المرأة

الرجل هو مستقبل المرأة

تعمل ناتاشا بولوني، مؤلفة هذا الكتاب، صحفية في مجلة «ماريان» الأسبوعية منذ ما يفوق الخمس سنوات. وهي مكلّفة فيها بصفحات «التربية». تحمل إجازة التأهيل العليا ـ الاغريغاسيون ـ في الآداب ومجازة من كلية العلوم السياسية. وتقوم المؤلفة بتدريس مادة الثقافة العامة الفرنسية في جامعة نانتير.

سبق لها وقدّمت كتابين هما «أطفالنا الذين تخرّبت تربيتهم» عام 2005، و«15 إجراء مطلوبا من الرئيس القادم أو الرئيسة القادمة» في عام 2007، أي قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة.

«الرجل هو مستقبل المرأة» هو كتاب تقوم المؤلفة فيه بعملية «تشريح» للحركة النسائية في وضعها الراهن. وهي تبدأ بنوع من «الجرد» لنضالات هذه الحركة خلال العقود الأخيرة المنصرمة.

ولعلّ أهم ما تخلص إليه هو قولها أن الحداثة تستخدم الحركة النسائية من أجل أن تفرض منظوماتها، هذا مع التأكيد على أن هذه الحركة كانت ذات مضمون تحرري. والنتيجة الأساسية الأخرى تتمثل في قولها أن مستقبل المرأة هو الرجل، وذلك بمعنى إمكانية تشكيل نوع من «الوحدة» التي تقوم على مبدأ الثنائية.

إن المؤلفة تصل إلى مثل هذه النصائح بعد شروحات على مدى 250 صفحة وهي تؤكد فيها أن فترة الحداثة، وخاصة ما بعد الحداثة، قد عرفت «جنوح» الحركة النسائية عن منطلقاتها التحررية. وتشير إلى أن عملية الجنوح هذه قامت على عدّة مراحل ولكن على قاعدة قطيعة إيديولوجية.

وتميّز المؤلفة في شروحاتها بين تيارين كبيرين عرفتها الحركة النسائية الأوروبية عامة، والفرنسية خاصة. التيار الأول جعل موضع اهتمامه الأول هو حصول النساء على حقوق تعادل حقوق الرجال، وهذا ما تمّ التعبير عنه بمبدأ «التكافؤ» بين الجنسين،

وعبر الحصول على مثل هذه الحقوق الوصول إلى التكامل التام في إطار الدائرة الاجتماعية. أما التيار العريض الثاني في الحركة النسائية فتحدده المؤلفة في ذلك الذي لم يكن يرى في الأفق سوى التأكيد على «الخصوصية النسائية في مواجهة السيطرة التي يمارسها الرجال منذ عهود طويلة».

وما يتم تأكيده وتكراره بأشكال مختلفة هو أن هذين التيارين أنتجا رؤيتين مغايرتين لـ «مشروع» الحركات النسائية. رؤية «تحررية» تصبو إلى المساواة ورؤية «تنافسية» تبحث عن «استعادة السلطة» من الرجل وكأن الأمور تتعلق بجبهة حرب يتواجه فيها خصوم لا بد أن ينتصر أحدهما في نهاية الأمر.

هاتان الرؤيتان، تعتقد المؤلفة أنهما «لا يمكن التوفيق بينهما»، بسبب اختلاف نقاط الانطلاق ومنظورات المستقبل. هذا مع أنه يوجد بينهما شعار «النضال من أجل حقوق المرأة». هذان التياران ـ الرؤيتان تؤكد المؤلفة على وجودهما واقعيا منذ بدايات الحركة النسائية.

ولكن الأحداث التي شهدتها فرنسا في شهر مايو 1968 والمعروفة بـ «ثورة الطلبة «شكّلت منعطفاً كبيراً في مسيرة «التنافس» بينهما، إذ أنها كانت عاملا مساعدا أساسيا في انتصار التيار الثاني «تيار المواجهة ضد الرجال»، والذي يعبر عن نزعة ذات طابع يساري متطرف أحياناً. ولكن المؤلفة ترفض أن تصبغ عليه صفة «التقدمية»، بل وتراه أنه تيار يفتقر إلى النزعة الكونية «يونيفرسال» وأنه «مناهض لمبدأ المساواة» نفسه.

وذلك كله على خلفية القول بوجود «طبيعة» نسائية لها خصوصياتها المختلفة تماما عن «الطبيعة» الرجالية، هنا تفتح المؤلفة قوسين كي تشير إلى أنه بعد 60 سنة من صدور كتاب سيمون دوبوفوار الذي حمل عنوان: «الجنس الثاني» تبرز من جديد «مرجعيات مغرقة في رجعيتها» مثل القول بـ «الأنوثة الخالدة».

إن المؤلفة تؤكد على مسألة المساواة في شروحاتها. تقول: «لم أعتبر أبداً أن ميثاق حقوق الإنسان لم يكن موجها سوى إلى إخوتي». وذلك على حد قولها انطلاقا من مبدأ «الاحترام غير المحدود» لكل إنسان، رجلا كان أو امرأة، وذلك طالما أنه يحترم هو نفسه إنسانيته.

ولا تتردد أيضا في القول: «لا أحب النساء عندما يبددن إرث جدّاتهن وأجدادهن وذكرى كم كبير من النضالات، من أجل شراء مرهم لتخفيف السمنة أو من أجل استشارة طبيب مختص بمسائل الجنس دون الشكوى من أي مرض. وإنني أحتفظ بحقي في أن أضحك حيال مثل هذا السلوك، وذلك كي أتجنب البكاء حزنا منه».

وتحت عنوان «وهم الحرية» تشير المؤلفة إلى أن المعركة النسائية قد أخذت في فرنسا، والغرب عامة، شكل ممارسات «طقوسية»، لاسيما عبر العديد من البرامج التلفزيونية. هنا يتم التأكيد على نوع من «التواطؤ» الرّجالي.

بل وتتحدث المؤلفة عن «تأنيث المجتمع والحياة السياسية كبرنامج وكأفق مثالي. ذلك أن المرأة أصبحت هي بطلة الأزمنة الحديثة وما تمتلكه من صفات وقيم كالتسامح والحب والإبداع والتواضع والحزم ستنقذ عالما أفسدته خمسة عشرة ألف سنة من الاضطهاد الرجالي ومن القيم الداعية للحرب».

الترجمة الواقعية لمثل هذه الآراء هي أن قسما هاما من تيار الحركات النسائية السائد اليوم يُبدي عدائية حيال الرجال و«كل ما يمثلونه». وهذا ما يعني بنظر المؤلفة إعلان العداء «ضد التقاليد المؤسسة التي قامت عليها الحضارة الغربية كلها.

وبهذا المعنى اتخذت «الحداثة» من معركة النضال من أجل حقوق المرأة «سلاحاً» من أجل طمس كل ما تبقّى من «العالم القديم». ولكنها، أي الحداثة، تستخدم أيضا، كما تقول المؤلفة، جميع الأسلحة الأخرى من أجل فرض نظامها.

وتركز المؤلفة في شروحاتها على مقولة مفادها أن العديد من النساء، قابلات وقانعات أحيانا، ينخرطن في مشروع كبير لفرض الرقابة على الجميع بواسطة منظومة تقوم على الجمع بين التكنولوجيات «المسيطرة» والإيديولوجيات الاستهلاكية. النتيجة الواقعية التي تترتب على مثل هذا الوضع تحددها المؤلفة بنوع من «الوهم الخادع بالحرية».

ذلك أن هذه الفئة من النساء كن قد بحثن عن الخروج من حالة «الانغلاق» اللواتي كن يعشن بداخلها في ظل السيطرة الذكورية، لكنهن أخذن يصفقن لـ «انغلاق جديد». مع فارق بسيط هو أن هذا الوضع المستجد «أقل وضوحاً» وربما «أكثر عذوبة» بفعل ما يثيره تحديدا من ذلك «الوهم» بالحريّة.

وتحت عنوان آخر حول «برنامج لاستعادة المواقع» تتساءل المؤلفة أولا بأول: «هل هناك قيم نسائية (وقيم رجالية)»؟ وتشير بداية في معرض إجابتها إلى المجلات النسائية التي لا تتوقف عن تكرار القول على مدى صفحاتها أن «النساء أكثر قدرة على الإبداع ويتمتعن بحدس أكبر مما لدى الرجال».

وكذلك يتم توصيفهن على المستوى المهني أنهن «أكثر جدارة في ميدان العلاقات الإنسانية وأكثر مرونة وقدرة على التأقلم في مجتمعاتنا ما بعد الحداثية». بل وتتم الإشارة إلى أعمال أدبية شهيرة تقدم الرجل والمرأة كأنهما قدما من كوكبين مختلفين.

وتنتهي المؤلفة في تحليلاتها إلى القول أن الرجال والنساء وجدوا أنفسهم اليوم في حالة المواجهة مع وجود أفق وحيد هو العالم الدي صنعوه معا. ومصير الاثنان، الرجل والمرأة، هو ولوج دروب المستقبل في مشروع موحّد وإنما يعترف بوجود ثنائية يتساوى طرفاها في الحقوق والواجبات.

ولا تتردد المؤلفة في القول وتكرار أن «الرجل هو مستقبل المرأة» كما جاء في عنوان الكتاب، وذلك في إطار مفهوم الإنسانية التي تتضمن الرجل والمرأة في نفس فكرة «الشخص الإنساني». وعلى أساس هذا المفهوم فقط ترى المؤلفة إمكانية قيام حركة نسائية «ذات طبيعة تقدمية» فعلا وقائمة على قيم «الحرية والمساواة والإخاء»،

وذلك «بالمعنى الكامل الذي يمكن لهذه الكلمات أن تحتوي عليه قبل أن تحوّله الحقبة المعاصرة إلى مجرد شعارات دعائية»، حسب تعبير ناتاشا بولوني. كتاب تطالب فيه مؤلفته أن تأخذ «نساء رائدات» مسؤولية خوض «معركة» تحرر المرأة وتحت لواء «شعلة الإنسانية».

البيان -موقع حزب الحداثة و الديمقراطية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate