اصلاح ديني

الاصلاح الديني الحقيقي

في الوقت الذي تسعي فيه الأديان الي مواجهة صيرورة عدم الإيمان بطرق متفاوتة أبشعها التكفير والقتل وأدناها النفي والتكذيب، إلا أن نفس هذه الأديان تواجه من الداخل محاولات إصلاحية لأتباعها المؤمنين لإزالة كل ما يتلبس بالدين والتراث والفقه من روايات غير حقيقية ساهمت الي اليوم بتعزيز العنف وتقديم صورة مشوهة للدين الإسلامي في عقول العامة أولا، وفي العالم الخارجي ثانيا. إن الإصلاح الديني مصطلح انطلق مع المفكرين والفلاسفة الغربيين قبل بداية الثورة الأوروبية الصناعية، وعند العرب في القرن التاسع عشر مع بدايات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهم بما يعرف بعصر النهضة العربية الأولى، ولعل من أسباب ذلك أن الإصلاح الديني يهدف الي الارتقاء بمستوى المبادئ أو الأخلاقيات الدينية على غرار ما يحدث في المفاهيم الأخرى المتمثلة في الاحترام والحب وحقوق الإنسان، وهو ما يتعارض مع متشددي الأديان في كل زمان ومكان. ويتلازم مع الإصلاح الديني مفهوم التسامح الديني، وهو ما يعطى صفة قبول الآخر قيمة إنسانية إن تم تفعيلها بشكل كبير في المجتمعات لتؤدي لاحقا الي تأصيل الديمقراطية وخيار التعايش المشترك. ولكن هنا، في الوطن العربي نقع في إشكالية كبيرة حيث أن الفهم الحديث للتسامح والذي يشمل مفاهيم الهوية القومية والعرقية والمذهبية والقبلية والتساوي في حقوق المواطنة بالنسبة للأفراد الذين ينتمون إلى ديانات مختلفة ـ لم يكن ذا قيمة من وجهة نظر كثير من رجال الدين والفقهاء، وذلك نظرًا للمعاني التي تنطوي عليها عقيدة التوحيد وحاكمية الإسلام وتفوق الأمة الإسلامية على كل الأمم والأعراق. وبينما رأينا في مجتمع الجزيرة العربية قبل الإسلام مجال واسع للتسامح الديني، حيث كانت اليهوديّة والمسيحيّة حاضرةً بقوة بالإضافة إلى الوثنية العربية الشائعة، ورغم الصراعات المختلفة في هذا المحيط القبلي التعدديّ إلا أنه لم يكن هناك صراعٌ ديني. بعكس اليوم وما نعايشه من تداعيات طائفية ومذهبية امتدت لتشمل كل مجالات حياتنا.
وفي هذا الصدد يوضح مارك كوهينوهو أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة برنستون بالولايات المتحدة الأميركية، “أن جميع الديانات القائمة على عقيدة التوحيد والتي كانت لها نفوذ في الحكم على مر التاريخ كانت ترى أنه سيكون من المناسب، إذا لم يكن إلزاميًا، اضطهاد العقائد المنشقة عنها”. وينتهي كوهين إلى أن ” الإسلام والمسيحية عندما كانت لهم النفوذ في الحكم خلال القرون الوسطى كان ينبغي لهما اضطهاد الجماعات المنشقة التي تعيش على أراضيهم”.
وحتى لا نسترسل كثيرا في ابعاد ومضامين مفهوم التسامح والإصلاح الديني وتأثيرهما البالغ في إحداث التغييرات الأساسية والإنسانية في عالم اليوم، وخصوصا بالمجتمعات الغربية، نرجع الي واقعنا العربي، وتحديدا في مصر وما حدث مؤخرا من اشتداد الحملة الإعلامية المضادة لبرنامج السيد اسلام بحيري والذي يتناول فيه، وفق الأدلة العلمية، وبمنهجية رائعة، تفنيد وإزالة الغموض واللبس الذي صادف وعلق بالتراث الإسلامي على مر العصور والأزمان وتحديدا فيما يتعلق بكتابي البخاري ومسلم. في البداية، لم يعارض هذا البرنامج لا التيار العلماني ولا التيار الشيوعي ولا التيار الوطني، فالإعلام ومساحاته اليوم يجب أن لا يكون حكرا على أي فئة تريد نشر ما تؤمن به. ولكن الغريب جدا أن تأتي المطالبة بقمع البرنامج من قلعة كانت تعرف بالتسامح الديني والتعايش مع الآخر واحترام الآراء والمذاهب، ألا وهي الأزهر. مما جعلنا نعيد حساباتنا ونغير من أسلوب كتاباتنا، وننتهي الي ما قيل بأن لا وسطية مع الإسلام ولا اعتدال ولا تسامح ولا حرية رأي وتعبير، إذا ما جاء هذا النقد ضد كهنوت وعصابات مدعي الإسلام. وكالعادة اتخذ الدفاع عن ايقاف البرنامج الديباجة المعروفة ضد الرأي الآخر وهنا أنقلها حرفيا “البرنامج يحرض على الفتنة” هكذا كان رد الأزهرعلى برنامج “مع إسلام” للسيد إسلام بحيري، الذي يذاع على فضائية القاهرة والناس، مقدماً بشكوى إلى المنطقة الحرة الإعلامية بالهيئة العامة للاستثمار ضد البرنامج، لما يمثله، أنظر هنا الأسلوب الذي لا يختلف كثيرا عن بدايات دولة الخلافة وقتل المرتدين، من خطورة في تعمده تشكيك الناس فيما هو معلومُ من الدين بالضرورة، بالإضافة إلى تعمقه في مناقضة السلم المجتمعي، ومناهضة الأمن الفكري والإنساني، مما يجعل البرنامج يمثل تحريضا ظاهرا على إثارة الفتنة وتشويه للدين ومساس بثوابت الأمة والأوطان وتعريض فكر شباب الأمة للتضليل والانحراف. انتهي اتهام الأزهر، ومن يقرأ هذه التهمة يستشعر بأنها موجهة لإستعمار جديد، ممن يحاول غزو مصر والاستقرار فيها فهبت نسائم الحرية والجهاد على دعاة الأزهر لمواجهة هذا العدوان، ولكن في الحقيقة لم يكن اتهام الأزهر إلا بلاغا مؤلما يزيد من عمق الأزمة العربية وفشل العقل العربي ويدعم التعصب الديني والتشدد ويعطي حجة للتيارات الإسلامية الراديكالية من أمثال داعش والقاعدة بأن نظرياتهم المعرفية المستندة على الدين الإسلامي صحيحة وبأن لا تسامح مع الإسلام ولا حرية رأي ولا انتقاد ابدا، وأن كلام المنثور في الماء اسامة بن لادن صحيحا بأن ليس هناك في العالم سوى فسطاطين، فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر، وما علينا كشعوب عربية إسلامية إلا أن نرضخ لمن يريد أن يجعلنا عبيدا لا رأي لهم ولا كلمة أمام تجار الدين وعصابات التأسلم السياسي.
إن ما يحاول اثباته وقوله اسلام بحيري ببساطة أن يا سادة يا كرام يا مسلمين لم يعد مجديا اليوم الاستمرار في الاعتماد على كتب التراث الإسلامي بما تحويه من تناقضات ومن خرافات ومن أساطير وأوهام تلاصقت بصفحات الكتب الدينية حين تم تدوينها في الزمن الغابر، بل لابد لنا إن أردنا التقدم والنهضة أن نبدأ بنقد كتبنا الإسلامية، ففيها ومن بطونها نشأت داعش، ومن فتاويها وأئمتها خرجت المذاهب المتناحرة وتناثرت الدماء على طول وعرض المدن العربية والإسلامية. فهذه الحقيقة لن يستطيع إنكارها أي شخص يقرأ التاريخ ويرى تشابه الماضي الإسلامي، بمن يريد تطبيق الشريعة اليوم في المجتمعات العربية، ولم يعد هناك أي فرق اليوم بين معتدل ووسطي ومتطرف أو متشدد، بل أصبحوا غالبيتهم، إن لم نقل جميعهم، في مركب الدعوة الي العنف والي مواجهة الآخر والي إقامة الخلافة بكل ما استطاعوا من قوة ومن سيوف ومن تفجيرات ليرهبوا الشعوب ويقيموا دولتهم على جماجم الشعوب العربية..ولعل أدق وصف في حالهم هو قول نصر حامد أبو زيد في سياق تشكيكه في جدّية التفريق بين المعتدل والمتطرف في كتابه نقد الخطاب الديني: ( الحقيقة أن الفارق بين هذين النمطين المعتدل والمتطرف فارقٌ في الدرجة لا في النوع. والدليل على ذلك أنّ الباحث لا يجد تغايراً أو اختلافاً من حيث المنطلقات الفكريٌة أو الآليّات بينهما.. ويتجلّى التطابق في اعتماد نمطيّ الخطاب على عناصر أساسيّة ثابتة في بنية الخطاب الديني بشكلٍ عام عناصر أساسيّة غير قابلة للنقاش أو الحوار أو المساومة). ويقول أيضاً: ( وكما يتطابق نمطا الخطاب من حيث المنطلقات الفكريّة يتطابقان كذلك من حيث الآليات التي يعتمدان عليها في طرح المفاهيم وفي إقناع الآخرين واكتساب الأنصار والأعوان). هنا، ووفق حديث أبوزيد تحارب المؤسسة الدينية دائماً أيّ صوت يحاول أن يشكّك في منهجيتها أو أفقها أو يمسّ ثوابتها حتى لو كان هذا الصوت منبثقاً من داخلها. حدث هذا مع علماء من الأزهر سابقا مثل خلع عمامة الشيخ علي عبد الرازق لانه أصدر عام 1925 كتاب” الإسلام وأصول الحكم” الذي أثبت فيه بالشرع وصحيح الدين عدم وجود دليل على شكل معيّن للدولة في الإسلام، بل ترك الله الحرية في كتابه للمسلمين في إقامة هيكل الدولة، على أن تلتزم بتحقيق المقاصد الكلية للشريعة، والكتاب أثار ضجة بسبب آرائه في موقف الإسلام من “الخلافة” حيث نُشَر الكتاب في نفس فترة سقوط الخلافة العثمانية وبداية الدولة الاتاتركية. فحينما يتعلّق الأمر بالثوابت لا حصانة لأحد فمجموعة المسلّمات المفروضة داخل أي مؤسسة دينية هي ما تبقيها حيّة وفاعلة وأيّة محاولة تشكيكية بها تعني إهدار مئات السنين من ترويض العقول وسحق ذاتيّة الأتباع وهذا ما لا يتحصّل بسهولة. وهذا تماما أيضا ما حدث من ردة فعل الأزهر على برنامج البحيري الذي بدأ يدق جرس الخطر من سنوات طويلة من التقليد الأعمي والذي أوصلنا الي التخلف والفساد وجمود العقل العربي عن الفعل والمشاركة الحضارية.
في الحقيقة، يخطيء من يظن أن المعتدل في خطابه الديني بعيد عن المتطرف طالما يخضع الطرفان لسلطة النصّ وعصمته وسطوته، فالأزهر استخدم نصوصا دينية وأحاديث للدفاع عن وجهة نظره لمنع برنامج البحيري، وداعش ايضا استخدمت نصوص دينية وأحاديث للدفاع عن أفعالها. إن المعتدل ببساطة هو الحاضنة الطبيعية والبيئة الآمنة للمتطرف، يخرج منها المتطرف متى شاء ويعود إليها متى حوصر، فوجود المعتدل ضرورة للمتطرّف كي يتماهى داخل بنيته كلما هوجم، أي يدعي بأنه معتدل ومن فعل الفعل الآثم إنما هو إرهابي، بينما لا يختلف الطرفان تقريبا. ولو وقف المتطرف وحيداً في مجتمعاتنا لوجد نفسه في حرب مع العالم لا تنتهي إِلَّا باستئصاله، إلا أن وجود المعتدل يحميه..فكيف إذا كان مؤسسة عريقة ذات تاريخ بادعاء الوسطية والتسامح؟!!. من ناحية أخري فإن أدبيّات الاعتدال ومصادره ونصوصه وفتاواه هي ذات مرتكزات التطرّف، الفارق الوحيد في الفعل هو على الأرض، فالمواجهة الآن مع داعش على الأرض، ولكل لنتأمل في كتب المعتدلين ومصادرهم ورسائلهم العمليّة ستجد التكفير وأحكام الحرب وأحكام أهل الكتاب هي ذاتها التي يمارسها داعش على الأرض. هذه معضلةٌ فريدة نلمسها واقعاً في بنية الخطاب الديني داخل المؤسسات الدينية، سواء في الأزهر، أو في السعودية أو في إيران. فتشابه المؤسسات الدينية في تلك الدول من ناحية آلية الفتاوى ومنهجية النقل والتقليد والتكفير، أفرزت الصراعات وغياب الإصلاحات الدينية المؤطرة للنهضة وتصحيح المسار. إن الخطوة الصحيحة والأساسية في مواجهة الأزهر تتمثل في إنتقاد المنظومة الدينية بكاملها، في نقد مصادرها، في تغيير أولوياتها، في تجميد بعض نصوصها الدالة على العنف والكراهية وقتل الآخر، في إلغاء كلّ ما هو خرافيّ ووحشيّ وعنصريّ وتمييزي من النصوص، في تقديم رؤية علمانية جديدة توافق العصر والحريّة وحقوق الإنسان والديمقراطية، ولا تضع المكياج لتجميل القبيح، والتمترس في خندق الإنكار وطمس الحقيقة، ومحاربة كل من يفكر لينقذنا، كما قال عبدالرزاق الجبران من لصوص الله

لعبد العزيز عبد الله القناعي

مركز الدراسات و الأبحاث العلمانية في العالم العربي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate