حداثة و ديمقراطية

كيف تكون القوة السياسية؟

هرم طبقات القوة السياسية يبدأ من معطيات لا علاقة للإنسان بها؛ مثل الموقع الاستراتيجي، والموارد الطبيعية.

علم السياسة في مُجمله يدور حول مفهوم القوة، أو السلطة التي هي في جوهرها قوة مؤطرة بالقانون، ومبررة بالشرعية. كل تعريفات السياسة تتضمن مفهوم القوة؛ حتى ولو كانت السياسة عملية أخلاقية غايتها أخذ الناس إلى الصلاح وإبعادهم عن الفساد، فهذه العملية الأخلاقية المثالية لا تتم بدون قوة إنفاذ القانون. والقوة في السياسة لها معان كثيرة، وطبقات عديدة يتراكم بعضها فوق بعض، تبدأ بالقوة المادية؛ اقتصادية فعسكرية، وتنتهي بالقوة السياسية مروراً بالقوة الناعمة.

 وحيث أن موضوعنا هو القوة السياسية فسيكون بها البدء وأيضا فيها المنتهى، وتعريف القوة السياسية بصورة مبسطة ومفهومة أنها: “القدرة على أن تجعل الآخرين يحققون ما تريد دون أن تأمرهم بذلك”. أي أن كمال تحقق القوة السياسية للدولة أو للقائد السياسي هو الوصول إلى حالة من عدم استخدام القوة، أو السلطة، أو الأمر، وكأننا نقول هنا إن قمة الوصول إلى القوة السياسية هي حالة انعدام استخدام القوة.

غير أن الوصول إلى حالة القوة السياسية مسألة صعبة المنال، وبعيدة الوصال، تمر عبر مراحل عديدة من طبقات تراكم القوة الشاملة بكل أنواعها، بحيث تنظم هذه المراحل معا رؤية سياسية من القيادة، ووعي جمعي من الشعب، وإدراك سياسي راسخ في النخبة السياسية والثقافية. وكذلك فإن طبقات القوة الشاملة يتراكم بعضها فوق بعض بعمل عمدي هادف، يخطط للمستقبل من عمق الماضي، ويرى ما يحدث بعد قرن وكأنه يحدث غداً.

وهذا يعني أن القوة السياسية لا تتحقق للنظم التي تدير الدول كما تدير الشركات أو المصالح الاقتصادية بمنطق الربح والخسارة، والشراء والبيع، ولا للنظم التي تحركها قناعات جامدة، ورؤى مسبقة، وإيديولوجيات مغلقة، ولا للنظم التي لا تميز بين الإدارة والسياسة، وتتعامل مع إدارة الدول بمنطق التخلص من المشاكل، أو تلبية الحاجات اليومية للشعب للقضاء على الإزعاج الذي تمثله المطالب الدائمة.

وهرم طبقات القوة السياسية يبدأ من معطيات لا علاقة للإنسان بها؛ مثل الموقع الاستراتيجي، والموارد الطبيعية؛ التي تملكها هذه الدولة أو تلك، ثم تأتي بعد ذلك القوة البشرية ممثلة في السكان عدداً، أو نوعية، لأن عدد السكان وحده قد يتحول إلى وسيلة ضعف، فالكتلة البشرية مالم تكن متميزة من حيث النوعية لن تمثل طبقة من طبقات القوة، وكذلك فإن النوعية المتميزة قد تعوض العدد الكبير، والمثال التاريخي لذلك هو المقارنة بين عدد سكان بريطانيا العظمى وعدد الشعوب والأمم التي استعمرتها لقرون متتالية.

ثم تأتي بعد ذلك الطبقات التي يصنعها الإنسان نفسه؛ وأهمها القوة الاقتصادية القادرة على تحقيق درجة من الاكتفاء الذاتي، والاعتماد على المقدرات الوطنية، لأنه لن تكون هناك قوة سياسية لمن يعيش على المنح والعطايا والقروض، والتسول الدولي. ولن تتحقق القوة السياسية لمن لا يضمن قوت شعبه للمدة الزمنية اللازمة للدخول في حرب، وهي ستة شهور على الأقل حسب رأي الخبراء العسكريين.

وعلى القوة الاقتصادية تتأسس القوة التعليمية والعلمية والتكنولوجية اللازمة لتملك أدوات العصر، وتكوين جيل من البشر القادرين على تحقيق احتياجات المجتمع والدولة خصوصا الاحتياجات الطبية والعسكرية، لأنه بدون تعليم وعلم لن تكون هناك قوة سياسية لأي كيان مهما امتلك من القدرات الاقتصادية، والموارد الطبيعية. وبالقوة العلمية والتعليمية والثقافية تتحقق القوة الناعمة التي هي الوسيلة الأساسية لنفاذية القوة السياسية، وسريانها داخل الدولة وخارجها، لأن الثقافة والفنون والآداب التي هي نتاج للقوة العلمية والتعليمية ضرورية لتمهيد الطريق للقوة السياسية الحقيقية.

وأخيرا تكون قمة الهرم في القوة العسكرية؛ التي تحقق الردع للأعداء والخصوم والمتربصين في الداخل والخارج، فبدون القوة العسكرية تصبح الدولة جمعية خيرية، أو كائنا ظريفا لطيفا يمكن أن يحبه ويحترمه من يعرف قيمته، ويمكن أن يتجاوز في حقه ويعتدي عليه من لا يريد أن يراه قوياً.

وإذا نظرنا إلى الواقع العربي في لحظتنا التاريخية هذه سنجد أنه يحتاج الى القوة السياسية أكثر من أي وقت مضى، فلم تعد الوسائل القديمة صالحة لتقديم حلول لأي من مشاكله، فالأيديولوجيا القومية والدينية لم يعد لها مكان ولا دور في عصر الشعبوية، ودخول العوام في الحركة السياسية، وتوظيف الأحزاب الأيديولوجية لهم، وكذلك لم يعد للشعارات والخطب دور ولا فائدة في عصر لا يعرف إلا الحقائق على الأرض، ما نحتاجه اليوم هو الاستثمار في القوة السياسية وتجميعها وتعظيم دورها، وإعادة اكتشافها في بعض الحالات.

ولعل التطورات الأخيرة في القضية الليبية، وفي النزاع على الموارد الطبيعية في شرق المتوسط مثال يستحق التأمل لفهم القوة السياسية، ومعرفة كيف تكون؟ وبأي طريقة تتحقق؟ لقد نجحت مصر في توظيف منظومة القوة لديها لخلق قوة سياسية حقيقية في شرق المتوسط دفعت تركيا للتراجع والهروب إلى البحر الأسود. أما في ليبيا فكانت القوة السياسية أكثر بروزا وتأثيرا، فتم توظيف وجود القوة العسكرية دون استخدامها في تحقيق الأهداف المرجوة، وهي وقف التمدد التركي، وتحجيم المليشيات ومنع إشعال حرب أهلية تعم الجغرافيا الليبية.

لد.نصر محمد عارف

العين الاخبارية- موقع حزب الحداثة و الديمقراطية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate