كامنا في النص في شكل طاقة جمالية تبحث باستمرار على أن تنبثق وتتفجر خلال تاريخ تداول النص. ومن هنا يكون النص موقع إبداع في حالة كمون، يتضمن طاقة جمالية مستترة، تتطلب قارئا تجريديا يعمل على استكناهها. وتبعا لهذا كله نختتم هذه الورقة بتجربة شكري عياد النقدية، إذ قال: «النقد عندي فرع عن القراءة؛ فأنا لا أنقد إلا عملا عايشته، وشعرت بأني نفذت إلى باطنه، وعدتي في ذلك هي الأدوات التي استفدتها من علم الأسلوب ومن تاريخ الأدب، وفوق ذلك من البصيرة ـ غير المحددة بقوانين – التي استفدتها من قراءات في مختلف العلوم الإنسانية. وغالبا ما أشعر أثناء الكتابة عن عمل أدبي أني أكتشفه من جديد، وربما كان تحمسي لهذا النوع من النقد ـ في ضوء تجربتي الشخصية – هو الذي يجعلني آخذ على معظم النقد الذي يشير في المجلات الأدبية العربية في هذه الأيام بأنه نقد تكنيكي مبرمج لا يحمل طابع المعاناة الفكرية والنفسية، ويكاد يخلو من أي إبداع. وربما كان الحصار النقدي في دائرة المجلات الأدبية المتخصصة، وابتعاده عن الصحف السيارة ـ أو على الأصل نفيه منها- مشجعا على هذه «الكهنوتية النقدية» التي أصبحت ظاهرة ملحوظة في الوقت الحاضر».
هذه شهادة ناقد جرب الإبداع والنقد وخبر اتجاهات ومناهج مختلفة قديما وحديثا، فحري بنا أن نأخذ رأيه مأخذا جديا. ومرد ذلك إلى أن النقد الأدبي وليد معايشة وجدانية بالعمل الأدبي، وأنه نوع من الإبداع القائم على المعاناة، وأن عدة الناقد تكمن في البصيرة والأدوات المكتسبة، وأن الكتابة النقدية نوع من الاكتشاف الجديد.

لعز الدين المعتصم

القدس العربي / موقع الحداثة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate