المرأة

موقع المرأة في ثقافة المجتمع المدني

حظي المجتمع المدني باهتمام الباحثين المهتمين في المجالات المتعددة، وقد نبع هذا الاهتمام بعد أن أخفقت الدولة في تحقيق التنمية في المجتمع، وتحقيق الآمال التي كانت تصبو إليها الشعوب باختلاف انتماءاتها، ونتيجة لهذا الفشل للدولة بأيدلوجياتها المختلفة، اتجهت الأنظار إلى القطاع الثالث (تنظيمات المجتمع المدني).

فقد أكد عدد من المفكرين على ضرورة فتح المجال للمجتمع المدني ليكون شريكاً أساسياً في تطوير المجتمعات وتنميتها ويتضح ذلك في دعوة (انتوني جيدنر) في كتابه (الطريق الثالث) الذي انتقد فيه طريقي الاشتراكية والليبرالية الجديدة ودعا إلى تجديد الديمقراطية الاجتماعية عن طريق سياسة الطريق الثالث الذي يستند على عدة قيم (راعى فيها المتغيرات الجديدة التي تتعرض لها المجتمعات) ومن هذه القيم:- (المساواة، حماية الجماعات المهمشة، الحرية، لا حقوق دون مسئولية، لا سلطة دون ديمقراطية، التعددية العالمية (الكونية)) وقد قام جيدنر في وضع برنامج لسياسة الطريق الثالث يسعى إلى تعميق وتوسيع الديمقراطية (وفيما يخص هذه الورقة) فقد ركز في هذا البرنامج على ضرورة تنشيط المجتمع المدني، وأهمية مشاركة تنظيمات المجتمع المدني للحكومة لتجديد المجتمع وتنميته.

أما عن دور تنظيمات المجتمع المدني في المجتمعات العربية فإنه يعول عليها الكثير بسبب البنية المجتمعية الخاصة لهذه المجتمعات حيث أعتبر أحد الباحثين بأن تقوية تنظيمات المجتمع المدني في الدول العربية من أهم الشروط المؤسسية المسبقة في هذه الدول حيث لا بد أن تقوم هذه الدول بإجراء إصلاحات على المستويات المختلفة لتحقيق التنمية المرجوة، وذلك لأهمية شعور المواطن بالانتماء إلى مجتمعه وولاءه لوطنه من خلال مشاركته في الحياة العامة بمستوياتها العديدة.

وإن لهذه الدعوات الموجهة من قبل الباحثين لفتح المجال أمام تنظيمات المجتمع المدني (القطاع الثالث) نابعة لما لهذا النوع من التنظيمات من ثقافة تستند على عدة معايير وقيم تساهم في الوصول إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في المجتمع، وهذا ما سنستعرضه في العنصر التالي الخاص بدور قيم المجتمع المدني في خدمة قضايا المرأة في المجتمع العربي.

أولاً: قيم المجتمع المدني وقضايا المرأة

يعد ذكر قيم المجتمع المدني جزء أساسي في تعريفات تنظيمات المجتمع المدني لأن نمط القيم التي تستند عليها هذه التنظيمات توضح الأهمية الجلية لضرورة وجود هذه التنظيمات في المجتمع.

ولعل أشهر هذه التعريفات هو تعريف سعد الدين إبراهيم الذي يذهب فيه إلى أن المجتمع المدني “هو مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة، التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف”.

وهناك ثلاثة أركان أساسية ينطوي عليها مفهوم المجتمع المدني

أولاً: الفعل الإداري الحر (مبادرات أهلية مجتمعية)

ثانياً: إطار تنظيمي أو مؤسسي يكون هناك توافق أو اتفاق بخصوصية

ثالثاً: ركن أخلاقي سلوكي يشير إلى الثقافة المدنية لهذه التنظيمات وهي (قبول الاختلاف) الإدارة العلمية للخلافات والصراعات، التسامح والتعاون)

إذن فإن هناك عدة سمات مميزة لهذه التنظيمات منها تميزها بالاستقلالية والتنظيم التلقائي وروح المبادرة الفردية، والجماعية، والعمل التطوعي، والحماسي من أجل خدمة المصلحة العامة والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة كما أنه مجتمع التضامن من خلال تنظيماته المختلفة وتتميز العلاقات في المجتمع المدني بأنها أفقية وليست رأسية.

كما إن المناخ الذي يمكن أن تضيف ثقافة المجتمع المدني عليه يساعد في تحقيق الديمقراطية والعدالة في المجتمع من خلال قيم المشاركة والتسامح الانتماء، ومساعدة الفئات المحرومة في المجتمع. ولهذه التنظيمات دور فعال في تطوير ودفع عملية التنمية من خلال إحداث التغيرات في البنية الاجتماعية التي مهدت أساساً إلى تمكين المجتمع من التطور الذاتي المستمر، بمعدل يضمن تحسين نوعية الحياة لأفراد المجتمع والتطوير والارتقاء بالخدمات التي يحصل عليها الفرد من خلال مساهمة هذه التنظيمات في الحياة العامة، كما أنها تعني بحماية حقوق الإنسان وتعزيز المشاركة الشعبية في التنمية وتضطلع بمهام ومسئوليات اجتماعية وثقافية.

وبعد أن عرضنا أهمية تنظيمات المجتمع المدني وثقافة هذا النوع من التنظيمات نطرح هنا تساؤل: ما الذي يمكن ان تحظى به المرأة في ضوء ثقافة المجتمع المدني؟

من المتوقع أنه في ظل المناخ المفترض وجوده في ظل تنظيمات المجتمع المدني أن يكون اهتمام بالمرأة من ناحية حقوقية وذلك بطرح قضية حصول المرأة على حقوقها على المستوى الخاص والعام.

وذلك لأن المرأة العربية تعاني من الإجحاف في الحصول على حقوق متساوية مع الرجل في المجتمع نتيجة للخلفية الثقافية للمجتمعات العربية التي تعد مجتمعات أبوية ذكورية، إلا أن هناك جهات لتنظيمات المجتمع المدني في سبيل حصول المرأة على حقوقها بل ظهرت نوعية من تنظيمات المجتمع المدني تهتم بالدفاع عن حقوق المرأة وتوعية المرأة بحقوقها، وإن كانت تصنف بأنها نسائية غالباً.

وكذلك الاهتمام بفئات معينة من النساء كالمرأة الفقيرة والمرأة المتعرضة للعنف والاضطهاد، ومن ناحية ثانية فإنه يتوقع في ظل المناخ المثالي الذي يظهر في ثقافة المجتمع المدني أن تتاح الفرصة للمرأة للمشاركة الشعبية باعتبارها فرد ينتمي للمجتمع ويشارك في تنميته وذلك من خلال أن يكون لها دور في هذا النوع من التنظيمات من حيث عضويتها في هذه التنظيمات، وإمكانية وجودها في المراكز القيادية لهذه التنظيمات.

وينبع الاهتمام بقضية عضوية المرأة في تنظيمات المجتمع المدني وبالأخص في مراكز صنع القرار لما يعول على عضوية المرأة في هذه التنظيمات من طرح قضايا المرأة على أجندتها.

ثانياً: أوضاع المرأة في تنظيمات المجتمع المدني

نستعرض في هذا العنصر وضع قضايا المرأة على خريطة برامج المجتمع المدني، من خلال التعرف على البرامج التي تستهدف المرأة وتسعى إلى تحسين أوضاعها في المجتمع، وتعمل على رفع قدراتها في سبيل تمكينها من الاعتماد على نفسها.

أن التتبع التاريخي لطبيعة البرامج التي تقدمها تنظيمات المجتمع المدني للمرأة، تنصف بأنها كانت ذات صبغة خيرية ورعائية من خلال:

1- مساعدة النساء الفقيرات وتقديم العون المادي لهم، وكذلك من خلال العمل على القضاء على الأمية لدى المرأة العربية.

2- مقتصرة لأوائل النساء المنتسبات لتنظيمات المجتمع المدني في الوطن العربي كن من زوجات الأثرياء والطبقة العليا والنخبة التي أتيحت لها فرص التعليم والسفر.

هذا وقد اتضح دور المرأة العربية في تنظيمات المجتمع المدني من خلال فترة مقاومة المستعمر، والمثال على ذلك نضال المرأة المصرية خلال فترة الاستعمار والمرأة الفلسطينية المستمر إلى الآن.

أما بالنسبة للبرامج المقدمة للمرأة في الوقت الحالي فانها قد أخذت منحى جديد بعيداً عن الطابع الرعائي والخيري، متواكباً مع تغير دور تنظيمات المجتمع المدني نتيجة للمتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية، فقد اتجهت تنظيمات المجتمع المدني إلى تبني قضية تمكين الأفراد في المجتمع من خلال تعليمهم وتدريبهم للاعتماد على أنفسهم.

تقدم تنظيمات المجتمع المدن برامج تمكينية للمرأة في المجالات المختلفة (الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية…..)، ومن خلال الاطلاع على تقرير الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، والذي ضم خمسة عشر تقريرا حول دور تنظيمات المجتمع المدني في تمكين المرأة، يتضح لنا بأن غالبية الأنشطة والبرامج الموجهة للمرأة العربية تنصب في مجال التمكين الاقتصادية أكثر من التمكين السياسي من خلال تدريبها على بعض المهن وأكسابها بعض المهارات التي تمكنها من توفير مصدر دخل خاص بها، كما أن هذه البرامج والدورات التدريبية التي تقدمها تنظيمات المجتمع المدني للمرأة العربية تقليدية ومتكررة مثل الخياطة والتطريز والسكرتارية.

وهناك اهتمام لمجال التمكين الاجتماعي من خلال نشر الوعي الصحي للمرأة، ورفع مستواها التعليمي، والاهتمام بموضوع العنف ضد المرأة في المجتمعات العربية.

ويعتبر مجال التمكين السياسي من أقل مجالات تمكين المرأة اهتماماً من قبل تنظيمات المجتمع المدني كما تختلف من قطر عربي إلى آخر.

أما بالنسبة لعضوية المرأة في تنظيمات المجتمع المدني وتواجدها في مراكز صنع القرار في هذه التنظيمات وفقاً لقاعدة بيانات الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، تتفاوت عضوية المرأة العربية من بلد إلى آخر. فإنه تظهر أعلى معدلات عضوية المرأة في المنظمات الأهلية المختلفة في السودان حيث تمثل النساء حوالي 94%، بينما تصل أدنى معدلاتها في دولة قطر حيث تبلغ نسبة عضوية النساء 15% من الأعضاء، كما أن نسبة تواجد النساء في مواقع صنع القرار في تنظيمات المجتمع المدني يتراوح فيما بين 44.6% في تونس، و 11.6% في مصر. وتتفاوت عضوية النساء حسب نشاط التنظيم فإنه تزيد عضوية النساء في منظمات الأمومة والطفولة والأعمال الخيرية والتنظيمات الدينية وذلك نتيجة لثقافة المجتمع التي تقسم مجالات اهتمامات المرأة والرجل، حيث تحصر المرأة في الجانب الأسري وتفتح المجال للرجل للمشاركة في مجال العمل السياسي العام.

إذن فإن أوضاع المرأة في تنظيمات المجتمع المدني في الدول العربية ما هي إلا انعكاس لطبيعة الإطار – الاجتماعي والثقافي والسياسي لهذه المجتمعات، الذي يحدد أدوار بعينها للفرد في المجتمع حسب النوع وليس حسب القدرات والإمكانيات للفرد في المجتمع، وحسب المناخ السياسي ومساحة الحرية المتروكة للمواطن العربي بشكل عام وللمرأة بشكل خاص.

ثالثاً: تقييم دور تنظيمات المجتمع المدني في تمكين المرأة

في ضوء الطموحات التي كانت مرجوة من تنظيمات المجتمع المدني لمساعدة الفئات المحرومة والمهمشة في المجتمع، وفي تحقيق العدالة ونشر قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان كان يفترض أن تنال المرأة العربية امتيازات وحقوق تحت مظلة تنظيمات المجتمع المدني، إلا أن هذا النوع من التنظيمات في مجتمعاتنا العربية لا يزال تحت وطأة الثقافة الذكورية للمجتمع حيث تحد هذه الثقافة من إعطاء المرأة حقوقها وأن تتاح لها الفرص للمشاركة، لا يمكن أن ننكر بأن هناك بعض التنظيمات قد استطاعت أن تنشر الوعي بحقوق المرأة وأن تسعى إلى الحصول على بعض من هذه الحقوق، إلا أن الآمال المرجوة من تنظيمات المجتمع في قضية المرأة لم تتحقق، وما زال أمام هذه التنظيمات في المجتمع العربي الطريق لإنصاف المرأة العربية.

ولكي تقوم تنظيمات المجتمع المدني بدورها في خدمة قضايا المرأة في المجتمعات العربية بشكل خاص والإنسان العربي بشكل عام، لا بد أن تكون هناك بيئة مجتمعية تساعد هذه التنظيمات في أداء دورها، وستتحقق هذه البيئة عند قدرتنا على الإجابة على الإشكاليات التي طرحتها فهمية شرف الدين في مؤتمر سابق عن المجتمع المدني في الوطن العربي والمتمثل في الأسئلة التالية:-

– هل أصبح بناء الفرد مطلباً اجتماعياً في الوطن العربي؟

– هل أصبحت الحرية قيمة بحد ذاتها في الوطن العربي؟

– هل أصبح للمرأة العربية كيان حقوقي خارج المجال الخاص؟

بوابة الإنسانية- موقع حزب الحداثة و الديمقراطية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate