ثقافة

في البنيوية و النقد الادبي .

أكثر المفارقات في طبعة البنيوية العربية إثارة للدهشة، ما جاء في كتاباتِ ناقد مثل «إلياس خوري»، حين عبّر عن اعتقاده بأن ظهور «مدرسة النقد الجديد» لدينا ( والتسمية ترجمة للمصطلح الفرنسي) جاء بسبب «تطور النص الإبداعي العربي، فالنص حين دخل في التعدد سمح لنا بالوصول إلى هذه المقتربات الجديدة». 
هذا الاعتقاد غير صحيح جملة وتفصيلا، لأن الاتجاه البنيوي في النقد بمختلف اتجاهاته، نشأ بتأثير تطور علم اللغة والأناسة (الأنثروبولوجيا) ومساهمات الفلسفة وعلم النفس أولا، فلو كان النص الحديث هو الذي سمح بظهور النقد الجديد، لما شغل النقاد البنيويون أنفسهم بدراسة نصوص كُتبت في القرون الماضية، ويبدو أن خطأ حامل هذا الرأي جاء بسبب إساءة الترجمة، فالحديث عن تطور مدرسة النقد الجديد في فرنسا من منطلق تأثير النصوص الجديدة حديث لا مبرر له، لأن ثمة وحدة في حركة الثقافة الفرنسية، والغربية بعامة، وينتج هذا تفاعلا جدلياً بين مبدعي النصوص، فإذا قلنا أن النص الجديد هو تبلّورُ اتجاهاتٍ ومناهج عقلية بدأت تشيعها العلومُ الإنسانية في ذهنية المبدع الغربي، وأن هذه عادت لتنعكس على دراسةِ النص الجديد بأدواتٍ متطورة، نكون بهذا قد قرّرنا وجود ظاهرة، ولكنها ظاهرة فرنسية وليست عربية، ونقل هذا الإقرار بظاهره إلى الثقافة العربية بهذه المجانية لا يجعله ذا جدوى، لأن الصلة الخلاقة بين الفعاليات الثقافية، سواء في حقل الإنسانيات أو العلوم البحتة، معدومة في الوطن العربي. فأنت تجد هنا موسيقياً مبدعاً يمتلك معرفة متدنية بالشعر والفلسفة، وتجد شاعراً كبيراً يجهل أبسط المعارف الاجتماعية، ومن النادر أن تجد تشكيلياً تعنيه الفنون الأخرى من رواية وشعر ومسرح.. وهكذا.

من جانب آخر، القول بأن النصوص الجديدة هي التي تخلق نوعاً من النقد خاصاً بها يعني أن هناك نصاً «بنيويا» و نصاً «غير بنيوي، وهو رأي غريب لا وجود له لدى أقطاب البنيوية، لأن البنيوية منهجٌ لدراسة النصوص، قديمها وحديثها، وليس تقديم وصفاتٍ لإنتاجها، ويؤكد هذا جيرار جينيت حين يقول«انتقلت البنيوية من ساحة الأناسة والعلوم اللغوية إلى مجال النقد الأدبي، وأصبح التحليل اللغوي للنصوص عاملاً مهماً في زيادة الدقة العلمية في التحليل وتفحص النص لذاته وبذاته قبل كل شيء»، ولم يقل إن البنيوية منهج لكيفية كتابة نص إبداعي. 

ومن جانبه، يقول تزفيتان تيودوروف«إن الاتجاهات النقدية الراهنة متعلقة بإيديولوجيا ذات هيمنة واضحة، والنقد هو نوع من القراءة غير العلمية؛ إنه قراءة إيديولوجية».

من هذه الملحوظة الأخيرة نقترب من مفارقة أخرى من مفارقات الطبعة العربية للنقد البنيوي، وتتمثل في غلبة اتجاهٍ على هذه الطبعة يعتبر النقدَ عملاً علمياً يشبه عمل العالم الفيزيائي في معمله، وبهذا لا مكان لدوافع الإنسان الكاتب والناقد، أي لا مكان لوعيه، وهذه مفارقة غريبة، لأن تغييب الإنسان عن نتاج عمله افتعالٌ يصبُّ في تيار اللاوظيفية لفعاليات الحياة ذاتها، وهو ما تعارضه كل العلوم وتسخر منه. ويبدو أن نزعة الهرب من كل ما هو إيديولوجي أو سياسي، وبالتالي من أي موقف فاعل في الوجود الاجتماعي، هي التي تقف وراء هذا الافتعال، وتسمح بتقييد النقد تحت سقف لا يتجاوزه؛ سقف تكوين النص اللغوي، وتحت هذا يبحث الناقد عن الجملة الاسمية والجملة الفعلية، ومدى تكرار هذه الجمل، ويبحث عن الأفعال وأعدادها وأزمانها.. وما إلى ذلك.

إلا أن شعور النقاد البنيويين ذوي الاتجاه الشكلاني بعدم كفاية مثل هذه الوسائل، ولا معناها على الأغلب، واقتصار العمل النقدي عليها، دفعهم إلى تبني مفاهيم النقد الأسطوري، النقد النابع من تأملات عالم النفس «كارل غوستاف يونج» (1875- 1961) حول أنماط البنى البدئية في العقلية البشرية.

مفاد هذه التأملات أن ما يسميه «يونج» الأنماط البدئية هو نوع من الحكايات الرمزية ترسبت في ذاكرة الجنس البشري الجمعية؛ الذاكرة غير الواعية، وتنبعث هذه الأنماط وتتكرر في نصوص الأدب والفن، بل وفي روايات دينية مثل الروايات التوراتية كما يرى «نورثروب فراي» (1912- 1991)، في كل العصور والثقافات.
انطلاقاً من هذه التأملات، اجتهد البنيويون العرب، أو المأخوذون بفكرة وجود البنى الثابتة، لسدّ فراغ الأشكال اللغوية التي يصلها تحليلهم بما وجدوه لدى شعراء الأسطورة في الشعر العربي المعاصر، غافلين عن أن الاتجاه إلى تضمين الأسطورة في هذا الشعر كان اتجاهاً قصدياً لدى الشعراء منذ النصف الأول من القرن العشرين حين انشغل «إلياس أبو شبكة» (1903- 1947) على سبيل المثال، ببناء عدد من قصائده على هياكل رموز الأساطير التوراتية (مجموعة «أفاعي الفردوس» نموذجاً، 1938) وصولا إلى الشطر الأعظم من النصف الثاني للقرن العشرين، حيث شهد هذا النصف منذ مطلعه استدخالاً حماسياً وواعياً للأساطير، استهدف الشعراءُ منه الارتفاع بمستوى شعرهم ومدّه ببعدٍ فكري وجمالي كوني، وبلغ الحماسُ والهوس بالأساطير حداً يضطر معه الناقد أحياناً إلى إسقاط رغبته في إيجاد مرتكز أسطوري على قصيدة من القصائد، أي تحميل بعض القصائد مضامين أسطورية تعجز عن حملها. 
وهكذا، ومع الابتعاد عن كل ما هو واقعي خاص بتجربة الإنسان الحي الملموس، بدأ النقد البنيوي يستدخل مقولات النقد الأسطوري، ويزيد بعضُ تياراته العربية، وقد ظلّ فردياً لحسن الحظ ولم يتحول إلى مدارس، من انحرافه الشكلاني. 
تمثل الانحرافُ الأول في تبني نزعة «تقانية» حيث لا«تقانة» في أي جانب من جوانب الحياة العربية، ثم تبنى نزعة انغلاق البنية ولا زمنيتها، في وقت كانت فيه بنى المجتمعات العربية، الثقافية والسياسية والاقتصاديةتتعرض لمؤثراتٍ داخلية /‏‏‏‏‏خارجية تتدخل، فتغير من عناصرها وتعيد تشكيلها بين عقدٍ وآخر، أما هذا الانحراف الأخير فقد جاء من منابع أخرى، هي منابع تفسير الإبداع تفسيراً نفسياً، لدى «يونج» على وجه الخصوص، ولدى جملة من النقاد اعتمدوا نظريته وتأملاته كأدواتِ تفسيرٍ مثل «نورثروب فراي» و«مود بودكن» (1875- 1967).

ملخص ما ذهب إليه «يونج» هو أن اللاوعي الجماعي البشري يحتفظ بأنماط من بنى أولية أساسية، وهذه الأنماط رموز وأساطير تترسب في اللاوعي منذ عصور سحيقة، وترافق هذه الأنماط الممارسة الإنسانية، وتنبعث في فنونها وآدابها وأديانها. 
لقد ولّد الحماس لاتخاذ بنية الأسطورة أداة تفسير، تياراً باحثاً عن الأساطير في بطون الثقافات القديمة، والبدائي منها بخاصة، بل وولد ميلا ودعوات إلى كتابة نصوص أسطورية مثلما ولد المنهج البنيوي ميلا ودعوات إلى كتابة نصوص بنيوية، وفي ظل هذا الوابل من رؤى تنظر إلى كل شيء من نافذة الأسطورة، تخبط الشعراءُ بين تضمين الأساطير كمعانٍ شعرية في قصائدهم، كما طالب«بدر شاكر السياب»(1926- 1964) بحجة خلو الحياة المعاصرة من الشعر، وبين إعادة نظم الأساطير وتجسيدها في نص كما فعل»خليل حاوي«(1919- 1982) بحجة أن استخدام الرمز، والأسطورة التي يستدعيها، يجنب الشعر آفة التقرير والسرد، وانتقل هذا الحماس إلى محاولة تطبيق المنهج الأسطوري على قراءة الشعر العربي القديم، فظهرت عدة دراسات تتناول الأسطورة في الشعر المسمى جاهلياً، وحاول عدد من الباحثين في مصر إثبات أن للشعر الجاهلي بنيته الأسطورية أيضاً اهتداءً بأطروحات باحثين غربيين من أمثال«سوزان ستيكيفتش» التي بلورت جهود عدة سنوات من اهتمامها بالشعر العربي القديم في كتابها«الخالدون الصامتون يتحدثون: شعر ما قبل الإسلام وشعرية الطقوس»(1993)، ثم أتبعته بكتاب«قصائد البردة الغنائية: قصائد مديح النبي محمد العربية»(2010). 
وهنا من الضروري إيضاح نقطة مهمة سواء فيما يتعلق بطريقة تناول باحثة مثل «سوزان ستيكيفتش» أو طريقة تناول باحثين عرب من أمثال «د. أحمد كمال زكي» (1927- 2008). وخلال إطلاعنا على النصوص الشعرية القديمة المسماة جاهلية بخاصة، والدراسات التي حاولت الكشف عن مستواها الأسطوري، اكتشفنا شيئاً يغيب عن بال النقاد المعاصرين، غربيين وعرباً، وهو أن ما يعتبرونه «أسطورة» ليس سوى معتقدات الشاعر الجاهلي التي تشكل بنية ثقافته، أي أن منظومة هذه المعتقدات هي التي تجسّد أيديولوجيته، وهو لا يتعامل مع هذه المنظومة من منطلق التمييز بين ماهو واقعي وماهو أسطوري كما يتعامل إنسان العصور الحديثة، بل يتعامل معها تعبيراً عن فهمه لنفسه وللأشياء من حوله.

لمحمد الاسعد .

الخليج / موقع الحداثة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate